روسيا اليوم - بوتين: أعداء روسيا لا يتورعون عن الأعمال الإرهابية التي تستهدف الأطفال الجزيرة نت - العفو الدولية تناشد قوات حفتر الإفراج الفوري عن نشطاء "قافلة الصمود" إلى غزة الجزيرة نت - وقفة احتجاجية بخان يونس للتضامن مع الأسرى المبعدين من الضفة إلى غزة روسيا اليوم - الاتحاد السنغالي يكشف سبب تفتيش لاعبي المنتخب بشكل مثير للجدل في الولايات المتحدة الجزيرة نت - ستارشيب.. الصاروخ الذي يحمل أحلام المريخ ومستقبل سبيس إكس فرانس 24 - إسرائيل: حزب الليكود يؤكد أن نتانياهو سيخوض الانتخابات التشريعية المقبلة Independent عربية - "دع المنطق جانبا" وتأمل اكتشافات الرسام محمد الرواس العربية نت - مونديال 2022.. ثعلب "عض" ميسي وسقط في المصيدة قناة الشرق للأخبار - مخاطر الذكاء الاصطناعي.. احتيال عبر CHATGPT قناه الحدث - إغلاق 17 مركزاً غير مرخصة لعلاج الإدمان بمنطقة واحدة في القاهرة
عامة

استقلال الأدب ومسؤولية المثقف التاريخية بين سارتر والعقاد

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

عام 1930، حين وقف العقاد في البرلمان المصري معارضاً سياسات الملك فؤاد، أطلق عبارته الشهيرة حول استعداد الأمة لسحق كل من يخون الدستور ولا يصونه. كانت تلك العبارة كافية لأن تدخله السجن تسعة أشهر. ومع ال...

عام 1930، حين وقف العقاد في البرلمان المصري معارضاً سياسات الملك فؤاد، أطلق عبارته الشهيرة حول استعداد الأمة لسحق كل من يخون الدستور ولا يصونه.

كانت تلك العبارة كافية لأن تدخله السجن تسعة أشهر.

ومع الملك فاروق، ظل العقاد خصماً عنيداً للقصر، رافضاً أن يتحول إلى كاتب بلاط أو شاهد زور ثقافي.

أما خلال عهد جمال عبدالناصر، فحافظ على مسافة واضحة من السلطة الجديدة، ورفض الدخول في جوقة التمجيد التي استقطبت كثيراً من الأدباء والمثقفين.

ودفع ثمن استقلاله عزلة في أحيان كثيرة، لكنه لم يبِع صوته.

هذه الوقائع جعلت العقاد يبدو، في الوعي الثقافي العربي، نموذج المثقف الحر، غير أن السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس هل كان العقاد شجاعاً؟ فهذا مما لا شك فيه، بل أي نوع من المثقفين كان؟ هل يكفي استقلال الأديب عن السلطة لكي يصبح مثقفاً تاريخياً؟ ويكتسب هذا السؤال بعداً أعظم حين نقارن العقاد بنموذج آخر هو جان-بول سارتر.

فسارتر لم يكتفِ بالحفاظ على استقلاله الفكري، بل جعل الفكر نفسه أداة تدخل مباشر في التاريخ.

ورفض" جائزة نوبل" عام 1964 حفاظاً على استقلاله المؤسسي.

ودخل علناً في مناهضة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، حتى تعرض منزله للتفجير على يد منظمة الجيش السري.

كذلك شارك في الاحتجاجات الطلابية في أيار (مايو) عام 1968، ونزل إلى الشارع وكتب وخطب وساند الحركات التحررية عبر العالم.

ولم يكُن حضوره حضور مفكر يعلق على التاريخ، بل حضوراً فاعلاً يسعى إلى التأثير فيه.

من هنا تنشأ المقارنة الضرورية بين الرجلين.

في اختلاف تعريف المثقف ووظيفتهبإمكاننا القول إن العقاد نموذج المثقف الاستقلالي، في حين أن سارتر نموذج المثقف التدخلي.

والفرق بينهما لا يعود لتفاوت في الشجاعة أو النزاهة، بل لاختلاف أعمق في تعريف المثقف ذاته، إذ تدخل العقاد سياسياً، لكن تدخله ظل محكوماً بمنطق الدفاع عن استقلال العقل.

وكان يعترض ويرفض وينتقد، لكنه لم يحول الكتابة إلى مشروع يسعى إلى إعادة تكوين المجال السياسي والاجتماعي.

ومن ثم، مارس المعارضة حفاظاً على كرامة الفكر.

أما سارتر، فأدرك استقلال المثقف تكليفاً بالتدخل.

فالمثقف، في نظره، لا يكتفي بأن يقول" لا"، بل ينبغي أن يدخل في صيرورة العالم، وأن يتحمل مسؤولية تاريخية تجاه عصره.

هكذا إذا كان العقاد حارس حدود الفكر، فإن سارتر كان يدفع الفكر خارج حدوده التقليدية نحو الفعل التاريخي.

وهذا فرق حاسم في موقف الرجلين.

وعليه، فقد رسخ العقاد داخل الثقافة العربية الحديثة فكرة استقلال المجال الفكري عن المجال السياسي.

وحين أعلن أن" جمهورية الفكر قرين جمهورية الحكم"، لم يكُن يطالب بسلطة موازية، بل كان يؤسس مبدأ سيادة العقل ورفض إخضاعه.

لقد مثل، بهذا المعنى، ما يمكن تسميته" أخلاق السيادة الفكرية"، غير أن هذه السيادة ظلت دفاعية أكثر منها هجومية.

قاومت الهيمنة، لكنها لم تتحول إلى مشروع إعادة بناء المجال العمومي.

أما سارتر، فنقل استقلال المثقف من مستوى الأخلاق إلى مستوى الفعل التاريخي.

لماذا احتملت السلطة العقاد؟هنا يبرز سؤال بالغ الدلالة، إذا كان العقاد بهذه الاستقلالية، فلماذا استطاعت سلطات متباينة، كالملك فؤاد والملك فاروق، ثم عبدالناصر، أن تتعايش معه، بدرجات مختلفة؟ لا يكمن الجواب في تفاوت درجات التسامح السياسي وحسب، بل في طبيعة الدور الذي أداه العقاد نفسه.

فالسلطة تستطيع، في كثير من الأحيان، احتمال المثقف الذي يعترض من موقع أخلاقي أو رمزي، ما دام اعتراضه لا يتحول إلى مشروع تفكيك شرعيتها أو إعادة بناء المجال العمومي.

وأحرج العقاد السلطة، لكنه لم يتحول إلى تهديد بنيوي.

أما زولا، حين كتب دفاعه عن دريفوس، أو سارتر حين دخل في معارك عصره، فتجاوز كلاهما حدود الاعتراض الرمزي إلى التدخل في صلب الشرعية السياسية ذاتها.

هكذا يصبح المثقف حدثاً سياسياً.

وهنا تحديداً يتجلى الفرق بين المعارضة الرمزية والمعارضة التأسيسية.

المثقف العربي وحدود الفعل التاريخييمكن فهم موقع العقاد فهماً أدق إذا استعنّا بما أشار إليه الفيلسوف اللبناني الراحل موسى وهبه حول" المثقف الهامشي".

وليس المقصود هنا الهامشية بمعنى الضعف، بل ذلك الموقع الذي يسمح للمثقف بالحفاظ على مسافة نقدية من السلطة والمجتمع، من دون أن يتحول إلى قوة تاريخية منظمة.

وهذا الموقع يمنح حرية كبيرة، لكنه يحد من الفاعلية.

وقد يكون ذلك انعكاساً لبنية المجال العمومي العربي نفسه.

فالمثقف الأوروبي الحديث نشأ داخل فضاء مؤسسي يسمح بتحويل الكلمة إلى فعل، صحافة مؤثرة وأحزاب ونقابات ورأي عام وآليات مساءلة.

أما في السياق العربي فما برح المجال العمومي هشاً أو مصادراً.

لهذا اكتفى كثير من المثقفين بدور الشاهد الأخلاقي.

من هنا، لم يكُن العقاد استثناء فردياً بقدر ما كان تعبيراً عن حد تاريخي بنيوي.

وعليه، قلما عرف المجال العربي مثقفين سلكوا طريق سارتر، مقيمين في بلدانهم حيث اضطرت غالبيتهم إلى الهجرة إلى مواطن تحترم المثقفين ودورهم.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لكن المأزق الذي نعيشه اليوم يختلف نوعياً.

وإذا كان السؤال في زمن العقاد وسارتر هو كيف يحافظ المثقف على استقلاله أو يمارس تدخله؟ فإن السؤال اليوم أصبح أعمق جذرية هل لا يزال للمثقف مكان أو دور أصلاً؟ لقد دخلنا زمناً تعاد فيه صياغة الاعتراف الاجتماعي وفق منطق جديد، فتقاس القيمة بسرعة الانتشار، لا بعمق الفكرة.

هكذا أصبح" المؤثر" يحظى بما لا يحظى به المفكر.

وصارت السطحية تُكافأ أكثر من الرصانة.

إذاً، نحن هنا أمام انتقال من أزمة المثقف إلى أزمة المعنى ذاته.

خيانة المثقفين في عصر التفاهةلكن التفاهة لا تنتصر وحدها، إذ تحتاج دائماً إلى من يشرعنها.

وهنا تتجلى المأساة الكبرى.

فالسلطة، قديماً وحديثاً، لا تستمر بأدوات القسر فقط، بل أيضاً بما تحظى به من شرعنة رمزية يهبها بعض المتعلمين وحملة الشهادات.

ومن ثم، تحول كثير من الأساتذة الجامعيين والمثقفين إلى مجرد موظفين داخل آلة بيروقراطية.

وانحصر طموحهم في الامتثال فتنازلوا عن دورهم النقدي.

هكذا لم يعُد المثقف شاهداً على التاريخ، بل مجرد موظف في إدارته الرديئة.

إنها الصورة الحديثة لما سماه المفكر الأديب الفرنسي جليان بندا (1867-1956)" خيانة المثقفين" (Julien Benda, La trahison des clercs).

من حراسة المعنى إلى صناعة التاريخلا ينتقص هذا التحليل من قيمة العقاد، بل يحددها تحديداً أدق.

فالعقاد لم يكُن" سارتر العرب"، وينبغي ألا يُطلب منه أن يكون كذلك.

قيمته الكبرى تكمن في أنه، في زمن التبعية، أسس أخلاق الكرامة الفكرية.

لكن سؤال الحاضر يتجاوز هذه المرحلة.

لم يعُد يكفي أن نطالب بمثقفين مستقلين.

فنحن نحتاج إلى مثقفين قادرين على تحويل استقلالهم إلى فاعلية تاريخية.

وعليه، نحتاج إلى الانتقال من أخلاق الكرامة الفكرية إلى سياسة الفعل الثقافي.

هنا يغدو العقاد سؤالاً مفتوحاً أكثر منه جواباً نهائياً.

يغدو سؤالاً عن المسافة التي لا تزال تفصل أديباً كبيراً عن مثقف يغيّر العالم.

هكذا يكون الرهان الأعمق اليوم، كيف يمكن المثقف العربي أن يعيش بنبالة، من دون أن يكتفي بالنبالة؟ كيف يحافظ على استقلاله، من دون أن يتحول استقلاله إلى عزلة؟ كيف يجعل صبر الفكر، ذلك الصبر الذي يشبه المياه الجوفية، قوة تنجح، على المدى الطويل، في استنبات تاريخ آخر؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك