قد يكون في العنوان أعلاه بعض المبالغة.
فالاقتصاد الأسود يحيل، بطبيعته، إلى الأنشطة التجارية والمالية خارج نطاق التشريعات والقوانين ورقابة الحكومات لا تخضع للضرائب.
وعليه، قد لا ترقى المبالغ التي يأخذها أساتذةٌ مغاربةٌ من آباء التلاميذ وأمهاتهم مقابل الدروس الخصوصية، من دون التصريح بذلك، إلى الاقتصاد الأسود (اقتصاد الظلّ).
على أنّ هذا لا يمنع من القول إنّنا أمام ظاهرة اجتماعية مُستشرية، تعكس حجمَ الأعطاب والتصدّعات التي يشهدها المجتمع المغربي؛ إذ لا تؤشّر الدروس الخصوصية التي يقدّمها طيف عريض من الأساتذة، خصوصاً في المواد العلمية (الرياضيات، الفيزياء.
) بمقابل مادي، على ما وصلت إليه منظومة التربية والتكوين المغربية من تردٍّ وضحالةٍ وبؤسٍ فقط، بل تؤشّر أيضاً على قصور بادٍ في اجتراح مداخل ناجعة، كفيلة بانتشال هذه المنظومة من أزمتها البنيوية التي تتخبّط فيها منذ عقود.
مع مستهلّ كلّ سنة دراسية، تتشكّل سوق موازية للدروس الخصوصية في المغرب، خصوصاً في المدن والحواضر الكُبرى، ما يمسّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، ويُسلّع التعليم والمعرفة، ويُكرّس طبقيةً تربويةً واجتماعيةً، ويضرب مصداقية المدرسة العمومية، ويُثقل كاهل الطبقتَين، الوسطى والفقيرة.
وتكشف مؤشّراتٌ أنّ تكلفة دروس الدعم المؤدّى عنها لم تعد تقتصر فقط على مستويات الثانوية العامة (بكالوريا) والمستويات الإشهادية، بل امتدّت لتشمل أيضاً التعليم الابتدائي بمختلف مستوياته، في ظلّ الإقبال المتنامي للأسر على حيازة موارد التميّز الدراسي وسط منافسة ضارية داخل المجتمع.
وهو ما يضع هذه الأسر أمام تحدّي مغالبة هذا العبء المالي الثقيل، مع غياب أيّ مراقبة للوزارة الوصيّة على القطاع، وعدم وجود ترسانة قانونية حازمة وكافية تُجرّم هذه الظاهرة وتحدّ منها.
ينتعش هذا القطاع غير المُهيكل عبر شبكات واسعة تضمّ مراكزَ دعم، وأساتذةً يعملون في القطاعين، العمومي والخصوصي، وخريجي الجامعات العاطلين من العمل، وأساتذةً متقاعدين، ما يجعل ذلك منظومةً قائمةً بذاتها.
وغالباً ما يلجأ الأساتذة إلى" الابتزاز الناعم"، بتعمّدهم عدم الشرح والتفصيل داخل فصول الدراسة الرسمية، ما يدفع التلاميذ المتعثّرين إلى طلب الدعم الدراسي بمقابل، وبالتالي، إلى الحصول على علامات مميّزة في فروض المراقبة المستمرّة، وتمتيعهم بمعاملة تفضيلية مقارنةً بزملائهم الذين لا تسمح لهم ظروفهم المادية والاجتماعية بـ" شراء" هذا التميّز.
تُحوّل هذه الظاهرة الأساتذة من مربّين ومعلّمين يحملون رسالةً تربويةً وإنسانيةً نبيلةً إلى تجّار معرفة، ما يُفقدهم مكانتهم الرمزية والاعتبارية، ويعمّق الفجوة الاجتماعية والمعرفية بين التلاميذ، ويضرب عرض الحائط بما يُقال بشأن إصلاح منظومة التربية والتكوين والنهوض بها.
فضلاً عن أنّ ذلك يضع المدرسة العمومية أمام مأزق حقيقي، وهي التي شكّل الدفاع عنها (للمفارقة! ) أحد العناوين البارزة في حراك الأساتذة قبل سنوات، حين كانوا يطالبون الحكومة بإلغاء نظام التعاقد في التوظيف وإدماجهم في أسلاك الوظيفة العمومية.
قد يقول قائلٌ إنّ الأساتذة لا يمكنهم أن يكونوا الحلقة الأضعف في صراع اجتماعي محموم لا يرحم، تغذّيه خياراتُ الدولة في المجال الاجتماعي، ولا سيّما في التعليم، ونِفاقُ مجتمعٍ تحرّكه الصراعات والمنافسة على موارد الترقّي الاجتماعي.
إنّهم، مثل غيرهم من شرائح الطبقة الوسطى، ضحايا لوضع اقتصادي واجتماعي يفرض عليهم البحث عن سبل تأمين عيشٍ كريمٍ، بعد أن تآكلت قدراتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة مواجهة متطلّبات الحياة؛ لِمَ لا يُنظر، إذن، إلى التسيّب والفوضى المتفشّيَين في أكثر من قطاع ومجال؟ ألا تعكس ظاهرة الدروس الخصوصية تطبيعَ المجتمع المغربي مع الأنشطة غير المهيكلة، بالنظر إلى دورها في الحفاظ، نسبياً، على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي؟تبدو سرديةُ" لِمَ الأساتذة دون غيرهم؟ " وكأنّها تبرئةٌ لذِمَمِهم من" عار" الدروس الخصوصية وتبييضٌ لصورتهم أمام المجتمع، ومحاولةٌ، في الآن ذاته، لتوجيه الأنظار نحو الفساد المستشري في غير قطاع.
وهو ما يضعنا في مواجهة مفارقة اجتماعية وأخلاقية وقانونية، قد لا تصمد معها قدسيةُ" الرسالة التربوية" أمام شحّ الموارد، وتقلّص فرص الترقّي الاجتماعي، وتحوّل الحياة إلى حرب اجتماعية مفتوحة، تحترب في أتونها الطبقاتُ والفئاتُ والأسر، مع غياب تدابير حازمة لإعادة توجيه بوصلة الصراع الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك