في وقت تتقاطع فيه الاضطرابات الجيوسياسية مع ارتفاع تكاليف التشغيل في قطاع الطيران العالمي، تبرز شركات الطيران في الشرق الأوسط باعتبارها إحدى أكثر التجارب قدرة على التكيّف مع الصدمات المتلاحقة.
فبين تغيّر مسارات الرحلات وارتفاع أسعار الوقود والتأمين، يظل عامل المرونة التشغيلية هو السمة الأبرز للقطاع.
وفي هذا السياق، يقدّم نائب رئيس الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) لأفريقيا والشرق الأوسط كامل العوضي قراءة شاملة لتداعيات الأزمات الأخيرة على حركة الطيران وانعكاساتها على الأسعار والطلب والمطارات، إضافة إلى آفاق النمو خلال عام 2026.
وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على حركة الطيران، تبرز شركات الطيران في الشرق الأوسط نموذجاً لافتاً في سرعة التكيف واستعادة العمليات.
ويكشف العوضي في هذا الحوار لـ" العربي الجديد"، عن تداعيات الأزمات الأخيرة على القطاع وتوقعات الأسعار وآفاق النمو خلال عام 2026.
- كيف أثرت الاضطرابات الأخيرة جراء الحرب على إيران على شركات الطيران؟كان تأثير الحرب فورياً وملموساً في أربعة مجالات رئيسية.
في ما يتعلق بالمجال الجوي، أدى إغلاق بعض المناطق وتغيير مسارات الرحلات إلى زيادة أوقات الرحلات ورفع تكاليف التشغيل.
أما في مجال الوقود، فقد شهدنا ارتفاعاً في الأسعار وزيادة في التقلبات، حيث بلغ سعر وقود الطائرات مستويات قياسية، وسُجلت ذروة هامش الربح عند 96 دولاراً للبرميل، بينما وصل سعر البرميل إلى نحو 218 دولاراً.
وفي أفريقيا، تبقى تكاليف الوقود أعلى مقارنة بمناطق أخرى.
أما على مستوى الطلب، فقد سجلنا انخفاضاً ملحوظاً في حركة النقل العابر، مقابل نمو الطلب في أسواق أخرى، مع تحول في مسارات الحركة بعيداً عن مراكز العبور في الشرق الأوسط.
وفي ما يخص الطاقة الاستيعابية، فقد تراجعت نسب استخدام الطائرات مع تعديل الجداول التشغيلية، إذ لم تصل شركات الطيران في دول مجلس التعاون الخليجي إلى طاقتها الكاملة بعد، لكنها استعادت نحو 75% منها.
ورغم أن التأثير كان سلبياً، خصوصاً مع إغلاق الأجواء أو تقييد الحركة الجوية بشكل مفاجئ، فإن ما يميز شركات الطيران في الشرق الأوسط هو قدرتها العالية على التكيف السريع، سواء عبر إعادة توجيه الرحلات أو اعتماد بدائل تشغيلية خلال وقت قياسي، وهو ما ساعد على امتصاص جزء كبير من الصدمة.
- ماذا عن تأثير ذلك على مطارات المنطقة، خاصة الخليجية؟كانت منطقة الخليج الأكثر تأثراً، وتحديداً مطار الكويت، الذي شهد إغلاقاً كاملاً لنحو 70 يوماً، ما انعكس بشكل كبير على حركة الطيران.
أما بقية المطارات فتأثرت بدرجات متفاوتة بحسب حجم التشغيل، إذ كانت المطارات الكبرى مثل دبي الأكثر تأثراً من حيث الحجم الإجمالي للحركة، بينما كان التأثير أقل نسبياً في مطارات أخرى.
سجلنا انخفاضاً ملحوظاً في حركة النقل العابر، مقابل نمو الطلب في أسواق أخرى، مع تحول في مسارات الحركة بعيداً عن مراكز العبور في الشرق الأوسط- هل أدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار التذاكر؟نعم، هناك عدة عوامل تضغط على الأسعار، أبرزها الارتفاع غير المسبوق في تكاليف التأمين، حيث وصلت كلفة التأمين على بعض الرحلات إلى عشرات آلاف الدولارات، إلى جانب استمرار ارتفاع أسعار الوقود.
كما أن عدم الاستقرار الجيوسياسي يفرض تغييرات متكررة في مسارات الرحلات، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويعقّد عمليات التخطيط.
- كيف تقارن أداء شركات المنطقة مع نظيراتها عالمياً؟أثبتت شركات الطيران في الشرق الأوسط كفاءة عالية، خاصة خلال جائحة كورونا (كوفيد-19)، حيث استعادت عملياتها بسرعة لافتة مقارنة بأوروبا وأميركا وآسيا التي واجهت صعوبات تشغيلية كبيرة عند إعادة فتح الأجواء.
هذه القدرة على التشغيل السريع وبجودة عالية لا تزال تمثل ميزة تنافسية للمنطقة.
وتتمثل الأولويات الرئيسية في بناء قدرات أسواق الطيران المتعافية وتعزيز المرونة في المنطقة، إلى جانب خلق بيئة تنافسية أكثر عدلاً، ودعم الدول الخارجة من العقوبات أو حالات عدم الاستقرار السياسي، مثل العراق وسورية واليمن وليبيا، في إعادة بناء قطاعات الطيران لديها، مع التركيز على التشغيل الآمن والامتثال للمعايير الدولية والحوكمة التنظيمية، بما في ذلك أنظمة التسوية المالية القوية مثل أنظمة المصارف المركزية.
- ماذا عن السلامة التشغيلية في ظل هذه الضغوط؟السلامة التشغيلية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.
جميع شركات الطيران في المنطقة تلتزم بهذا المبدأ بشكل صارم، وتضع السلامة في المرتبة الأولى قبل أي اعتبارات مالية أو تشغيلية.
تتمثل الأولويات الرئيسية في بناء قدرات أسواق الطيران المتعافية وتعزيز المرونة في المنطقة، إلى جانب خلق بيئة تنافسية أكثر عدلاً، ودعم الدول الخارجة من العقوبات أو حالات عدم الاستقرار السياسي، مثل العراق وسورية واليمن وليبيا- هل ما زلتم متفائلين بنمو السفر الجوي في 2026؟النمو مستمر، لكنه سيكون أقل من التوقعات السابقة بسبب التطورات الجيوسياسية.
التقديرات التي وُضعت سابقاً لم تكن تأخذ في الاعتبار اندلاع صراعات جديدة، ولذلك تم تعديلها، وسيتم الإعلان عن الأرقام المحدثة قريباً.
- كيف ترون أداء قطاع الطيران حتى نهاية العام؟إذا استقرت الأوضاع عند مستوياتها الحالية، فمن المتوقع أن تحقق شركات الطيران في الشرق الأوسط أداءً جيداً بنهاية العام.
لكن في حال تصاعد التوترات أو تكرار سيناريوهات الإغلاق، فإن التأثير سيكون سلبياً بشكل أكبر، كما حدث في حالة الكويت.
في المحصلة، ورغم التحديات المتزايدة، تؤكد المؤشرات أن قطاع الطيران في الشرق الأوسط يمتلك من المرونة والخبرة التشغيلية ما يمكّنه من تجاوز الأزمات.
وبين ضغوط التكاليف وتقلبات المشهد الجيوسياسي، تبقى القدرة على التكيف السريع العامل الحاسم في الحفاظ على الأداء والنمو.
كامل العوضي (كويتي الجنسية) هو نائب رئيس الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) لأفريقيا والشرق الأوسط منذ مارس/آذار 2021، ويتمتع بخبرة تمتد لعقود في قطاع الطيران.
شغل مناصب قيادية في عدد من شركات الطيران الإقليمية والدولية، وأسهم في تطوير استراتيجيات التشغيل والنمو في الأسواق الناشئة.
يقود حالياً جهود" إياتا" في دعم شركات الطيران وتعزيز الاستدامة والكفاءة التشغيلية في المنطقة، ويتمتع بخبرة واسعة في إدارة الأزمات الجوية وتطوير السياسات المرتبطة بسلامة الطيران، ويشارك بانتظام في المؤتمرات الدولية لتمثيل قضايا القطاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك