ثمة جدل يدور في دول الخليج العربية، بين من يتبنون استمرار سياسة ضبط النفس والتصدي البطولي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية طوال الشهور الماضية، منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، وبين أصوات تطالب بالرد، وعدم الاكتفاء بالردع على العدوان الإيراني السافر على بلداننا، وضرب إيران ومصادر النيران.
" الرديون" و" الردعيون" وصف هذين الفريقين في الخليج العربي، ويمكن اختصار الجدل بين الفريقين بما يشبه الحوار الآتي:الرديون: إلى متى ونحن نتلقى ضربات العدوان، ونحن نمتلك القدرة الهائلة على رد مزلزل لوقف العدوان؟الردعيون: هذه حرب أميركية - إسرائيلية ضد إيران، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن نتورط فيها، لأن دولنا ومصالحنا أحد أهداف هذه الحرب اللعينة.
الرديون: لم كنا نشتري السلاح إذاً والصفقات التسليحية الهائلة؟ جاء يوم استخدام هذا السلاح للدفاع عن بلداننا وشعوبنا.
الردعيون: من قال لكم إننا لا نستخدم هذا السلاح؟ نحن نستخدمه للردع، وقد أثبتنا جدارة وبسالة التصدي للعدوان، والتخفيف من آثاره بأكبر نسب النجاح بالتصدي.
الرديون: وإلى متى؟ فإيران لا تعرف إلا لغة القوة، ولنا في باكستان خير مثال، فقد ضربتها إيران قبل عامين، فأطلقت عليها باكستان وابلاً من الصواريخ وغارت عليها في طهران، فتوقفت إيران عن ضربها، وإيران استمرأت الأمر، فبالأمس ضربتها أميركا، وإسرائيل تضرب حزبها في لبنان، فيقصفون الكويت والبحرين، ولو علموا أن الرد سيأتيهم منّا لما تجرأوا على ضربنا.
الردعيون: هذا صحيح، لكن باكستان دولة يحكمها العسكر، ولديها سلاح نووي، وجيش جرار للتصدي للهند، وتضاريس الهملايا، وعدد سكانها 260 مليون نسمة، وليس لديها بنى تحتية هائلة مثل دول الخليج.
الرديون: المسألة ليس بالعدد، بل بالعدة والاستعداد، وهذا ما لا ينقصنا في دول الخليج، والطيران الحربي السعودي والإماراتي وحدهما يمكن أن يحولا مدن إيران إلى خرائب.
الردعيون: نحن مستهدفون، والأطراف الثلاثة، أميركا وإسرائيل وإيران، لا يهمها ما قد تجره الحرب الشاملة علينا، وإيران هدفها تخريب المنطقة برمتها، مثلما خرّبت العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولو دخلنا الحرب الشاملة لما توقفت إلا بعد" خراب البصرة"، وسيصبح ما بنيناه أثراً بعد عين، وستفرغ ملاءاتنا المالية، وسنحتاج إلى عقود طويلة من البناء والاستثمار لإعادة ما تهدم.
الرديون: لكن سكوتنا يعني أن إيران قد تضربنا مستقبلاً، حتى بعد توقف حربها مع أميركا وإسرائيل، وتغلق علينا مضيق هرمز.
الردعيون: ماذا يمكننا أن نقصف أكثر من أميركا وإسرائيل؟ فلنصبر فالنظام في إيران ساقط لا محالة، فلا يمكن له بعد هذه الحروب والحصار والانهيار الاقتصادي أن يبقى طويلاً، والمتضرر من غلق مضيق هرمز هو الاقتصاد الدولي برمته، وليس اقتصادنا فقط، وبالتالي ففتحه مسؤولية دولية وليس مسؤوليتنا وحدنا.
الرديون: العالم معنا، وقرار مجلس الأمن رقم (2817) الذي يدين إيران معنا، و" ميثاق الأمم المتحدة" يجيز لنا حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51)، وهذه الفرصة للرد قد لا تتكرر، فلنتخلص من هذا الوباء الذي يهددنا كل مرة: " جاك الذيب وجاك ولده".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)الردعيون: لو أن ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية تطبق لتحرر معظم فلسطين، لكن لو أشعلنا الحرب الشاملة بالرد فستنسحب أميركا، وتجثم مقاتلات إسرائيل في مطاراتها الحربية، ويخفف الحصار عن إيران لتشتري السلاح من الصين وروسيا، بل وحتى إسرائيل، مثلما فعلت أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، ونشتري باستثماراتنا وصناديقنا السيادية السلاح للدفاع عن أنفسنا، ثم ندخل في حرب بسوس تكون خسارتنا فيها أكبر بكثير من خسائر إيران التي لم يعد لديها الكثير لتخسره.
الرديون: لا بد من موقف خليجي عسكري موحد للرد قبل فوات الأوان، فإيران في أضعف حالاتها، وليس لديها سوى الصواريخ والمسيّرات التي أثبتنا قدرة فائقة على صدها، وحتى لو اخترق بعضها دفاعاتنا، فهذا ثمن سندفعه وأمرنا لله.
الردعيون: من قال لكم إن الدول الخليجية كلها ستوافق وتشارك في الرد؟الرديون: ليس مهماً مشاركتها جميعا، المهم أنها ستساند وتؤيد حق الرد على العدوان الذي صبرنا عليه طويلاً، بل إن عدم مشاركة بعضها يمكن اعتباره توزيع أدوار في حال وقف القتال.
الردعيون: ومن قال إن إيران ستكتفي بالصواريخ والمسيّرات؟ ماذا لو قررت الإنزال البحري والغزو البري؟الرديون: عندها سيجعلهم الطيران الحربي الخليجي" شذر مذر" قبل أن يتعدوا فيلكا وبوبيان، ولا تنسوا أنهم منذ اليوم الأول في حرب أميركا وإسرائيل عليهم وهم يطالبون بوقف الحرب، ولو رددنا عليهم بضربات قاصمة، لعلموا أن" الله حق"، وتجرعوا" كأس السم" مثلما تجرعه مؤسسهم الخميني بإنهاء الحرب مع العراق عام 1988.
الردعيون: نحن أحياء وهم أموات، " والحي ما يقابل الميت"، وخسائرنا بسيطة مقارنة بخسائر المقامرة بحرب شاملة، وسياسة النفس الطويل ستؤتي ثمارها.
يحتدم الجدل وتتعالى أصوات الطرفين، ويستمر العدوان وتتسطر صفحات الردع البطولي والصمود، ويًلجم الردعيون خيول الرديين الجامحة حتى الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك