في الدفاتر الشخصية التي تركها وراءه، كتب الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغن: «آب (أغسطس) 1982.
كنت في اجتماع عمل مع أعضاء في الكونغرس لبحث مشروع قانون الضرائب عندما تلقيت نبأ الهجوم الإسرائيلي بالقنابل والمدفعية الثقيلة على غرب بيروت، والذي استمر 14 ساعة.
أبرق لي مستغيثا (المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط آنذاك فيليب) حبيب.
أبلغني بحصوله على موافقة مبدئية من جميع الأطراف، لكنه عاجز عن ترتيب تفاصيل انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية بسبب القصف.
اتصل بي الملك فهد متوسلا أن أفعل شيئا.
أخبرته أنني سأتصل برئيس الوزراء (مناحيم) بيغن فورا.
وبالفعل اتصلت، وقد كنت أستشيط غضبا.
قلت له إنه يجب أن يوقف القصف وإلا فإن مستقبل علاقتنا بأكملها في خطر.
تعمدتُ استعمال عبارة «الهولوكوست»، وقلت له إن رمز حربك هذه أصبح صورة طفل عمره سبعة أشهر بُترت ذراعاه.
أخبرني بأنه أمر بوقف القصف، فسألته عن القصف المدفعي.
ادّعى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي من بدأته وأن القوات الإسرائيلية تكبدت خسائر.
انتهت المكالمة.
بعد 20 دقيقة، اتصل بي ليخبرني بأنه أمر بوقف القصف، وتوسل إليّ من أجل استمرار صداقتنا.
ثم عدت لأقضي بقية اليوم مع أعضاء الكونغرس في مناقشة مشروع قانون الضرائب».
يتحدث ريغان هنا عن يوم 12 آب (أغسطس)، لكن العدوان الإسرائيلي على لبنان وبيروت كان قد بدأ قبل شهرين من ذلك التاريخ.
44 سنة مرت على يوم ريغان الاستثنائي.
لبنان، أمس واليوم، مسرح لحرب فُرضت عليه ولا تستطيع حكومته وجيشه منعها أو التأثير في سيرها.
حرب إسرائيل على لبنان، قبل 44 سنة واليوم، هي عنوان فرعي لصراع أكبر من لبنان.
الجنود الإسرائيليون يسيرون على الأرض اللبنانية نفسها والمسالك نفسها التي سار عليها أسلافهم قبل أكثر من أربعة عقود.
لغة نتنياهو العدوانية هي نفسها لغة بيغن ومساعديه.
تكتيكات الجنود الإسرائيليين تكشف عن ضيق الخيارات والأفق، كما ضاقت أمام أسلافهم في 1982: تقدم في مطاردة عدو زئبقي دون استراتيجية واضحة ودون هدف محدد.
الشهود على التوغل (والتغوّل) الإسرائيلي في لبنان دبلوماسيون أمريكيون من أصل لبناني، فيليب حبيب آنذاك والسفيران ميشال عيسى وتوم براك اليوم.
القصف الإسرائيلي على بيروت سنة 1982، الذي قاده غادي آيزنكوت، الحالم بالفوز في انتخابات الخريف المقبل، قتل من المدنيين أكثر مما قتل من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية.
والقصف الإسرائيلي في لبنان اليوم يقتل من المدنيين اللبنانيين ويُهجّر أكثر مما يقتل من مجنّدي حزب الله.
غضب ريغان هو غضب ترامب.
كلاهما لا علاقة له بالخوف على لبنان وحياة المدنيين اللبنانيين، ولا علاقة له بالتدمير المتعمد للبنية التحتية اللبنانية.
في الحالتين هو غضب نابع من خوف على مكانة إسرائيل وصورتها في العالم.
ففي نهاية المطاف، الإدارة الأمريكية هي التي ستتولى مهمة كنس وسخ الجرائم الإسرائيلية وتبييض صورة إسرائيل في المسرح العالمي، بأموال دافع الضرائب الأمريكي.
ريغان أوقف القصف على بيروت بعد أن استمر ساعات طويلة بلا انقطاع، لكنه لم يوقف احتلال جنوب لبنان.
لم يندد، لم يتحسر، لم يعبّر عن إدانة.
اكتفاؤه بمنع قصف بيروت فقط مهّد الطريق لـ 18 سنة من الاحتلال للجنوب ونهاية مذلّة للجيش الإسرائيلي.
ترامب أيضا لم يندد ولم يُدن ولم يحتج.
منع نتنياهو من قصف بيروت، لكنه لا يهتم بوقف التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان، ولا يمنع استمرار القصف اليومي.
إعادة إنتاج منطق غزة الجهنمي: تتوقف الحرب وتستمر الإبادة دون أن تلفت انتباه العالم.
بلى.
تغيّرت أشياء كثيرة.
رئيس أمريكا اليوم اسمه دونالد ترامب.
شخص نزق، سريع الغضب والانفعال.
بذيء اللسان، لا أصدقاء له، لا أمان له، يتنمر على الصغار، يخاف الكبار (بوتين شي جين بينغ)، لا يؤتمن على سر، لا يؤمن بالمؤسسات فاختار أصدقاءه من سماسرة العقارات وأصهاره وفرضهم وسطاء ومكلّفين بإيجاد الحلول والتسويات.
قبل 44 سنة لم يتباهَ ريغان بخلافاته مع قادة الدول.
لم يدّع فضلا على أحد، خصوصا القادة الإسرائيليين، كان يكتم الأسرار، كان يحترم المنصب والمسؤولية وحريص على سمعة بلاده ومكانتها.
تكتيكات الجنود الإسرائيليين تكشف عن ضيق الخيارات والأفق، كما ضاقت أمام أسلافهم في 1982: تقدم في مطاردة عدو زئبقي دون استراتيجية واضحة ودون هدف محددكان الرئيس يدير الولايات المتحدة عبر المؤسسات التقليدية، وإحداها وزارة الخارجية الأمريكية القوية بإمكاناتها ومواردها المادية والبشرية.
قبل 44 سنة كان مجرد التفكير في تكليف أصهار وأصدقاء هواة بمهام دبلوماسية كبرى وبحل صراعات دولية معقدة، ضرب من الجنون.
عندما تولى المبعوث فيليب حبيب الملف اللبناني كان في الـ 62 من العمر، يجرُّ معه 33 عاما من الخبرة الدبلوماسية العميقة، ضمنها قيادته وفد التفاوض لإنهاء حرب فيتنام.
خلافا لمنظمة التحرير في 1982 التي طُردت إلى تونس، إسرائيل اليوم تقاتل عدوا داخليا متجذرا في النسيج الاجتماعي والاقتصادي اللبناني، وليس هناك مكان تطرده إليه.
ما تبقى من عقلاء في إسرائيل يرفضون مقولة «التاريخ يعيد نفسه».
يقولون إن العنوان الأنسب لهذه المرحلة هو «مستمرون في العودة إلى المستنقع ذاته لنرتكب الأخطاء نفسها».
خلال عملية «عناقيد الغضب» في ربيع عام 1996، هجَّر الجيش الإسرائيلي قسراً معظم سكان جنوب لبنان إلى الشمال، بما في ذلك سكان مدينة صور الكبرى، على أمل إضعاف الدعم لحزب الله، كانت النتيجة أن الحزب تقوّى أكثر، كذلك الشأن في حرب صيف 2006.
وفعل الشيء نفسه هذه المرة، فهجّر زهاء مليون شخص على أمل القضاء على البيئة الحاضنة للحزب.
أيُّ عاقل سيقول لك إن الفشل ذاته سيتكرر هذه المرة، وإن ما تفعله إسرائيل في كل مرة وصفةٌ مثالية لفشل متكرر.
السياسيون والإعلاميون المتعصبون هناك يندبون أن بلادهم أصبحت «ممسحة أرجل» (هذا تعبير بعضهم) لدى أمريكا، ويطالبون بهبّة تفضي إلى التحرر مما يعتبرونها مَذلّة تجاوزت الحدود.
لكن لو عكسنا الطاولة سيصبح من حق أي أمريكي أن يلطم ويقول إن أمريكا أصبحت «تابعا وممسحة أرجل» لإسرائيل، ولا أحد يجادل بأنه على خطأ.
أما غضب الرؤساء فمجرد تفصيل تكتيكي بلا أي تأثير مصيري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك