تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة تنامياً ملحوظاً في المبادرات الشبابية الهادفة إلى خدمة المجتمع وتحسين جودة الحياة.
وما يلفت الانتباه أن هذه المبادرات يقودها شباب استطاعوا تحويل أفكارهم إلى مشاريع ميدانية ذات أثر ملموس، حظيت بدعم وتفاعل مجتمعيين لافتين.
وقد أسهمت هذه الدينامية في ترسيخ ثقافة المواطنة الفاعلة، وتعزيز المشاركة الإيجابية في الشأن العام، فضلاً عن المساهمة في تحسين ظروف العيش داخل العديد من الأحياء والمناطق المحلية.
قبل نحو شهرين، كان الشاب نوفل بوشارب يسير في بلدة الخروب، إحدى أبرز مدن ولاية قسنطينة شرقي الجزائر، عندما استوقفته حفرة كبيرة في الطريق العام كانت تعرقل حركة السيارات وتسبب إزعاجاً للمارة.
عندها قرر، بمعية عدد من أصدقائه، التدخل لردمها وإصلاحها بوسائل بسيطة.
ولم يكن يدرك أن تلك المبادرة العفوية ستتحول إلى مشروع مجتمعي متواصل؛ إذ سرعان ما توسعت الفكرة لتشمل إصلاح عدد من الحفر والنقاط المتضررة في الطرقات داخل المدينة والمناطق المجاورة.
من هنا انبثقت مبادرة" نصلحوها دي زاد"، التي تركز على إصلاح الحفر التي تتسبب، في كثير من الأحيان، في حوادث السير أو تلحق أضراراً مادية بالمركبات، فضلاً عن عرقلتها لحركة المرور.
ويعمد نوفل بوشارب ورفاقه إلى معاينة المواقع المتضررة ميدانياً، قبل إخضاعها لتقييم تقني يحدد أنسب طريقة للتدخل وفق طبيعة المكان وحجم الضرر.
وبعد ذلك، يوفّر الفريق المعدات الضرورية ويقتني مادة الأسفلت البارد المستخدمة في عمليات الترميم، ليباشر أشغال الإصلاح وفق معايير تضمن سلامة الطريق وتحسين قابليته للاستعمال.
وقد لقيت هذه الجهود استحساناً واسعاً من السائقين والسكان.
ورغم الانتقادات التي ترى أن إصلاح الطرق وصيانتها يظلان من اختصاصات البلديات والسلطات المحلية، فإن القائمين على هذه المبادرة ينطلقون من فكرة مغايرة تقوم على الانتقال من مجرد انتقاد المسؤولين إلى المساهمة العملية، قدر المستطاع، في معالجة بعض المشكلات اليومية التي تمس المواطنين بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، يقول نوفل بوشارب (33 عاماً)، وهو خريج معهد للتكوين المهني، لـ" العربي الجديد": " قررت في لحظة ما أن أغيّر طريقة التفكير؛ فبدلاً من الاكتفاء بانتقاد المسؤولين، يمكنني النزول إلى الميدان والقيام بما يخدم الصالح العام، والمساهمة، ولو بقدر بسيط، في إصلاح بلدتنا وبلدنا".
ويضيف: " هذه بلادنا، ومن واجب كل واحد منا أن يقدم ما يستطيع من أجل تحسين المجال العام".
يعمل هذا الفريق الشاب والطموح، الذي اختار لمبادرته وسم" نصلحوها دي زاد" في إشارة إلى الجزائر، بإمكانات متواضعة للغاية.
فلا تتجاوز أدواته بعض المعدات البسيطة، من قبيل المكانس والمعاول وأدوات دكّ الإسفلت، غير أن هذه الوسائل المحدودة لم تمنعه من تحقيق هدفه المتمثل في إصلاح الحفر.
ويقتني نوفل بوشارب ورفاقه مادة الأسفلت البارد، التي يبلغ سعر الكيس الواحد منها نحو ثمانية دولارات، إلى جانب باقي المستلزمات الضرورية، وذلك من أموالهم الخاصة وبمساهمة بعض المحسنين.
ومع اتساع صدى المبادرة وما حظيت به من تقدير واستحسان بين السكان، بادرت إدارة مصنع" شمال أفريقيا" المتخصص في صناعة الأسفلت البارد بمدينة قسنطينة إلى تقديم تسهيلات للفريق، عبر تزويده بالكميات اللازمة من المادة المستعملة في عمليات الإصلاح، دعماً لهذا العمل التطوعي ذي المنفعة العامة.
ويأمل أعضاء المبادرة في الحصول على دعم أكبر من السلطات المحلية والجهات المعنية، سواء من خلال توفير المعدات أو تسهيل الحصول على المواد اللازمة، بما يمكنهم من توسيع نطاق تدخلاتهم وإصلاح عدد أكبر من الحفر والنقاط المتضررة في الطرقات.
وقد تجاوزت المبادرة حدود بلدة الخروب لتشمل، حتى الآن، 12 بلدية تابعة لولاية قسنطينة، فيما يطمح القائمون عليها إلى نقل التجربة إلى مختلف أنحاء الجزائر خلال المرحلة المقبلة.
ويقول نوفل بوشارب: " نخطط لأن يجوب فريق المبادرة مختلف ولايات الوطن، ليس فقط لإصلاح الطرق، بل أيضاً لغرس روح المبادرة والعمل التطوعي لدى الشباب، وتشجيعهم على الانخراط في مشاريع مماثلة تخدم مجتمعاتهم المحلية".
مشيرا إلى إمكانية انتظام المتطوعين ضمن إطار قانوني تحت مظلة جمعية أو هيئة مجتمعية تطوعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك