قبل سنة تقريباً، وبعد شهر على بدء المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، تم عقد مؤتمر صحافي نادر للمراسلين المرافقين لنتنياهو في زيارته للولايات المتحدة.
في المؤتمر سئل مصدر سياسي رفيع عن كيف ينوي التقدم في ترسيم الحدود البرية بين الدولتين.
وبرز هذا السؤال على خلفية عقبة قانونية تحتاج إلى استفتاء أو أغلبية خاصة في الكنيست للتنازل عن أرض ذات سيادة.
ورداً على ذلك، تساءل المصدر: من قال إنه يتنازل عن أراض.
“ربما أطالب بأراض؟ ”، تساءل.
المصدر نفسه استمر في التفاخر بالمواقع الخمسة التي استولت عليها إسرائيل في لبنان، والتي -حسب قوله- تحمي سكان مستوطنات الشمال.
وأثنى على التغيير الذي زعم أن إسرائيل أحدثته في الشرق الأوسط برئاسة نتنياهو.
لكنها أصبحت كذبة، فنجاعة هذه المواقع واضحة لكثيرين.
وتساءل مسؤولون في الإدارة الأمريكية عن هوس إسرائيل بالمواقع الخمسة، لا سيما بعد انسحابها من 99 في المئة من الأراضي، والاستمرار في شن هجمات من الجو ضد حزب الله.
وأوضح الفرنسيون أن احتلال الأراضي رمزياً ورفض إسرائيل الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في نهاية 2024، يعطي حزب الله مبرراً لاستمرار وجوده كتنظيم مقاومة مسلحة.
ورغم ذلك كله، ما زالت الحكومة التي صدمتها أحداث 7 أكتوبر، تؤمن بضرورة وجود جنود بالفعل بين التجمعات السكانية والعدو.
لقد ساهمت هذه السيطرة في تهدئة خوف سكان “شلومي” و”المطلة” و”كريات شمونة”، والأهم من ذلك أنها كانت أداة لتأكيد ادعاء الحكومة بـ “تغيير المفهوم”، وأنه لا مزيد من التنازل والسلبية، وأن إسرائيل انتقلت إلى الهجوم.
في المؤتمر، حاول المصدر التقليل من أهمية المفاوضات السياسية، التي تبين لاحقاً أنها غير مثمرة، وسخر من اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعت عليه حكومة بينيت – لبيد مع لبنان.
وعندما أشار إليه أحد المراسلين بأن الحكومة الحالية لم تلغ هذا الاتفاق، رفض المصدر هذا الادعاء، وقال إن الاتفاق غير ملزم، وأعلن بتفاخر أن “فرض القوة بنار كثيفة” هو الذي ردع حزب الله.
ولكنه تفاخر بدا فارغاً.
فحزب الله استغل الوقت الذي مر منذ وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم نفسه، رغم الهجمات الجوية المتكررة ورفض إسرائيل للانسحاب.
تعرضت مستوطنات الشمال للقصف من جديد بعد الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران.
ومع توسع احتلال إسرائيل في جنوب لبنان، بدأ الجنود يقتلون ويصابون يومياً بسبب الطائرات المسيرة.
وعندما سئل المصدر عن الخطة المستقبلية وإذا كانت استراتيجيته الاستمرار في الضربات لأطول فترة ممكنة، تساءل: “ما الخطأ في ذلك؟ ربما نحقق تنفيذ الاتفاقات وتطبيع العلاقات مع الدول بإظهار القوة واستخدامها”.
بعد ذلك، استهزأ من فكرة ضرورة حل القضية الفلسطينية في البداية.
وأشار بتفاخر إلى أن “الحكومة حققت أربع اتفاقيات سلام بفضل قوتها”.
وعندما ذكرت مذبحة 7 أكتوبر تساءل: “ما صلة السعودية بذلك؟ ”.
فتم التوضيح له بأن “الأمر يتعلق بالفلسطينيين، وبأننا لم نحلّ المشكلة”.
ولكنه استهزأ: “هل ستختفي حماس لو أعطيناهم دولة أخرى؟ ”.
وقال بابتسامة: “لو فعلنا ذلك، هذا بالضبط ما قالوه لي، وهذا هو المفهوم الذي أرفضه بشكل قاطع”.
في الواقع، أثبتت الجولة الأخيرة مع إيران أن مفهوم نتنياهو، والنهج الذي يتبعه منذ 7 أكتوبر “السلام بالقوة” أو “القوة باستخدام القوة”، قد انهار.
وكان يجب على من لم يفهم ذلك في سنتي الحرب في غزة أن يستوعبه مع الإنهاء القسري لحرب الـ 12 يوماً في إيران.
وكان على من رفضوا فهمه في حينه أن يتعلموا ذلك عندما عادت الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات مع إيران، وواجهت مواقف مشابهة لتلك التي التزمت بها إيران قبل الحرب.
وكان على من صمموا على تجاهل الرسالة أن يفهموها بعد شن هجوم آخر على إيران وعودة حزب الله للهجوم، كما لو كنا في 8 أكتوبر 2023.
لكن نتنياهو صمم على عدم الفهم.
كان يجب أن تتبين له حدود قوته عندما توسلت الحكومة اللبنانية البراغماتية الموالية للغرب لفتح باب التفاوض.
ولكنه بغطرسته، صمم على تجاهل أي مبادرة للحوار، ودفع فرنسا كوسيطة إلى الانسحاب، وأطال مدة المفاوضات، إلى أن اضطر إلى الموافقة عن وقف إطلاق النار الصوري بضغط من الرئيس الأمريكي، الذي كان يتصرف تحت ضغط إيراني.
مع ذلك، استمر نتنياهو في معارضة أي تنازل حتى لو كانرمزياً.
وإن تصميمه على عدم الانسحاب من جنوب لبنان، في حين يجري مفاوضات قسرية وغريبة من خلال سفراء دون سلطة، هو ما يحول دون أي فرصة لحكومة لبنان لتحقيق أي شيء ضد حزب الله.
لم تؤد أحداث الأسبوع الماضي إلا إلى تفاقم وضع نتنياهو.
قال له ترامب وأوصل الرسالة إلى العالم كله، بأنه أصبح على بعد خطوة من تركه وحده في مواجهة إيران.
وأوضح أنه قد يحمل إسرائيل الآن تكلفة مباشرة عن أي هجوم في لبنان.
وألمح السفير الأمريكي في لبنان ميشيل عيسى، إلى أنه سيطلب من إسرائيل قريباً الانسحاب من الأراضي اللبنانية كلها.
وأوضح مصدر أمريكي رسمي لـ “هآرتس” بأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان مشروط بموافقة حزب الله على وقف هجماته وانسحاب عناصره من المنطقة في جنوب الليطاني.
بعد سنتين ونصف من سفك الدماء، عادت إسرائيل إلى النقطة نفسها، لكن في وضع أكثر هشاشة؛ فهي من دون حلفاء في الغرب، ولها أعداء أثبتوا الصمود أمام مفهوم “القوة عن طريق استخدام العنف”.
لكن القضية الفلسطينية هي التي تعمق عزلة إسرائيل عن حلفائها السابقين في الغرب، وهي المسؤولة عن التخوفات التي تثيرها إسرائيل لدى جيرانها، والتحفظات المحرجة التي تواجهها لدى “حلفائها” الإقليميين الجدد الذين يتفاخر بهم نتنياهو.
ستعود القضية الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات في البيت الأبيض – سواء في فترة ولاية الرئيس ترامب أو في فترة الإدارة القادمة.
والأهم من ذلك، أن الاحتلال سيستمر في تدمير المجتمع الإسرائيلي وإفساده.
وربما لا يستيقظ نتنياهو نفسه من السبات، لكن ربما تكون هناك فرصة لإحداث تغيير قليل لدى وريثه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك