كثيراً ما أقف أمام مكتبتي وأتساءل: متى اشتريتُ هذه الكتب كلّها؟ وكيف تسلّلت إلى الرفوف بهذا العدد الهائل حتّى صار بعضها يشيخ بصمت قبل أن ألمسه؟ ثمّ أضحك بيني وبين نفسي وأنا أتذكّر أنّني دخلت معرضاً لكتاب مرّة وفي ذهني عنوان واحد أبحث عنه، فخرجت محمّلةً بكيسين أو ثلاثة أكياس، وعدتُ إلى البيت بشعور المنتصر الذي عثر على كنز نادر، مع أنّني كنت أعرف في قرارة نفسي أنّ معظم تلك الكتب سيبقى في انتظار دوره طويلاً.
في مكتبتي عشرات، وربّما مئات، الكتب التي لم أقرأها بعد.
بعضها اشتريته قبل سنوات، وبعضها ما زال يحتفظ بإشارات الأسعار على غلافه البلاستيكي، وبعضها لم أفتحه إلا لأقرأ مقدّمته أو فهرسه.
مع هذا، لا أشعر بالذنب كلّما وقعت عيناي عليها، لأنّ علاقتنا بالكتب أعقد قليلاً من العلاقة التقليدية بين قارئ وكتاب.
نحن لا نشتري الكتب دائماً من أجل القراءة الفورية؛ أحياناً نشتريها لأنّنا نحبّ الفكرة التي تمثّلها.
نقتني كتاباً في الفلسفة لأنّنا نرغب في أن نصبح أكثر تأمّلاً، ونشتري كتاباً في التاريخ لأنّنا نخطّط ليوم سنملك فيه الوقت الكافي لفهم العالم بصورة أوسع، ونعود إلى البيت برواية ضخمة لأنّنا نتخيّل أنفسنا في مساء هادئ نلتهم صفحاتها صفحة بعد أخرى.
الكتاب هنا يتحوّل إلى وعد مؤجّل أكثر من أنّه مشروع قراءة عاجل.
وأظنّ أنّ كثيرين يعرفون هذا الشعور جيّداً.
شعور أن ترى كتاباً فتشعر بأنه يناديك، وبأنّ مكانه الطبيعي صار على رفّك الخاصّ، حتّى لو كنت منشغلاً بعشرة كتب أخرى.
هناك متعةٌ خالصة في الاقتناء نفسه، متعة لا تقلّ صدقاً عن متعة القراءة.
لحظة اختيار الكتاب من بين مئات العناوين، وتقليب صفحاته الأولى، وملامسة الورق، وتأمّل الغلاف، ثمّ حمله إلى البيت كأنّك تضيف صديقاً جديداً إلى دائرتك الحميمة.
وقد قرأتُ مرّة فكرةً أعجبتني كثيراً، أنّ الكتب غير المقروءة ليست دليلاً على التقصير، وإنّما دليل على الفضول.
فالرفّ الممتلئ بالكتب غير المقروءة يذكّرنا دائماً بأنّ ما نجهله أكثر ممّا نعرفه، وأنّ المعرفة رحلة مفتوحة لا قائمة مهام يجب إنجازها بالكامل.
وربّما لهذا السبب تبدو المكتبة الشخصية أكثر صدقاً حين تضمّ كتباً مقروءة وأخرى تنتظر، لأنّها تعكس ما أنجزناه وما نحلم بإنجازه معاً.
ومع السنوات، اكتشفت أنّ بعض الكتب تحتاج أن تنضج في داخلنا قبل أن نقرأها.
هناك كتب اشتريتها في العشرينيّات من عمري، وما كنتُ لأفهمها لو قرأتها آنذاك، ثمّ عدت إليها بعد عقود فوجدتها تفتح أبواباً كاملةً في ذهني.
كأنّ الكتاب كان ينتظر القارئ المناسب، وكان ذلك القارئ نسخةً مستقبليةً منّي لم تكن قد وُلدت بعد.
لذلك فإنّ تأجيل القراءة لا يعني دائماً إهمال الكتاب، وقد يكون أحياناً جزءاً من الرحلة الطبيعية بين النصّ وقارئه.
واللافت أنّ الكتب التي لم نقرأها تمنحنا نوعاً خاصّاً من الطمأنينة.
يكفي أن نعرف أنّها موجودة.
يكفي أن تمتدّ أيدينا إليها متى شئنا.
وجودها على الرفّ يشبه وجود مدن لم نزُرها بعد على الخريطة، أو رسائل جميلة مؤجّلة في درج قديم.
هي احتمالات مفتوحة أكثر من أنّها أشياء جامدة.
لهذا لم أعد أنظر إلى كتبي غير المقروءة بوصفها ديوناً ثقيلة.
أنظر إليها بوصفها أرصدةً من الاحتمال.
أعرف أنّني لن أقرأ كلّ ما أملك، وأعرف أنّني سأشتري كتباً جديدة قبل أن أنتهي من القديمة، وأعرف أيضاً أنّ هذه المفارقة سترافق كلّ قارئ حقيقي.
فنحن نحبّ الكتب قبل قراءتها أحياناً، ونكوّن معها علاقة مبكّرة تقوم على الثقة والفضول والتوقّع.
وحين أمرّ أمام مكتبتي في نهاية يوم طويل، وأرى تلك الصفوف المزدحمة بالعناوين التي قرأتها، وتلك التي ما زالت تنتظرني، أشعر أنّني أعيش بين حيوات كثيرة مؤجَّلة.
وقد تكون هذه هي الهديّة الأجمل التي تمنحها الكتب لأصحابها: أنّها تترك أمامهم أبواباً مفتوحةً أكثر ممّا تترك خلفهم أبواباً مغلقةً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك