رويترز العربية - روسيا: نناقش إعادة هيكلة قاعدتينا العسكريتين في سوريا فرانس 24 - القصف الإسرائيلي يقتل 133 مسعفا في مئة يوم: هل يصمد القطاع الصحي في جنوب لبنان؟ يني شفق العربية - استشهاد 3 فلسطينيين في غزة.. الحصيلة ترتفع لـ72 ألفا و991 شهيدا العربي الجديد - سورية.. مليون لتر مازوت مدعوم إلى الحسكة بعد احتجاجات وكالة الأناضول - أردوغان: كثفنا استعداداتنا لتصبح قمة أنقرة نقطة مرجعية في تاريخ الناتو الجزيرة نت - بعد إعلان إسقاط أباتشي أمريكية.. ما حقيقة فيديو نقل إيران حطام مقاتلة "إف-35" مدمرة؟ Euronews عــربي - اليابان: 20 ألف توقيع ضد استخدام ترامب والبيت الأبيض للأنمي في السجالات السياسية رويترز العربية - حزب الليكود الإسرائيلي يعلن اعتزام نتنياهو الترشح لخوض الانتخابات روسيا اليوم - "روس كوسموس" تعلن عن جاهزية روادها للرحلة القادمة إلى المحطة الفضائية CNN بالعربية - نجل مخرج شهير متهم بقتل والديه يطالب بحصة من الميراث للدفاع عن نفسه
عامة

فصل الدين عن الدولة: لماذا لا يكفي الحديث عن منع استغلال الدين في السياسة؟

سودانايل الإلكترونية
1

رد على مقال نُسب إلى السيد مبارك الفاضل المهدي وتم تداوله عبر وسائط التواصل الاجتماعييثير مقال السيد مبارك الفاضل المهدي حول شعار «فصل الدين عن الدولة» جملة من القضايا المهمة التي تستحق النقاش الهاد...

رد على مقال نُسب إلى السيد مبارك الفاضل المهدي وتم تداوله عبر وسائط التواصل الاجتماعييثير مقال السيد مبارك الفاضل المهدي حول شعار «فصل الدين عن الدولة» جملة من القضايا المهمة التي تستحق النقاش الهادئ، لا سيما أنه يستند إلى تاريخ طويل من الحوارات والاتفاقات السياسية السودانية.

غير أن المقال، رغم ما يحتويه من إشارات صحيحة إلى فشل توظيف الدين في التجربة السياسية السودانية، ينتهي إلى نتيجة تبدو متناقضة مع مقدماته، إذ يرفض شعار فصل الدين عن الدولة بينما يقدم في الواقع مبررات تؤكد الحاجة إليه.

أول ما يلفت النظر أن السيد مبارك يضع شعار فصل الدين عن الدولة في مواجهة الديمقراطية، ويقول إن مثل هذه القضايا ينبغي أن تُترك لصناديق الاقتراع.

لكن هذا الطرح يخلط بين المبادئ الدستورية الأساسية وبين البرامج السياسية المتنافسة.

فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية، وإنما هي أيضاً منظومة من الحقوق والضمانات التي لا تخضع لتقلبات المزاج الانتخابي.

لا تُطرح المساواة بين المواطنين أو حرية الاعتقاد أو استقلال القضاء عادة للتصويت في كل دورة انتخابية، لأنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه العملية الديمقراطية نفسها.

وكذلك فإن حياد الدولة تجاه الأديان ليس برنامجاً حزبياً عادياً، بل مبدأ دستوري يهدف إلى حماية جميع المواطنين، مؤمنين وغير مؤمنين، مسلمين وغير مسلمين، من هيمنة أي تفسير ديني على المجال العام.

ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كان الشعب هو الذي يقرر كل شيء عبر الانتخابات، فماذا لو قررت أغلبية ما الانتقاص من حقوق أقلية دينية أو فرض تشريعات تمييزية؟ هنا تظهر أهمية المبادئ الدستورية فوق الانتخابية، ومنها مبدأ حياد الدولة تجاه المعتقدات الدينية.

ويذهب السيد مبارك إلى أن شعار «فصل الدين عن الدولة» غير دقيق، لأن الدولة تنظم دور العبادة وتحمي حرية الدين.

لكن هذا الاعتراض يقوم على فهم غير دقيق لمفهوم الفصل نفسه.

فالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة لا تعني أن الدولة تتجاهل وجود الدين أو تمنع الممارسات الدينية، وإنما تعني ألا تستمد شرعيتها من دين معين، وألا تمنح امتيازاً لمجموعة دينية على حساب أخرى، وألا تتحول المؤسسات العامة إلى أدوات لفرض رؤية عقدية بعينها.

فالدول الديمقراطية الحديثة التي تتبنى الفصل بين الدين والدولة لا تمنع بناء المساجد أو الكنائس، ولا تمنع التعليم الديني الطوعي، ولا تتدخل في عقائد الناس.

لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن تصبح الدولة ممثلاً رسمياً لدين محدد أو حارساً لتفسير ديني معين.

والواقع أن التجربة السودانية نفسها تقدم الدليل الأقوى على ذلك.

فالمشكلة لم تكن فقط في “استغلال الدين في السياسة”، كما يقول السيد مبارك، بل في وجود دولة منحت نفسها حق التحدث باسم الدين أصلاً.

فعندما تعلن الدولة أن قوانينها تستمد شرعيتها من تفسير ديني معين، يصبح من السهل على أي جماعة سياسية أن تدعي احتكار ذلك التفسير، وأن تصف خصومها بأنهم خصوم للدين لا خصوم سياسيون.

لهذا فإن منع استغلال الدين في السياسة لا يمكن أن يتحقق بمجرد النوايا الحسنة أو النصوص العامة، وإنما يتطلب وجود دولة محايدة لا تنحاز دينياً لأي طرف.

فالفصل هنا ليس عداءً للدين، بل حماية للدين من التسييس، وحماية للسياسة من التقديس.

أما الاستناد إلى مؤتمر أسمرا واتفاقات نيروبي ودستور 2005 باعتبارها حسمت القضية نهائياً، فهو استنتاج يحتاج إلى مراجعة.

فالتوافقات السياسية ليست نصوصاً مقدسة، ولا تصبح صحيحة إلى الأبد لمجرد أن أطرافاً معينة قد وقعت عليها في لحظة تاريخية محددة.

وإذا كانت تلك الصيغ قد نجحت بالفعل في معالجة المشكلة، فلماذا ظل النزاع حول علاقة الدين بالدولة أحد أكثر أسباب الانقسام السياسي والحروب الأهلية حضوراً في السودان حتى يومنا هذا؟الحقيقة أن اتفاقات أسمرا ودستور 2005 كانت محاولات مهمة لإدارة الأزمة، لكنها لم تنه الجدل الفكري والسياسي حول جذور المشكلة.

بل إن انفصال جنوب السودان نفسه كان دليلاً على أن قضية الهوية وطبيعة الدولة لم تجد حلاً نهائياً ومستداماً.

ومن الملاحظ أيضاً أن السيد مبارك يقدم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان باعتبارها الضمانة الأساسية للحقوق والحريات، وهو طرح جدير بالتأييد.

لكن إذا كانت هذه المواثيق هي المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع، فما الضرر إذن في النص صراحة على حياد الدولة دينياً؟ أليس هذا هو التطبيق العملي لمبدأ المواطنة المتساوية الذي يدعو إليه؟إن الخلاف الحقيقي ليس بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة المدنية، كما يصور المقال أحياناً، وإنما بين تصورين للدولة: دولة تنتمي إلى جميع مواطنيها بالتساوي، ودولة تمنح نفسها هوية دينية رسمية تجعل بعض المواطنين أقرب إليها من غيرهم.

لقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتت تجارب عديدة في العالم، أن الدين يظل أكثر احتراماً وتأثيراً حين يكون مصدر إلهام أخلاقي وروحي للمجتمع، لا أداة في يد السلطة.

كما أثبتت أن الدولة تكون أكثر عدلاً واستقراراً عندما تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات.

لذلك فإن شعار «فصل الدين عن الدولة» ليس دعوة لإقصاء الدين من حياة الناس، ولا محاولة لإحياء استقطابات قديمة، بل هو محاولة لوضع حد نهائي للاستغلال السياسي للدين عبر إزالة الشروط التي تجعل هذا الاستغلال ممكناً أصلاً.

وإذا كان الأستاذ مبارك يدعو بحق إلى دولة المواطنة والحقوق والحريات وسيادة القانون، فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: كيف يمكن تحقيق ذلك عملياً دون دولة محايدة دينياً، لا تتبنى عقيدة رسمية ولا تمنح امتيازاً سياسياً لأي تفسير ديني؟ذلك هو جوهر النقاش الذي لم يُحسم بعد، والذي لا ينبغي اختزاله في مجرد خلاف حول الشعارات.

فالقضية في النهاية ليست مصطلح «العلمانية» أو «فصل الدين عن الدولة»، وإنما بناء دولة يشعر كل سوداني، أيّاً كان دينه أو معتقده، بأنها دولته كاملة غير منقوصة.

muhammedbabiker@aol.

co.

uk.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك