جاءت حادثة تحطم مروحية أباتشي الأمريكية قرب مضيق هرمز أمس لتفتح الباب للتساؤل بقلق حول مصير مسار التفاوض بين الجانبين الإيراني والأمريكي، وما إذا كانت هذه الحادثة ستنقل الأوضاع بينهما من “خانة” التهدئة إلى مربع التصعيد، وتكون بمثابة عود الثقاب الذي سيشعل الحريق مرة أخرى، ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر واستئناف الحرب.
الحادثة نفسها يلفها الغموض، فبينما أكد الجانب الأمريكي على لسان الرئيس ترامب أن المروحية تم إسقاطها من قبل إيران، فإن إيران من جانبها نفت الاتهامات الأمريكية جملةً وتفصيلًا، وقال مساعد وزير الخارجية الإيراني في تصريحات له عقب الإعلان عن الحادثة إن هناك احتمالًا أن تكون المروحية قد وقعت في مرمى نيران بصورة غير متعمدة بسبب أجواء التوتر السائدة في منطقة المضيق.
وما يزيد حالة الغموض أنه حتى الآن ليس هناك تفاصيل حول ملابسات سقوط المروحية، فسردية الجيش الأمريكي تقول إن طائرة مسيرة إيرانية اصطدمت بالمروحية وتسببت في تحطمها، وأن عملية بحث وإنقاذ واسعة قام بها الجيش في مياه الخليج انتهت بالعثور على الطيارين، وأنه تم نقلهما إلى موقع آمن.
وجاء الرد الأمريكي سريعًا من قبل الجيش عقب إطلاق الرئيس ترامب اتهامه لإيران ووعيده برد “قوي جدًا وحازم للغاية دفاعًا عن النفس”، حيث شن الجيش الأمريكي بتوجيهات مباشرة من الرئيس ترامب سلسلة من الضربات على أهداف إيرانية.
ولم تمر ساعات على الرد الأمريكي، حتى أعلنت إيران أنها استهدفت عددًا من القواعد الأمريكية في المنطقة ردًا على الضربات الأمريكية.
ويأتي الرد الإيراني للتأكيد على أن إيران لم تكن وراء إسقاط المروحية الأمريكية، أو هكذا يمكن أن تُفهم الرسالة، فإنه من غير المنطقي أن تكون إيران قد أسقطت المروحية عمدًا ثم تقوم بالرد على ضربات الرد الأمريكية، لأن هذا يعد عدوانًا يقتضي ردًا أمريكيًا لاحقًا عليه، ولا يفك هذا الغموض إلا نتيجة التحقيق الذي يجريه الجيش الأمريكي وإفادات الطيارين اللذين هما الآن تحت العناية الطبية.
وإلى أن يتم ذلك، يظل السؤال الأكثر أهمية قائمًا: “من أسقط المروحية؟ ”.
لكن في تقديري أنه إذا ردت أمريكا على ضربات إيران لقواعدها في المنطقة، فإن ذلك يعتبر مؤشرًا ودليلًا على أن الجانب الأمريكي على يقين تام بأن إيران هي من أسقطت مروحيته، وأن رده الأول كان على قاعدة “هذه بتلك”، وأن الرد الإيراني يعد عدوانًا جديدًا، وفي هذه الحالة يدخل الجانبان في سلسلة ردود متبادلة بشكل متوالٍ قد تتصاعد في قوتها وتتوسع في نطاقها لتفجر الوضع وتشعل الحريق.
أما إذا اكتفت أمريكا بردها الأول ولم تعقبه برد آخر، ففي هذه الحالة قد ينطوي هذا الموقف على أحد احتمالين؛ الأول أنها رغم يقينها بتورط إيران في إسقاط المروحية، إلا أنها لا تريد التوغل في وحل التصعيد تفاديًا للعودة للحرب، وهذا يعد دليلًا على جديتها في السير في طريق المسار التفاوضي.
والاحتمال الثاني هو أن تتوصل من خلال التحقيق إلى براءة إيران وعدم تورطها في إسقاط المروحية، وأن الأمر كان مجرد “حادث”، ويعطي هذا الاحتمال النتيجة نفسها، وهي السير في مسار التهدئة والمفاوضات.
وأيًا كان الأمر، فإنه في تقديري لن تفضي هذه الحادثة إلى العودة إلى الحرب مرة ثانية، حتى وإن كانت إيران هي الفاعلة مع سبق الإصرار والترصد، فالوضع الداخلي في أمريكا غير مواتٍ البتة لخوض جولة أخرى من حرب هي في الحقيقة لم تكن مقبولة منذ يومها الأول، وتسببت في إحداث أزمات اقتصادية آخذة في التصاعد، بجانب اقتراب افتتاح بطولة كأس العالم، وتراجع شعبية ترامب والحزب الجمهوري، وتصاعد الاتجاهات الرافضة للحرب من قبل الرأي العام الأمريكي.
كل ذلك مضافًا إليه تلك المؤشرات القوية التي تشير إلى حدوث تقدم ملحوظ في المفاوضات غير المباشرة، وأجواء التفاؤل التي سادت قبيل وقوع حادثة المروحية، وتلك الرغبة في إنهاء الحرب التي أبداها الرئيس ترامب من خلال تدخله المباشر لإيقاف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وضغطه على نتنياهو لوقف هجماته على الضاحية الجنوبية لبيروت.
وعلى الجانب الإيراني، فإن طهران حريصة على إنهاء الحرب لتتجنب الآثار السيئة التي ستترتب على استمرارها، فهي لا تستطيع تحمل الضغوط الاقتصادية الخانقة التي ستزداد فيما لو استمر الحصار الأمريكي، وازدادت الضربات على مرافقها الحيوية واستهداف منشآت الطاقة وبنياتها التحتية، واستمرار العقوبات، وفوق هذا وذاك استنزاف قدراتها الردعية ومخزون صواريخها الباليستية في صراع طويل الأمد.
كذلك فإن إيران تريد الحفاظ على مكاسبها الجيوسياسية الحالية مثل مضيق هرمز، كما تريد طهران صون سيادتها وحفظ تماسك جبهتها الداخلية، بجانب حفظ نفوذها الحالي ونجاحها في فرض معادلات كثيرة متعلقة بصراعها مع إسرائيل، وفي علاقاتها مع جيرانها ومع دول المنطقة.
فالخشية من فقدان هذه المكاسب تدفعها نحو الاتجاه صوب التهدئة والعودة العاجلة إلى مسار التفاوض.
هذا بطبيعة الحال فيما لو اقتصر الأمر على الجانبين الأمريكي والإيراني بعيدًا عن أيدي إسرائيل التي لا تريد التهدئة، وتعارض المسار التفاوضي، وتسعى بقوة إلى تخريبه وإفشاله؛ لأن في نجاحه خسارة لها.
لذلك يتوقع أن تعمل إسرائيل جاهدة على تفجير المسار التفاوضي بشتى السبل، وفي يدها أكثر من ورقة، وأبرزها ورقة لبنان التي هي بمثابة لغم قابل للانفجار في أي وقت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك