خمس قوى بارزة داخل الإطار التنسيقي الشيعي تتحرّك لتشكيل تكتّل سياسي يضم 100 نائب داخل البرلمان تحت مسمّى" تحالف الأقوياء"، يضم كلًا من نوري المالكي وهمام حمودي وفالح الفياض وهادي العامري وأحمد الأسدي.
هذا ما أُعلن عنه قبل أيام، فيما يبدو بأنها مناورة تسعى إيران من خلالها إلى إعادة ترتيب بيادقها في رقعة الشطرنج العراقية وتنظيم صفوفهم، استعدادًا للمرحلة القادمة، التي تحتاج فيها لتجميع عملائها الموثوقين في لوبي ضاغط مؤثر تحت قبة البرلمان العراقي الجديد، لا يضم في صفوفه شخصيات وقوى سياسية متذبذبة الولاء.
فتحالفات أتباعها في العراق، التي كان يُشكّلها سليماني سابقًا وقاآني حاليًا قبل كل انتخابات، عادة ما تتفكّك بعدها، بسبب المصالح الفئوية.
البعض يُفضِّل أن يلتحق بركب الفائز ليلحق على الفتات، بدل البقاء مع الخاسر، وهؤلاء نواب السلطة، الذين بات انقلابهم على الخاسر والتحاقهم بالفائز، روتينًا يتكرر بعد كل انتخابات، وماركة مسجلة للطبقة السياسية الحالية التي أغلبها نكرات" ما شايفين".
ما حدث مؤخرًا بعد فشل السوداني بتجديد ولايته كان مهزلة بكل المقاييس، ففور إعلان الإطار اختيار الزيدي رئيسًا للوزراء، بدأ مطافر الفئران من سفينة السوداني! البعض الآخر قد يرى أن مصلحته أفرض من ولائه لنظام الملالي، الذي بدأ يتهاوى، وقد تغرق سفينته قريبًا، لذا يبحث عن حلفاء آخرين ليكون جاهزًا للقفز إن حدث ذلك، أو يُخطّط للقفز حين تبدأ بالغرق علّ سفينة أخرى تتلاقفه.
هذا عادة ما يفعله أتباعها الجدد الذين لم يتشبعوا بسمّها كالحرس القديم، لكنه ليس قاعدة، فقيس الخزعلي مثلًا من أتباعها الجدد، لكنه شديد الولاء لها كالفياض والمالكي.
السوداني نموذج لأتباعها الجدد، فهو دعوجي تالي وقت، وقيل إنه كان بعثيًا! أي ليس مؤدلجًا من الحرس القديم كالمالكي مثلًا.
كان هذا واضحًا في الفرق بين أدائه لمهمته كرئيس وزراء للدورة السابقة، وأداء المالكي أثناء سنوات حكمه الثمان العجاف.
المالكي صاحب مقولة" أنا شيعي أولًا وعراقي ثانيًا" كان عقائديًا صداميًا يصارع ذباب وجهه، لذا كرهه الجميع عراقيًا وعربيًا وعالميًا، بينما كان السوداني براغماتيًا، سواء داخليًا مع السنة والكرد، أو إقليميًا مع أشقائه العرب، أو عالميًا مع الولايات المتحدة بما يتقاطع أحيانًا مع مصالح إيران، كمشاركته في قمة شرم الشيخ المحسوبة لمحور التطبيع عدو محور المقاولة، وتأييده ترشح ترامب لنوبل، ومداخلته في البرلمان أيام حرب الأربعين يومًا بين إسرائيل وأميركا وبين إيران، رافضًا زج العراق فيها وفق تهريج وحدة الساحات، حرصًا على ما وصفه بالمكاسب التي تحققت، ويقصد وجودهم في السلطة كمكون طبعًا.
حينها أحسّت إيران بأنه تابع قلق لا يعوّل عليه على المدى البعيد، لذا دحرجت عليه عملاءها المخلصين لإحراجه بقصف القواعد الأميركية وخطف البعثات الدبلوماسية وقصف أربيل، مما أظهره ضعيفًا وأحرق كارته عند الأميركان.
هنا جاءت فرصة الحرس القديم لاستغلال الوضع، وطرح علي الزيدي كمرشح تسوية.
وبالرغم من أن الزيدي يُعتبر سمسار صفقات الإطار والحشد، إلا أنه من أتباعها الجدد اللاعقائديين، وبيّاع شرّاي! وحصل على ضوء أخضر من الولايات المتحدة، لذا تخشى أن يميل إليها ويرجّح كفتها في العراق، بعد أن يثبت أقدامه في السلطة، أو يُغيّر تحالفاته، إن اقتضت مصلحته ذلك، إلى أخرى عابرة للمكونات، تسحب البساط من تحت أقدام تحالفات بروباغندا الحاكمية الشيعية ومظلومية الطائفة والمكون الأكبر! فارتأت أن يكون محاطًا بتحالف صلب من خلّص أتباعها يتصدى له ويسقطه إن فكّر يلعب بذيله! بدليل أن أبواقها طرحوا فكرة تشكيل التحالف في الإعلام بنبرة تهديد، بين مبطنة ومباشرة، بين من يقول إنه لمنع مصادرة القرارات، وآخر يقول إنه سيصل لـ138 نائبًا ليطيح بإحدى الرئاسات.
لذا عادت لحرسها القديم ممن أثبتوا ولاءهم لعقود، أيام معارضة نظام صدام، وبعد إسقاطه وتوليهم السلطة بفضل أميركا، التي أعطتهم ما لم يتوقعونه حتى بأحلام يقظتهم، لكنهم قلبوا لها ظهر المجن، بل وشكلوا فصائل إرهابية لقتالها ورفعوا إخراجها من العراق شعارًا، ليخلو الجو لإيران، في قلة أصل مع أميركا ودونية لإيران ليست بغريبة عنهم ولم يعرف لها التاريخ مثيلًا!يرى البعض هذا التحالف رد فعل على فشل المالكي في تحقيق حلم ولاية ثالثة، أو فشل كتلة الفتح الميليشياوية في الهيمنة على الكابينة الوزارية كما كانت تأمل، وربما فيه من هذا بعض الشيء! ويراه البعض محاولة انقلاب، وربما هذه النية حاضرة لدى قياداته إذا تطلب الأمر ذلك حسب وجهة نظر أسيادهم في قم! لكنه حاليًا إعادة رص لصفوف القوى المؤثرة داخل منظومة الحكم الشيعية، التي بدأت تستشعر خطرًا يهدد وجودها وهيمنتها على السلطة لعقدين، في ضوء المتغيرات الدولية التي تسعى لرسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة، ربما يتم شطبها منها بواسطة مشروع قد تكون نواته من داخلها.
البعض الآخر يصفه بالفقاعة الإعلامية، لكنه غالبًا تهيئة للحرس القديم للعودة إلى صدارة المشهد إذا تطلب الأمر.
فأمثال هؤلاء هم ذخيرة نظام الملالي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، للحفاظ على نفوذه في العراق، وإبقائه ورقة يلاعب بها الولايات المتحدة لكسب الوقت.
لكن الأخيرة لا تزال متمسكة بالعراق، وربما تُخطّط ليكون القشة التي ستقصم ظهر الولي البعير، بالتالي هي غالبًا غير مستعدة للتضحية به إلى نظام انتهت صلاحيته بالنسبة إليها، وكل ما يؤخرها عن إسقاطه هو عدم توفر البديل المناسب ليسد الفراغ ويحل محله، كما حدث في العراق أو سوريا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك