التلفزيون العربي - إصابة قاعدة رمات دافيد بهجوم إيراني.. إسرائيل تقر بعد انتشار صور جوية سكاي نيوز عربية - مفقودان بعد تعرض ناقلة نفط لغارة قبالة سلطنة عمان الجزيرة نت - المعادن النادرة.. سلاح صيني في معركة النفوذ العالمي قناة القاهرة الإخبارية - تهديدات أمريكية جديدة ورد إيراني حازم.. إلى أين تتجه الأزمة بين واشنطن وطهران؟ قناة التليفزيون العربي - حزب الله يعرض مشاهد لاستهداف تموضعات الجيش الإسرائيلي بالمسيّرات الانقضاضية القدس العربي - الجيش الفرنسي يعلن مقتل جندي في إطلاق نار “عرضي” في لبنان قناة التليفزيون العربي - الصين تحقق مفاجأة في سباق النووي.. ومخاوف من كارثة قناة القاهرة الإخبارية - مؤتمر صحفي لوزيري خارجية مصر وإريتريا يكشف تفاصيل اجتماعات القاهرة للفصائل الفلسطينية وكالة الأناضول - مجلس التعاون: هجمات إيران لا تخدم التفاهمات وتغلق أبواب الحوار وكالة الأناضول - تركيا لنتنياهو: المتهمون بالإبادة لا يمكنهم إعطاء دروس في الأخلاق
عامة

"دع المنطق جانبا" وتأمل اكتشافات الرسام محمد الرواس

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

لعل المسار الذي بدأه الرسام اللبناني محمد الرواس في أعماله التركيبية (2025 – 2026)، وهي الفترة التي وصفها بـ" عام الويلات"، تزامن مع حرب إسناد غزة وما أعقبها من تدمير لبيروت، فضلاً عن سلسلة من الأحداث...

لعل المسار الذي بدأه الرسام اللبناني محمد الرواس في أعماله التركيبية (2025 – 2026)، وهي الفترة التي وصفها بـ" عام الويلات"، تزامن مع حرب إسناد غزة وما أعقبها من تدمير لبيروت، فضلاً عن سلسلة من الأحداث السياسية المتلاحقة التي اجتاحت العالم.

ودفعت هذه الوقائع وتيرة إنتاجه الفني الى مزيد من البحث والتفكيك للذاكرة والتاريخ والواقع، ضمن وتيرة تصاعدية ظلت مشدودة إلى التوتر والتساؤل حول غياب المنطق.

" أحداث تمرّ بأهوالها والعالم لا يرف له جفن"، يقول خلال حديثه إلى" اندبندنت عربية"، في ما يبدو محاكاة لما طرحه جان بودريار في كتاباته عن" الواقع الفائق" و" ما بعد حرب الخليج"، إذ تحدث عن الاستهلاك الإعلامي للمآسي والحروب، بوصفها أحداثاً استعراضية من الصور والتمثلات، تحجب حقيقة الألم البشري وتدفع الوعي العالمي الى التبلد والحياد.

داخل معرضه الذي يقيمه في غاليري صالح بركات (بيروت – كليمنصو حتى 26 يونيو- حزيران الجاري) بعنوان" دع المنطق جانباً"، يتخطى الرواس الخطاب المباشر، ليضعنا أمام مفارقات متعددة السياقات والمعاني.

وهي تستحضر مرارة الواقع الراهن وعلاقته بالماضي وثقل التاريخ الفني، بأسلوب تهكمي جذاب مفرط في الواقعية والغموض وروح الدعابة أحياناً.

وتنسج أعماله عالماً من الصور والأحداث المنتمية إلى أزمنة وأمكنة وثقافات متباعدة، تتجاور وتتقاطع في آن واحد داخل فضاء افتراضي، عبر آليات المقارنة والإبدال والاستعاضة والتنزّه بين ثقافات العالم القديم والمعاصر.

هكذا يتحول المعرض إلى رحلة متواصلة في أركيولوجيا الذاكرة الفنية، تكشف عن عبث العالم وتناقضاته.

ليست أعمال محمد الرواس مجرد لوحات تركيبية، بل إنها عوالم بصرية مدهشة، تمزج في تركيبها بين الشخصي والعام وبين الواقع والحلم، في توليفات غير متوقعة.

وتتقاطع الشخصيات والصور والأشكال داخل شبكة هندسية مقسمة أفقياً أو عمودياً أحياناً بوسائط من بينها الخشب والألمنيوم، تعكس شغفه بالبناء الرياضي المحكم، وسط فوضى المفاهيم والصور، إذ تبدو اللوحة لديه كحقل بحثي مفتوح على احتمالات متعددة، تتجاور فيه طبقات التاريخ والذاكرة والثقافة البصرية المعاصرة، مستندة إلى مرجعيات موسوعية تمتد من أعمال كبار الفنانين إلى المطبوعات الرقمية والمجسمات والأشياء الجاهزة الصنع Ready made.

ولا يتخلى الرواس عن فعل الرسم والتلوين والتلصيق، بل يدمجها مع عناصر ومجسمات مصنعة خصيصاً لكل عمل ضمن بنية أقرب إلى واجهة عرض مسرحية أو" فيترين" Vitrine بصرية، تتوزع فيها العناصر من دون مركز ثابت، في نظام دقيق يربط بين التفاصيل الصغيرة والبنية الكلية للعمل.

ومن بين هذه العناصر تحضر الأدوات المهملة وقطع الخردة ومجسمات الأنمي اليابانية، وتُعرف غالباً باسم فيغرز (Figures) أو مجسمات التجميع (Collectibles) التي تتعايش داخل فضاء اللوحة الثلاثي الأبعاد، مانحة أعماله التجميعية (Assemblage) طابعاً معولماً يعكس تعقيدات الإنسان المعاصر وصراعه مع عالم مضطرب ومتبدل.

يدعو الرواس إلى قراءة العمل الفني بصرياً وجمالياً من دون الاستعانة بالمعنى أو المنطق، بوصفهما مفتاحاً وحيداً للفهم.

ويستشهد في كتيب المعرض بقول ديفيد لينش David Lynch الأب الروحي للسينما السوريالية الحديثة" لا أعرف لماذا يتوقع الناس أن يكون للفن معنى عندما يتقبلون حقيقة أن الحياة لا معنى لها"، وهو الذي اشتهر برفض شرح أفلامه أو تبرير غوامضها.

كذلك يؤمن الرواس بأن الفن تجربة شعورية تُعاش أكثر مما تفسر حرفياً.

وهذه الفكرة ليست جديدة في تاريخ الفن، إذ لاحت بوادرها الحداثية منذ بيكاسو، ولا سيما مع" آنسات أفينيون" حين تساءل" لماذا تفتشون دائماً عن معنى للوحة؟ لماذا لا تبحثون عن معنى في تغريد الطيور؟ ".

لكن هذه المقولة لا تدعو إلى إلغاء الفهم أو التأويل، بقدر ما تحذر من اختزال التجربة الفنية في معنى واحد مغلق.

ومع ذلك، فإن الرواس الذي ما برح يواجه أسئلة المشاهدين عن معنى الصورة، لا يزال يكشف عن بعض الروابط الخفية في أعماله من دون أن يبوح بكلمة السر.

وهو يدرك أن كسر المألوف وإثارة الصدمة ليسا سوى" لعبة عقل.

إنها لعبة جادة" بحسب تعبيره.

ومن هنا يبرز التناقض الظاهري في مشروعه، فبينما يدعو إلى تنحية المنطق جانباً، تقوم أعماله على عقلانية دقيقة في بنائها التركيبي والاسترجاعي وعلى تناغم مدروس بين عناصر المشهد البصري.

ومع ذلك، لا تبقى خيارات التأويل مفتوحة على إطلاقها، إذ ترتبط الصور بعضها ببعض ضمن حبكة غير مباشرة، تمنح العمل تماسكه الداخلي وتوجّه مسارات قراءته.

لكل لوحة سرديتها الخاصة في سياق أعمال الرواس التي تنتظم ضمن سلسلة ذات قياسات موحدة مرتبة وفق تسلسلها الزمني.

ويعكس هذا الترتيب الشكلي والزمني ورشة الفنان داخل مشغله، في مقاربة تذكّر ببعض تجارب الفن المعاصر التي تعاملت مع العمل الفني بوصفه امتداداً لعملية إنتاجه.

ومن هذا الفضاء المفتوح على التراكمات البصرية والثقافية، تنطلق أعمال الرواس من مفردات مستعارة من ثقافة" المانغا" اليابانية وشخصياتها الأنثوية، بوصفها إحدى أيقونات الثقافة الشعبية المعولمة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويحضر في المعرض عالم واسع من الإحالات البصرية والتاريخية، من آلهة الإغريق والرومان مثل أفروديت وأرتيميس وإيريس، إلى تدمر مدينة زنوبيا في مواجهة دمار الجنوب اللبناني.

وفي" جمهورية الفوضى" يتجاور مشهد قصف بيروت عام 2025 مع صورة لتمثال هرقل والأسد ولعبة من ألعاب" تان تان" الكوميدية.

بينما تستعاد كوابيس هنري فوسيلي وعوالمه المستوحاة من أشعار جون ميلتون، وتتقاطع ثورة الفلاحين في روسيا عام 1918 مع انتفاضة طانيوس شاهين في جبل لبنان عام 1858.

ويستعيد الرواس ذاكرة أعماله المبكرة من سبعينيات القرن الماضي، ففي لوحة" الساعة 11 صباحاً" تظهر عين المريسة كما رسمها عام 1973، نافذةً على ماضي بيروت، إلى جانب شخصية مقتطعة من عالم إدوارد هوبر في رؤية حميمة من الداخل.

وبين الموسيقى والرقص وقصص الحب والأساطير، يطل شبح الشر كما تخيّله فرانشيسكو دي غويا، جالساً على أنقاض مدينة تحترق في لحظة تستحضر انفجار مرفأ بيروت.

وفي لوحة" صعود مدينة وسقوطها" تتشابك الأزمنة والثقافات داخل فضاء مسرحي معقد، يعيد الفنان من خلاله صياغة الجرح المحلي بأدوات بصرية عابرة للحدود.

وتقوم اللوحة على طبقات متداخلة تجمع بين صور أرشيفية رقمية لبيروت القديمة، ورسوم طباعية مستوحاة أحياناً من أعمال فنانين عالميين، ومجسمات بلاستيكية مقتطعة من ثقافة البوب المعاصرة.

وهكذا تتحول المدينة إلى محور بصري وتاريخي للصراع، فيما تكتسب المأساة اللبنانية بعداً عالمياً يربط بين جنون السلطة الذي صوره غويا وعبثية المدينة الحديثة.

وإضافة إلى أيقونات الثقافة الرقمية والسينمائية، مثل شخصية" لوكي" رمز الفوضى والتحكم بالمصائر، وشخصيات الأنمي اليابانية التي تجسد براءة المتفرج المعاصر وهشاشته، ينجح الرواس في عولمة الحكاية المحلية من دون أن يفقدها خصوصيتها الإنسانية.

لم يتغيّر الأسلوب التجميعي لمحمد الرواس منذ عقود في بناء عالمه الفني داخل صندوقه البصري، بمنهج يقوم على تعدد الأعماق والسطوح وطبقات الأزمنة.

ولا يزال يمارس لعبته المفضلة في التخفي والتلاعب بالمعاني والرموز والعلاقات والروابط، وصناعة المفارقات التي تربك اليقين وتستفز الخيال.

وفي كل تجربة جديدة يبرهن أن الفن لا يُختزل في منطق واحد أو معنى نهائي، بل يظل مساحة مفتوحة للدهشة والاكتشاف.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك