اشار د.
عبد الله على ابراهيم في مقال له بعنوان “إعلان التاسع من يونيو 1969: بصمة جوزيف قرنق” ‘ سودانايل ٩ يونيو ٢٠٢٦’“وأحسن سكينجا مرة اخرى حين قال إن اتفاقية أديس أبابا 1972، التي أنهت دورة أخرى من الحرب الأهلية، قد خرجت من “فرث ودم” ذلك الإعلان (إعلان ٩ يونيو ١٩٦٩).
ولم ير الشيوعيون أنفسهم في تلك الاتفاقية إيجابية واحدة بغض النظر وناصبوها العداء فتفرق التاريخ وصار إعلان التاسع من يونيو نساً منسياً”.
فهل صحيح ذلك وما هو موقف الحزب الشيوعي السوداني من اتفاقية أديس ابابا؟
أذكر في تعليقي على كتاب د.
جعفر كرار ” الحزب الشيوعي السوداني والمسألة الجنوبية” (دار جامعة الخرطوم ٢٠٠٥)’ الذي آثار الموضوع نفسه’ رديت على ما أشار له في الكتاب ص (304) الي أن (معارضة الحزب الشيوعي لاتفاقية أديس أبابا جملة وتفصيلا تنم عن تسرع نتج عن غلبة روح المعارضة السياسية والكراهية الشديدة لحكومة الرئيس جعفر نميري علي القراءة المنهجية المتأنية التي جبل عليها الشيوعيون السودانيين، وقد حرمت هذه المعارضة الحزب من ان يري الكثير من الايجابيات والرؤي المضمنة في قانون الحكم الذاتي الموقع في عام 1972م).
في اعتقادي أن المشكلة لم تكن في قانون الحكم الذاتي، ولكن كانت في حكم الفرد الذي صادر الحقوق والحريات الديمقراطية والتي تعتبر الشرط الأساسي لنجاح الحكم الذاتي، واستمرار السلام والتنمية، فحكم الفرد هو الذي نسف الاتفاق، وانفجرت الحرب من جديد في الجنوب بشكل اوسع من السابق عام 1983م، وهذا ما كان يحذر الحزب الشيوعي منه.
ونلاحظ أن الكاتب نفسه أشار الي نقطة صائبة في ص 301: ( ان حكم الفرد في بلد مترامي الأطراف ومتعدد القوميات كالسودان، يضر بشكل بالغ بقضية الوحدة الوطنية، ولاسيما بالنسبة للمسألة الجنوبية التي تتطلب حلا وليست القرارات الفوقية).
وقد لخص الفريق جوزيف لاقو في مذكراته التي ترجمها الاستاذ/ محمد علي جادين، وصدرت عن مركز محمد عمر بشير 2005م، لخص تجربة انهيار اتفاقية اديس ابابا في ص 485، في الاتي:( مزق نميري عمليا قانون الحكم الذاتي الاقليمي لسنة 1972 م، واستبدله بالأمر الجمهوري لسنة 1983م، الذي اصدره بأمر مؤقت، ونتيجة لذلك، أصبحت مديريات الجنوب تخضع لقانون الحكم الاقليمي لسنة 1980م مع المديريات الشمالية الست(تقسيم الاقليم الجنوبي الي ثلاثة أقاليم).
كما أشار جوزيف لاقو في ص: 487- 488 من مذكراته الي عوامل اسهمت في انفجار وتطور التمرد أهمها:الارتباك والتشويش السائد وسط السياسيين الجنوبيين الناتج أساسا من ضعف الاجراءات والجوانب الاقتصادية في اتفاقية اديس ابابا 1972م.
خيبة الأمل الناتجة من عدم جدية الحكومة المركزية لتنفيذ أي مشاريع تنموية في الجنوب بعد تطبيق الحكم الذاتي الاقليمي.
حدوث تغيير في توجهات الشمال، حيث اصبحت الحكومة المركزية اكثر انحيازا للاسلام والعروبة، وهي توجهات لاترضي الجنوب، وادت في النهاية الي ظهور ردود فعل معاكسة وسط تجمعاته السياسية، وصلت قمتها بدعوة لقيام حركة تحرير جديدة.
توجهات نميري الميكيافيلية للسيطرة والاستمرار في كراسي الحكم، أدت الي استبعاد وتهميش معظم السياسيين الجنوبيين من حوله بعد استخدامهم واستغلالهم في صراعاتهم مع بعضهم البعض، وسلوكه غير المستقر هذا لم يترك له سوي الباحثين عن المواقع والمصالح الضيقة.
تواصل رفض الجنوبيين لاعادة تغيير القوات العسكرية في الجنوب بشكل دوري بين فترة واخري، وادي ذلك الي عودة الصراع المسلح من جديد، والي تحريك مشاعر الجنوبيين ومطالبتهم بجيش مستقل ودولة مستقلة، وبدأ الشمال يبدو كمستعمر اكثر من شريك في رابطة وطنية مشتركة.
عمليات (الكشة) التي تركزت في الجنوبيين وبعض المجموعات في المناطق المهمشة في الشمال، ساعدت حركة تحرير شعب السودان علي تمديد نشاطها الي تلك المناطق وتوسيع نفوذها في المناطق المجاورة).
وفي اعتقادي أن هذا التلخيص لتجربة اتفاقية اديس ابابا والذي قدمه جوزيف لاقو، يؤكد صحة معارضة الحزب الشيوعي السوداني لاتفاقية اديس ابابا والتي تمت في غياب الديمقراطية والحل الشامل، رغم ترحيب الحزب الشيوعي مع الدوائر المحلية والعالمية بوقف نزيف الدم في الجنوب.
ورغم ذلك لم يكن موقف الحزب الشيوعي السوداني بتلك الصورة القاتمة التي صورها الكاتب من اتفاقية اديس ابابا، علي سبيل المثال:جاء في دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني(يوليو 1972م)، وتحت عنوان (منهج عملنا في الجنوب بعد اتفاقية اديس ابابا) ما يلي:( تنفيذ الاتفاقية لن يؤدي لحل مشكلة الجنوب الوطني الديمقراطي، بل يضع مزيدا من العراقيل والصعاب امام حلها مستقبلا، وستظل قضية توحيد القبائل والقوميات الجنوبية علي اسس ديمقراطية متقدمة تنتظر الحل، تنفيذ الاتفاقية لن يؤدي الي الاستقرار كما تدعي سلطة الردة، بل يحمل في طياته أزمات ومشاكل ساخنة سرعان ما تنفجر في الصراع علي السلطة، وفي مواجهة مشاكل التوطين، وليست مشكلة العائدين سوي مشكلة واحدة من المشاكل العديدة المتفرعة من القضية الأساسية- نهوض الجنوب بملايينه الاربعة والوضع الاقتصادي المنهار وانعدام ضروريات الحياة من غذاء ودواء ومواصلات وغيرها- كانت خافية تحت نار التمرد والحزازات القبلية والعشائرية القديمة والجديدة والاطماع الشخصية لقيادات التمرد وبينها وبين مجموعات السياسيين المقيمين في البلاد من الجنوبيين، كل هذه المشاكل بدأت تطل برأسها رغم(الوحدة) البادية علي المجموعة التي تقود الجنوب اليوم).
تواصل الدورة وتقول: ( في الميدان السياسي نطرح امام النضال اليومي قضية الحريات الديمقراطية، حق تكوين النقابات والأحزاب والمنظمات الاجتماعية والثقافية في الجنوب، حق اصدار الصحف وحرية التعبير والنشر والاجتماع، وحق الجماهير دون قيد في انتخاب ممثليها في كل اجهزة السلطة الاقليمية والمركزية، مع مراعاة التمثيل العادل لشعوب وقبائل الاقليم صغيرها وكبيرها.
المطالبة بتفادي أخطاء السودنة التي تمت في الشمال عقب الاستقلال وما صاحبها من فساد ومحسوبية دون مراعاة الكفاءة والأمانة الوطنية، والنضال ضد تركيز السلطات في يد المجموعات البيروقراطية المسيطرة علي حكم الاقليم وكفالة حق العمل للجميع، وليس فقط للاوساط القائدة بين المتمردين العائدين.
تنشيط كل القوي الوطنية والديمقراطية في المشاركة الفعّالة في حل مشاكل توطين العائدين وفضح كل مظاهر الفساد الناجم عن التلاعب بالمؤن والغذاءات المخصصة لبسطاء الناس).
كل ذلك يوضح أن الحزب الشيوعي السوداني لم يتسرع في معارضة اتفاقية اديس ابابا، ولم ينطلق من كراهية شديدة لحكومة الرئيس جعفر نميري في معارضته للاتفاقية، كما أشار د.
جعفر كرار، ود.
عبد الله على ابراهيم ود.
احمد العوض سيكنجا.
ولكن الحزب انطلق من تحليل موضوعي للاتفاقية، اخذ في الاعتبار توسيع الحقوق والحريات الديمقراطية والدفاع عن بسطاء الناس في الجنوب وتوفير احتياجاتهم الأساسية كشرط لاستدامة السلام واستقرار الأوضاع والتنمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك