يؤكد الشاعر الجزائري عادل سوالمية أن مسؤولية الشاعر هي ألا يترك الآخر وحيدا في مواجهة العدم، لأنه حين يكتب فهو لا يصف العالم، بل يعيد اختراعه، كما أنه يعيد الاعتبار للفردانية في وجه القطيع باعتبار أن الشعر هو «العصيان اللغوي» الأول الذي يسبق أي تمرد سياسي أو اجتماعي، وهو بذلك فعل مقاومة لأنه يرفض الاستسلام لعدمية العالم، وهو ليس ترفا، بل هو خط الدفاع الأخير عن إنسانيتنا.
يقول الشاعر عادل سوالمية صاحب ديوان «قلق غير عابر» الصادر عن دار «فكرة كوم» عام 2023، في زمن اضمحلال المثاليات، لا يعيد الشعر بناء الأخلاق كقوانين صارمة، بل كجماليات سلوكية، معتبرا أن الشعر هو الأفق الذي يعيد تجميع شظايا الإنسان المعاصر المشتت، الرقمي والمُستلَب، محذرا من هزيمة الشعر التي تعني موت الخيال وتصحّر الروح.
*يقال إن الكمال مستحيل والجمال ممكن.
في رأيك، أين يتموقع الشعر بين المستحيل والممكن؟ـ الشعر برزخ بين الكمال والجمال، فالكمال هو نقطة النهاية، والجمال هو لذة الطريق.
إن الشعر لا يسكن المستحيل (الكمال) لأنه سينتهي هناك ويجمد، ولا يكتفي بالممكن العادي لأنه سيتحول إلى نثر يومي.
الشعر يتموقع في مسافة التوتر بينهما، إذ هو محاولة «ترميم» النقص البشري بجماليات اللغة.
الشاعر الحقيقيّ يدرك أن قصيدته لن تكون كاملة مطلقا، لكنه يجعل من عدم اكتمالها نافذة يُطلّ من خلالها القارئ على اللانهائي.
*هناك من النقاد من قال في كتاب الفيلسوف الفرنسي فريدريك غرو «العصيان من التبعية إلى التمرد» الصادر في 2019، إن الحرية لا تُمنح، بل تُنتَزَع أولا من داخل الذات.
كيف يمكن للشعر أن ينتزع الحرية من داخل ذات الشاعر؟ـ في فلسفة العصيان لفريدريك غرو، التمرد يبدأ برفض الطاعة الداخلية، والشعر هو الأداة الأقوى لهذا الانتزاع؛ لأنه يكسر قوالب اللغة التي سُجن فيها وعيُنا.
حين يكتب الشاعر، هو لا يصف العالم، بل يعيد اختراعه.
هو ينتزع حريته حين يرفض أن تكون كلماته صدى للآخرين، وحين يحول أناه من مجرد تابع للمجتمع، أو الأيديولوجيا إلى ذاتٍ خالقة.
الشعر هو «العصيان اللغوي» الأول الذي يسبق أي تمرد سياسي أو اجتماعي.
*ظلت مهمة الفيلسوف مرتبطة بمحاولة فهم العالم، لكنه الآن بات مطالَبا من النقاد بتجاوز حدود التأمل النظري.
وإذا تتبعنا، في هذا الصدد، تاريخ الفكر الإنساني، كيف تكون حسب رأيك مهمة (وظيفة) الشاعر في الفعل الاجتماعي؟ـ إذا كان الفيلسوف يحلل العالم، فإن الشاعر يُنطقه.
وظيفة الشاعر في الفعل الاجتماعي ليست الوعظ، بل إيقاظ الشعور.
تاريخيا، كان الشاعر ضمير القبيلة، لكنه اليوم صار بوصلة الوجدان.
مهمته تتمثل في منع تحول الإنسان إلى ترس في آلة.
إنه يعيد الاعتبار للفردانية في وجه القطيع، وللعاطفة في وجه المادية.
الشاعر يغيّر المجتمع ليس بالخطابات، بل بتغيير طريقة إدراك الأفراد لهذا المجتمع.
*في زمن تلاشي المثالية الأخلاقية.
كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الشعر كأداة أخلاقية ومجتمعية؟ـ في زمن اضمحلال المثاليات، لا يعيد الشعر بناء الأخلاق كقوانين صارمة، بل كجماليات سلوكية.
إعادة بناء مفهوم الشعر أخلاقيا تبدأ عبر أنسنة الألم.
حين تجعل القصيدة القارئ يشعر بوجع إنسان في الطرف الآخر من الأرض، فهي تمارس أسمى درجات الأخلاق.
الشعر لا يقول لك كن خيّرا، بل يجعلك تشعر بجمال الخير وقبح الظلم، وهنا تكمن قوته كأداة مجتمعية ناعمة وصلبة في آن واحد.
*هل يمكن للشعر كـ»أفُق إنساني» إعادة تشكيل الإنسان المعاصر؟ـ الإنسان المعاصر مشتت، رقمي، ومُستلَب.
الشعر هو الأفق الذي يعيد تجميع شظايا هذا الإنسان.
فهو ما يعيد للشخص قدرته على التأمل في زمن السرعة الجنونية، كما ينقذ لغتنا من أن تصير مجرد أداة تقنية باردة.
الشعر يشكّل الإنسان المعاصر عبر تذكيره بهشاشته الجميلة، وبأنه كائن أكبر من حاجته البيولوجية والوظيفية.
*تعتبر فلسفة إيمانويل ليفيناس أن للإنسان مسؤولية غير محدودة تجاه الآخر.
ما مسؤولية الإنسان الشاعر إزاء الآخر؟ـ عند ليفيناس، وجه الآخر هو نداء أخلاقي.
بالنسبة للشاعر، المسؤولية مضاعفة، لأنه صوتٌ لمن لا صوت لهم، لدرجة أن يجعل قصيدته بيتا يسع غربة الآخرين.
مسؤولية الشاعر هي ألا يترك الآخر وحيدا في مواجهة العدم، إنه ينسج خيوطا غير مرئية تربط الوجع الخاص بالوجع الكوني.
*إذا كان الشعر بديهية أخلاقية، برأيك، ما دوره في مقاومة عبث ولاعقلانية العالم؟ـ العالم اليوم يفتقر للمنطق، والشعر هو اللامنطق الذي يعطي معنى! دوره في المقاومة يكمن في خلق التناغم وسط الفوضى.
الشعر يواجه العبث بالدهشة؛ فبينما يقول العبث: «لا فائدة من أي شيء»، يقول الشعر: «انظر إلى جمال هذا اللاشيء».
هو فعل مقاومة لأنه يرفض الاستسلام لعدمية العالم، ويصرّ على إيجاد جوهر في قلب الهباء.
*تقول حنا أردنت إن الطاعة أصبحت تمارَس بشغف مرَضي وليس إكراها.
كيف يمكن للشعر أن يصنع التمرد في عصرنا هذا؟ـ تتحدث حنا أردنت عن تفاهة الشر والطاعة العمياء.
الشعر يصنع التمرد لأنه فن السؤال لا فن الإجابة.
الشعر يعلمنا الريبة في كل ما هو جاهز ومعلّب.
إنه يكسر الصمت الذي تتغذى عليه الديكتاتوريات (سواء كانت سياسية أو مجتمعية أو خوارزمية).
التمرد الشعري هو استعادة الإرادة عبر التعبير الفريد الذي لا يمكن تدجينه أو برمجته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك