الأسبوع العالمي للأرشيف (8-12 يونيو 2026)في الحروب تُقصف الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، لكن ثمة أهدافاً أكثر خطورة من البنية التحتية المادية؛ إنها مؤسسات الذاكرة التي تحفظ تاريخ الأمم ووعيها الجمعي.
ولذلك لم يكن احتراق مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية مجرد حادثة تخريب عابرة في سياق الحرب، بل كان اعتداءً على أحد أهم مستودعات الذاكرة الوطنية السودانية.
لقد عرفت البشرية نماذج مؤلمة لاستهداف الذاكرة الثقافية والمعرفية أثناء النزاعات.
ففي البوسنة أُحرقت المكتبة الوطنية في سراييفو عام 1992، وضاعت مئات الآلاف من الوثائق والكتب النادرة في محاولة لمحو الشواهد الثقافية والتاريخية.
وفي العراق تعرضت المكتبة الوطنية ودار الوثائق لأعمال تدمير ونهب واسعة عقب حرب 2003.
ولم تُنظر إلى تلك الوقائع بوصفها خسائر ثقافية فحسب، بل باعتبارها ضرباً للهوية الوطنية واعتداءً على الذاكرة الجماعية للشعوب.
ومن هذا المنظور، فإن ما أصاب مركز محمد عمر بشير يندرج ضمن الكوارث المعرفية التي تخلّفها الحروب.
فالمركز لم يكن مجرد مكتبة جامعية، بل مشروعاً وطنياً للتوثيق والبحث العلمي، تراكمت فيه على مدى عقود كتب نادرة ووثائق ومخطوطات ودوريات شكلت مرجعاً أساسياً للباحثين والدارسين في الشأن السوداني.
كما أن استهدافه جاء في سياق الاعتداء على واحدة من أبرز مؤسسات التعليم الأهلي في السودان؛ جامعة أم درمان الأهلية، التي مثلت منذ تأسيسها نموذجاً رائداً للمبادرة المجتمعية والاستثمار في التعليم والمعرفة.
والأخطر من حجم الخسارة المادية هو ما توحي به ملابسات الحادثة من استهداف متعمد لمؤسسة معرفية ورمز أكاديمي ذي قيمة وطنية.
فإحراق مركز يحمل اسم المفكر والمؤرخ محمد عمر بشير لا يمكن فصله عن الدلالات الرمزية لاستهداف الذاكرة نفسها.
ذلك أن الحروب حين تعجز عن هزيمة الأفكار، كثيراً ما تتجه إلى محو أوعية حفظها وتداولها.
لقد باتت الأدبيات الدولية تتحدث اليوم عن «الأمن الأرشيفي» بوصفه جزءاً من منظومة الأمن الوطني، انطلاقاً من أن الوثائق والسجلات والأرشيفات تمثل أصولاً استراتيجية للدولة لا تقل أهمية عن الأصول الاقتصادية.
فالذاكرة المؤسسية هي التي تحفظ الحقوق، وتدعم الحوكمة الرشيدة، وتعزز الشفافية والمساءلة، وتوفر المعرفة اللازمة للتخطيط وإعادة البناء.
ولذلك فإن استهداف الأرشيف هو في جوهره استهداف لقدرة الدولة على التعافي واستعادة وظائفها الطبيعية.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار الأسبوع العالمي للأرشيف لهذا العام ــ «الأرشيف من أجل العدالة والحقوق والذاكرة والمستقبل» ــ دلالة خاصة في السودان.
فما جرى لمركز محمد عمر بشير يذكرنا بأن معركة إعادة الإعمار لا تتعلق بإعادة بناء المباني وحدها، بل بإعادة بناء الذاكرة أيضاً.
فالأمم التي تفقد أرشيفها ومراكزها المعرفية تفقد جزءاً من قدرتها على فهم ذاتها وصياغة مستقبلها.
إن احتراق المركز لا ينبغي أن يُسجل كخسارة لمؤسسة أكاديمية فحسب، بل كجرح أصاب الذاكرة الوطنية السودانية في أحد أكثر مواضعها حساسية.
وربما يكون الوفاء الحقيقي لهذه المؤسسة الرائدة ولرسالة جامعة أم درمان الأهلية هو تحويل هذه المأساة إلى نقطة انطلاق لمشروع وطني لحماية الأرشيف السوداني ورقمنته وتأمينه، حتى لا تصبح ذاكرة الوطن ضحية أخرى من ضحايا الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك