أجرى الرئيسان الإريتري أسياس أفورقي والمصري عبدالفتاح السيسي محادثات موسعة أول من أمس الإثنين استضافتها العاصمة المصرية القاهرة في وقت تشهد منطقتا القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر توترات بالغة، كامتداد لحرب إيران وتهديد جماعة الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، ومساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، فضلاً عن تحركات إسرائيلية للتموضع في إقليم صوماليلاند المطالب بالانفصال عن مقديشو.
وتتزامن القمة مع توتر العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا، وكذلك في الصومال الذي يواجه تحديات كبيرة تستهدف سيادته ووحدة أراضيه في ظل تصاعد الرغبات الأجنبية للتموضع في ميناء بربرة الاستراتيجي، شمال البلاد.
وصرح المتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي بأن الرئيسين اتفقا على تعزيز التنسيق والتشاور من أجل ضمان السلم والاستقرار الإقليمي، ودعم جهود تحقيق التنمية الشاملة بالمنطقة، موضحاً أن القمة تناولت التطورات الإقليمية والدولية وعلى رأسها مستجدات الأوضاع داخل منطقتي القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، وجدد الرئيسان مواقفهما بخصوص أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه، وأهمية تعزيز التنسيق بين الدول المتشاطئة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن حوكمة وأمن هذا الممر الحيوي.
وأشار المتحدث الرئاسي إلى أن القاهرة ترى أن أمن واستقرار القرن الأفريقي يمثل مطلباً جوهرياً لها باعتباره امتداداً للأمن القومي المصري، مشدداً على محورية التنسيق بين مصر وإريتريا، ومؤكداً في الوقت ذاته اشتمال المحادثات على ملف الحرب داخل السودان، والمخططات التي تستهدف وحدة الصومال.
وتأتي زيارة أفورقي للقاهرة بعد نحو ثلاثة أسابيع من توقيع مصر وإريتريا اتفاق نقل بحري وربط موانئ البحر الأحمر، خلال زيارة قام بها وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي ووزير النقل كامل الوزير إلى العاصمة الإريترية أسمرة.
وعقب الاتفاق، أكدت القاهرة وأسمرة مجدداً موقفهما بأن إدارة وأمن البحر الأحمر يجب أن يظلا مسؤولية الدول المطلة عليه في المنطقة، وهو موقف اعتبره المسؤولون الإثيوبيون محاولة لتهميش مصالح الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في القرن الأفريقي.
واتهمت أديس أبابا مصر باتباع" استراتيجية تطويق"، والقيام باستفزازات ضد أديس أبابا منذ أن جدد رئيس الوزراء آبي أحمد دعواته لتأمين وصولها إلى البحر.
وجاء هذا الاتهام عقب تصريحات أدلى بها مسؤولون مصريون انتقدوا فيها طموحات إثيوبيا البحرية، وحذروا من أية إجراءات قد تقوض الاستقرار الإقليمي، وهو الموقف الذي يتطابق مع المواقف الإريترية في شأن ما تسميه أسمرة" أطماع إثيوبيا في سواحلها على البحر الأحمر".
من جهتها، قالت النائبة المصرية إليزابيث شاكر إن القمة التي عقدها الرئيس عبدالفتاح السيسي مع نظيره الإريتري أسياس أفورقي تمثل محطة مهمة في مسار تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعكس التحرك الواعي تجاه القضايا والتحديات التي تواجه منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدانها، بما في ذلك التحديات الأمنية المتعلقة بمضيق باب المندب ذي الارتباط المباشر بمصالح مصر في قناة السويس.
وأضافت شاكر أن المحادثات المصرية - الإريترية بعثت برسائل سياسية واستراتيجية واضحة تؤكد أن الطرفين يتحركان وفق رؤية متكاملة لحماية مصالحهما الحيوية، من خلال تعزيز التعاون وبناء شراكات قادرة على مواجهة التحديات المشتركة، مشيرة إلى أن أمن واستقرار القرن الأفريقي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ودعم استقرار الجوار الإقليمي يعد ركيزة أساس لحماية أمن المنطقة وتحقيق التنمية لشعوبها.
وثمنت النائبة التوافق بين الرئيسين في شأن ضرورة احترام حقوق الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في إدارة شؤون هذا الممر الاستراتيجي الحيوي، مؤكدة أن هذا الموقف يعكس تمسك مصر بثوابتها الوطنية ورفضها أية محاولات تستهدف فرض أجندات خارجية أو تهدد أمن الملاحة الدولية ومصالح دول المنطقة.
وأوضحت أن القيادة السياسية تواصل إدارة الملفات الإقليمية برؤية استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما عزز من مكانة مصر كركيزة أساس للأمن والاستقرار وشريك موثوق في دعم السلام والتنمية داخل القارة الأفريقية.
من جانبه، يُرجح الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (المصري) صلاح خليل أن تخرج القمة الإريترية - المصرية بتفاهمات سياسية للحد من التوترات القائمة في حوض البحر الأحمر، فضلاً عن إسهامها في الحد من أدوار بعض القوى الإقليمية والدولية التي تسهم بصورة أو بأخرى في استدامة شروط الصراع، وبخاصة في ظل التنافس الدولي والإقليمي المتزايد على الموانئ والممرات البحرية، لا سيما على مشارف مضيق باب المندب.
وأضاف أن اهتمام القمة يرتكز على تعزيز التنسيق المصري - الإريتري على مستوى التوازن الاستراتيجي لمواجهة أية تحركات خارجية قد تؤثر في أمن البحر الأحمر أو القرن الأفريقي، وبخاصة في ظل الأطماع الإسرائيلية في إقليم صوماليلاند.
ويرى خليل أن الأوضاع في دولتي السودان والصومال تمثل هاجساً مشتركاً لكل من القاهرة وأسمرة، لذا جاء تنسيقهما بصورة متزايدة خلال الفترة الماضية لإعادة ترتيب الأوضاع في مقديشو والخرطوم وضمان الحفاظ على وحدة أراضي الدولتين ودعم مؤسساتهما الوطنية، علاوة على دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، والإسهام في استقرار الصومال وبخاصة في ظل التهديدات التي تستهدف سيادته ووحدته الترابية.
وقال إن كلاً من القاهرة وأسمرة ظلتا ترفضان أية ترتيبات خارجية لا تراعي مصالح شعوب ودول المنطقة، موضحاً أن قمة القاهرة تكشف عن مؤشرات واضحة لبناء محور سياسي وأمني يتشكل تدريجاً في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبخاصة أن الأشهر الماضية شهدت تقارباً متزايداً بين القاهرة وأسمرة يهدف بالأساس إلى إرساء الأسس اللازمة لتعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، من خلال إعادة صياغة التوازنات الإقليمية في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في المنطقة والعالم.
بدوره يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي سليمان حسين أن زيارة الرئيس الإريتري القاهرة تأتي في سياق تطور لافت للعلاقات بين البلدين، وبعد سلسلة من الزيارات المتبادلة بين وفود وزارية أثمرت مجموعة من الاتفاقات التي شملت النقل البحري، ومشروعات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعاون الاقتصادي واللوجيستي.
ويضيف المتخصص الإريتري أن تلك الاتفاقات تعد نقلة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين، إذ أسهمت في انتقال العلاقة من مستوى التفاهمات السياسية والأمنية العامة إلى مستوى عملي - استثماري في مجالات اقتصادية وتنموية.
وهذا التحول يعكس رغبة مشتركة في تحويل التقارب السياسي إلى شراكة مؤسسية قابلة للتنفيذ، لا مجرد مواقف دبلوماسية أو تفاهمات ظرفية.
ويوضح أن محادثات أفورقي - السيسي في القاهرة تأتي كخطوة تهدف إلى إعطاء دفعة جديدة للعلاقة الثنائية، والعمل على تطويرها وتحويلها إلى شراكة حقيقية تشمل المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، وغيرها من مجالات التعاون التي تخدم مصالح البلدين.
ويلاحظ المحلل الإريتري أن الزيارة تزامنت مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في إثيوبيا، لا سيما بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي يعتقد أنها عمقت الأزمة السياسية والأمنية التي تعانيها البلاد، عوضاً عن فتح طريق نحو الاستقرار.
ومن الطبيعي ألا يتناول الطرفان هذا الملف بصورة علنية أو مباشرة نظراً إلى حساسيته، غير أن المؤشرات تفيد بأن القاهرة وأسمرة في حاجة متزايدة إلى تنسيق مواقفهما وسياساتهما تجاه التطورات الإثيوبية، وبخاصة أن للأزمة الإثيوبية تبعات إقليمية في منطقة القرن الأفريقي عموماً.
وينوه بأن القمة لا تقتصر على متابعة تنفيذ الاتفاقات الأخيرة فحسب، بل تحمل أيضاً بعداً سياسياً وأمنياً أوسع يتعلق بكيفية تعامل البلدين مع التحولات المتسارعة في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، وبناء قدر أكبر من التنسيق لمواجهة التحديات التي تمس أمنهما القومي واستقرار المنطقة ككل.
يقر سليمان أن كلاً من القاهرة وأسمرة قلقة من السياسات التي تنتهجها أديس أبابا، وبخاصة حيال ملفي نهر النيل والوصول السيادي إلى البحر الأحمر، بما يعكسه الملفان من ارتباط مباشر مع أطراف إقليمية تعمل على استمرار التوترات داخل القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر كجزء من استراتيجيتها لبسط نفوذها في المنطقة، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي لكل من أسمرة والقاهرة في آن، إلى جانب تهديده لأمن واستقرار المنطقة بأسرها.
ويستطرد المحلل الإريتري أنه على رغم أهمية هذه الملفات وتأثيرها المتوقع في سير المحادثات بين أفورقي والسيسي، فإن تركيز القمة لن يقتصر على مواجهة النهج الإثيوبي، وأيضاً لا يمكن اعتبار التنسيق المتزايد بين الطرفين مجرد" تفاهمات تكتيكية" تفرضها ظروف عابرة.
فالدلائل المتراكمة تشير إلى أن العلاقة بين القاهرة وأسمرة تتجه نحو شراكة استراتيجية أوسع وأعمق تتجاوز التحديات الأمنية الراهنة.
ويتابع" يشكل أمن البحر الأحمر مصلحة مشتركة وحيوية لكلا البلدين.
ويبدو أن سياسات القاهرة وأسمرة في هذا الملف متقاربة إلى حد كبير، إذ ترى الدولتان أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن يبقى في المقام الأول مسؤولية الدول المطلة عليه، لا ساحة مفتوحة لتدخل القوى الخارجية وتنافسها غير المنضبط"، مشيراً إلى أن هذا التوافق في الرؤية يمنح العلاقة بين البلدين بعداً يتجاوز رد الفعل على السياسات الإثيوبية.
ويضيف حسين أن مواقف البلدين تتقاطع في شأن السودان، إذ يدعم كل منهما مؤسسات الدولة الوطنية ويتمسك بوحدة السودان وسلامة أراضيه، ويرى أن تفككه أو استمرار الحرب فيه سيترك آثاراً خطرة على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر معاً.
وينطبق الأمر نفسه على الصومال، إذ تتقارب مواقف القاهرة وأسمرة في دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه ورفض أية ترتيبات من شأنها المساس بوحدة الدولة الصومالية، أو تشجيع مشاريع الانفصال والتفكيك.
ويشير المحلل الإريتري إلى أن التوافق لا يقتصر على ملف واحد، بل يمتد إلى معظم القضايا الإقليمية التي تؤثر في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويعتقد أن درجة التقارب بين البلدين في شأن قضايا الأمن الإقليمي، وسيادة الدول ووحدة أراضيها وأمن البحر الأحمر، ترجح أن العلاقة بين إريتريا ومصر تتجه نحو شراكة استراتيجية أكثر من كونها مجرد تفاهمات تكتيكية لمواجهة إثيوبيا.
كما أن انتقال البلدين إلى توقيع اتفاقات اقتصادية وتنموية محددة يعزز هذا الاتجاه، لأن الشراكات الاقتصادية عادة ما تمنح العلاقات السياسية والأمنية عمقاً واستمرارية، وتجعلها أقل عرضة للتقلبات الظرفية.
ويختم بالقول إن" العامل الإثيوبي قد يكون سرع التقارب الإريتري – المصري ومنحه قدراً من الإلحاح، لكنه ليس وحده أساس هذه العلاقة، فثمة مصالح أوسع وأكثر رسوخاً تجمع البلدين تتعلق بأمن البحر الأحمر واستقرار السودان والصومال، وحماية سيادة الدول ومنع إعادة رسم التوازنات الإقليمية بطرق تهدد السلم والاستقرار.
لهذا، تبدو العلاقة بين القاهرة وأسمرة مرشحة لأن تتطور إلى شراكة استراتيجية حقيقية، لا مجرد تنسيق موقت تفرضه أزمة بعينها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك