رب العالمين هو خالق الانسان وواضع هندسته النفسية ومودِع القوى فيه، ومن خلال علمه المطلق بمن خلق وضع له منهجه في الحياة مراعياً خبايا نفسيته والقوى السرية التي تعمل بالخفاء الشديد، ربما حتى صاحبها لم يعلم أن فيه من القوى النفسية ما يتحرك بهذا الشكل الذي يفاجيء القريب والبعيد.
المنهج التربوي والتوجيهات المرسلة من الخالق الى المخلوق راعى حالات شديدة التعقيد والخفاء، خاصة تلك المتعلقة بالجانب التواصلي الاجتماعي، معتمداً على التربية الشديدة الجادة بدل الاعتماد على الثقة الباردة، لأن الثقة حالة نفسية وعقلية تخطيء في التحديد ويصيب شرّ ضياعها الأصدقاء والأقارب بخيبة الأمل، وخيبة الأمل هذه ناتجة عن الاستناد غير الواعي الى بعض المؤشرات أو القرابة والصداقة غير المصقولة بالتربية، أي أن التربية هي الأساس التي ينبغي أن تبنى الثقة عليه، أما الثقة بشخص أو جماعة من دون تربية بمستوى لازم، فهي مبنية على فراغ ولا أساس تقوم عليه.
هذا ما يوحيه الينا القرآن الكريم، وكذلك علم الاجتماع التربوي.
للتوضيح نضرب مثالين من الوحي الإلهي، مثالان يثبتان على أن الثقة لوحدها لا تكفي، بل لا بدّ من التربية.
أولاً: -العلاقات الاجتماعية بين الأقارب.
أو بين من هم بعيدون عن الاثارات الدنيوية الغرائزية.
عندما يتحدث رب العاليمن عن العفة وتصميم اللباس حال وجود الغرباء أو أنواع محددة من الأقارب، يقول – سبحانه- في سورة [يوسف: 5]: { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم}.
هنا يسمح رب العالمين بناء على القواعد أو الضوابط المعمول بها في طبيعة الحياة الدنيوية، يسمح للنساء بوضع اللباس المفورض وعدم ارتداءها أمام من تحرم عليهم، أو تلك التي تجاوزت مرحلة الإثارة الجسدية، لكن بناء على علمه الكامل بطبيعة البشر يؤشر بكلمات واضحة إلى الترقي السلوكي والبقاء في الزيّ الكامل لأن ذلك هو طريق العفة، {وأن يستعففن خير لهنّ} أي أن البقاء في الزّي الكامل المطلوب في الحالات العامة هو الطريق الى العفة.
هذا التلميح التربوي من الله ليس قائما على الشكوك – حاشاه- التي هي من الصفات البشرية، ولا قائم على سوء الظن بعباده الذين ليس له مصلحة له في استعفافهم من عدمه، بل قائم على الخبرة الدقيقة بنفس الانسان وخلجاتها غير الظاهرة للعيان ولا تُلَمَّح بالملاحظات العامة، يرى سبحانه أنه ومع حِلّية ظهور مناطق من الجسد في تلك الحالات وداخل البيت لكن الأفضل تربوياً سترها وتغطيتها، فقد يكون هناك شيء قد يحدث، يستغل مرضى القلوب المنحرفون الشاذّون تلك الحالات المسموح بها لفعل المنكر.
أو التجاوز اللفظي غير المهذب.
لو نظرنا الى التعديات الجنسية وحالات الإغتصاب بين المحارم، لفهمنا مرام إشارات الآيات القرآنية تلك، ففي إحدى الدول العربية الإسلامية وصلت سجناء حالات زنا المحارم الى %1,5، وفي دولة تونس ظهرت فتاة يافعة في احدى البرامج التلفزيونية على الهواء شرحت مع دموع منهمر كيف أن “عمه” إغتصبها إنتقاماً من والدها الذي هو أخيه! ، وفي المغرب كيف أن فتاة حبلت من أخيها الذي كان يرجع الى البيت وهو منتشي من تعاطي المخدرات، وفي دولة أخرى كيف ان والداً تعدى على بنته لأن جمالها اعجبه! ، ربما في هذه الحالة يحتجّ بأن الفتاة مسموح لها أن تلبس كما تشاء في بيتها أمام والدها، لكن مع صحة تلك الحجة فهناك شيء تدعى الحياء، والإسلام دين الحياء، لأن القضية لا تتعلق بالحل والحرمة فقط، وإنما بالتربية الشاملة، وتحذيرات رب العالمين لا تأتي من باب سوء الظن فهو منزه عن ذلك ومباين لكل الصفات البشرية، وإنما تأتي من أن الخالق عارف بمن خلق، ومن منطلق المعرفة المطلقة يوجه ويربي، والتوجيه والتربية من معاني ربوبيته سبحانه.
العلاقات بين الدرجات الثانية والثالثة من الأقارب، في المجتمعات القروية والحضرية على سواء، يعتمد الأهل على الثقة في التعامل مع أقاربهم، قليلاً ما يكون الاستناد الواعي الى الطبيعة البشرية والمستوى التربوي، ومع أن الوحي الإلهي قد حرّم على المرأة نزع اللباس الشرعي في بيت العم أو العمة، والخال والخالة، لكن التساهل والتفريط يجعل الفتاة تستقبل أولاد الأقارب بما تلبسه داخل البيت مع اسرته، مدعية أنهم أهل ومن الأسرة، مع حرمة ذلك من المنظور الديني، فهو خطأ من المنظور التربوي أيضاً، أعلم بنتاً “حبلت” من إبن خالتها، وأخرى كانت على علاقة جنسية مع قريبها يزوروهم وتزورهم.
هنا لابدّ من الإشارة الى حقيقة تربوية اقرَّها علماء التربية، وهي خطأ وخطورة بقاء البنت أو الإبن في بيت الأعمام والعمات والأخوال والخالات بغياب أحد الوالدين، ويحدث هذا على الأكثر عند العطلات الصيفية والسفرات الترفيهية، فهنا الثقة مهمة ولابدّ منها وإلا فإن الحياة لا تمشي، لكن النفس قابلة للإنحراف، والإنتباه من الوالدين تجاه الأبناء جزء من المسؤولية الكاملة للوالدين من كل المخاطر بناءً على الحذر والاحتياط أكثر من الثقة، ولا يجوز تربوياً ترك المراهقين والمراهقات بالبقاء في بيت الأقارب أو الذهاب معهم في سفرات تمتد لأكثر من نهار، فمع ما يمكن التعرض اليه من تحرشات جنسية فقد تسبب تداخل التوجيه التربوي بتخريب خطط الأبوين ومنهجهما في بناء الأسرة وتربية الأبناء والبنات.
ثانياً: -ما أثبته القرآن الكريم في غياب الثقة بين الإخوة في سورة يوسف، ليس في أخذه في السفر ورميه في البئر من أجل التخلص منه، وإنما في نصيحة ابيه النبي “يعقوب” عليه السلام ليوسف بأن لا يقصّ رؤياه على إخوته، {يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} [يوسف: 5].
فالإخوة هم من الإنسان وليسوا من عالم آخر، والشيطان معروف بعداوته للإنسان مطلق الإنسان، لا يفرق بين أخ وأخ وبين قريب وبعيد، يأتي ويطور من أساليبه ويغيّرها بما يتناسب مع طبيعة العلاقة بين الإخوة بإشعال نار الحسد بينهم، وقد أكدّ يوسف عليه السلام هذا عند استقباله لأبيه وإخوته في مصر وهو عزيز هناك، عندما قال لأبيه قد نزع الشيطان بيني وبين إخوتي.
وفي هذه النصيحة، نصيحة عدم قصّ الرؤيا على إخوته معنيان، أحدهما هو أن يعقوب – عليه السلام- مع أنه والد أبنائه، لكنه بناء على علمه النبوي ومعرفته بأن الأخوة لا تكفي كمستند للثقة إن كانت التربية معاكسة لها، فهو اعتمد على حقيقة التربية وليس على الثقة الطبيعية بين الإخوة في أسرة واحدة.
وثاني المعاني، هو إنه كان محقاً في عدم وضع الثقة بأبنائه في حب إبنه الآخر الذي يكون اخوهم، وهو إثبات بأن الثقة لا تتشكل ولا يمكن لها أن تكون من دون التحقيق في المستوى التربوي والمحبة الفطرية بين الإخوة والأخوات.
وبما أن الحسد كان قد ملأ قلوبهم تجاه يوسف رموه في البئر للتخلص منه، وهم من أستأمنهم أبوهم لحمايته والمحافظة عليه من المخاطر، أي أن الثقة انهارت أمام انعدام التربية النفسية والسلوكية.
وهي تنهار دائماً بين أفراد الجماعات بسبب تعارص المصالح الشخصية.
لكن الحال كان مختلفاً مع أخيه الآخر “بنيامين”، في حالة يوسف كان الإئتمان على الاخوة وصلة الرحم والقرابة فضاع.
لكن مع بنيامين كان الائتمان على الخوف من الله والموثق منه، على التربية وليس الشعور بأمان نتيجة رابطة الدم.
فنجح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك