إعلام العرب - طالبان تمنع الهواتف الذكية.. ومشاهد لعناصر الحركة يكسرونها إعلام العرب - نواف سلام: أنشطة حزب الله خارجة عن القانون قناة التليفزيون العربي - إما التنازل نحو طاولة المفاوضات أو استسلام أحد أطراف الصراع.. إلى أين تتجه الأمور بين أميركا وإيران؟ وكالة شينخوا الصينية - الصين والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى تحقيق نتائج عملية من آلية التشاور بشأن التجارة والاستثمار قناة الغد - ردا على تهديد السفن.. أميركا تشن ضربات «إضافية» ضد إيران التلفزيون العربي - التضخم في أميركا يرتفع لأعلى مستوى منذ مايو 2023 قناة التليفزيون العربي - ترمب يرفض التنازل، ملفات إبستين تعود إلى الواجهة في واشنطن والرئيس الأميركي يُصعّد للهروب إلى الأمام سكاي نيوز عربية - حملة مليونية لدعم الحكم الصومالي المستبعد من المونديال BBC عربي - ردود فعل غاضبة في اليابان من استخدام ترامب لشخصيات الأنمي العربي الجديد - الوثائق السياسية الليبية بلا تاريخ صلاحية
عامة

أمّ المعارك الحقيقية... بناء دولة العدل والحرّية

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

يعلّمنا التاريخ، إن امتلكنا القدرة على قراءته بلا أوهام، أنّ الهزائم الكُبرى لا تبدأ في ساحات القتال، بل قبل ذلك بسنوات وربّما بعقود، عندما تفقد الدولة وظيفتها إطاراً جامعاً للكيان الوطني، وتتحوّل إلى...

يعلّمنا التاريخ، إن امتلكنا القدرة على قراءته بلا أوهام، أنّ الهزائم الكُبرى لا تبدأ في ساحات القتال، بل قبل ذلك بسنوات وربّما بعقود، عندما تفقد الدولة وظيفتها إطاراً جامعاً للكيان الوطني، وتتحوّل إلى أداة للهيمنة على مجتمعها، عندها لا تكون الهزيمة العسكرية سوى التعبير الأخير عن أزمة أعمق: انفصال السلطة عن المجتمع، وانكسار الدولة أمام تناقضاتها، وفوات الأوان على القدرة على المراجعة والتصحيح.

فلا تُقاس القوة بحجم الترسانات ولا بعدد الجيوش، فالسلاح وحده لا يضمن النصر ولا يؤمّن الصمود.

وكم من دول امتلكت جيوشاً ضخمة ومتطوّرةً، لكنّها أخفقت في تحويلها إلى قوة مؤثّرة عند أوّل اختبار جَدّي، ذلك أنّ الجيوش ليست مؤسّسات معزولة عن محيطها، بل هي التعبير الأكثر تركيزاً عن طبيعة الدولة نفسها: قوة أو ضعفاً، تماسكاً أو هشاشةً، حيويةً أو تآكلاً.

وحين تتحوّل الدولة إلى جهازٍ للضبط والسيطرة، بدلاً من أن تكون إطاراً للتنمية وبناء التماسك الوطني، وتُدار مؤسّساتها بمنطق الولاء لا الكفاءة والاستحقاق، تصبح القوة العسكرية مجرّد قشرة صلبة تُخفي وراءها بنيةً سلطويةً رخوةً، تبدو متماسكةً في الظاهر، لكنّها لا تملك مقوّمات الصمود عند أوّل امتحان حقيقي.

وتُظهر تجارب الأمم الحديثة أنّ الحرّية ليست ترفاً سياسياً، ولا يمكن أن تكون في أيّ حال مطلباً مؤجّلاً إلى ما بعد تحقيق" الاستقرار" و" التنمية"، كما جرى ترويج ذلك عقوداً، بل هي شرط لإنتاج القوّة ذاتها.

فالدولة التي تُغلق المجال العام وتُجرّم النقد وتحتكر الحقيقة السياسية، لا تخنق معارضتها فحسب، بل تُعطّل آليات تصحيحها الذاتي.

وعندما يغيب النقد، لا تتوقّف الأخطاء عن التراكم، بل تتحوّل تدريجياً إلى أعطاب بنيوية كامنة، لا يظهر أثرها إلا في لحظات الشدّة، حين يتبيّن أنّ" الاستقرار" المُعلَن لم يكن سوى أزمة مؤجّلة بكلفة أعلى، وأنّ ما يُقدَّم بوصفه تنميةً ليس سوى سراب.

ولا يقتصر الأمر على المجال السياسي، بل يمتدّ إلى بنية صناعة القرار داخل الدولة، فعندما يُهمَّش العقل النقدي وتُقصى الخبرة لصالح الاعتبارات الولائية والشخصية، ومع تفشّي الفساد المالي والإداري وتآكل الشفافية، يفقد القرار العام قدرته على قراءة الواقع بموضوعية.

وتتحوّل إدارة الشأن العام إلى منظومة مغلقة لا تسمع إلا صدى صوتها، فتفقد القدرة على النقد الذاتي وتصحيح الأخطاء، وتُنتج قراراتها بمعزل عن الواقع والمعرفة، إلى أن تتّسع الهوّة بين الدولة كما تتخيّل نفسها والدولة كما تتجلّى في نتائج أفعالها.

وقد أسهمت النُّخب السياسية والثقافية العربية، بما فيها النُّخب الأيديولوجية خارج السلطة، في تكريس هذا المسار، إذ لم تتحوّل لحظات الانكشاف الكُبرى، وفي مقدّمتها هزيمة 1967 التي هزّت الوعي العربي أكثر ممّا هزّت جبهات القتال، إلى فرصة لمراجعة بنيوية عميقة، بل جرى احتواؤها داخل سرديات جاهزة تُرجع الأسباب إلى" مؤامرات" الخارج أو" خونة في الداخل".

وهكذا لم يكن هذا التفسير العابر للوقائع مجرّد ردّ فعلٍ على هزيمة بعينها، بل كان تعبيراً عن منطقٍ أعمق رسّخ نفسه داخل الوعي السياسي.

ليست المشكلة في نقص القوة، بل في توجيهها نحو المعركة الخطأكما أنّ إقصاء الكفاءة لصالح الولاء لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل أحد أكثر مصادر ضعف الدولة العربية أهمّيةً.

فكلّما تقلّص حضور الخبرة والعقل النقدي في مواقع القرار، تراجعت قدرة المؤسّسات على التخطيط السليم واستشراف التحوّلات والاستجابة الفعّالة للأزمات.

وبديهي أنّه، حين يُستبعد التفكير الرشيد كما تُستبعد المعرفة والخبرة، يصبح القرار العام أسير دوائر زبونية ضيّقة تُنتج سياسات منفصلة عن الواقع.

ولا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن التراجع العميق في موقع المعرفة داخل الدولة.

فحين يُنظر إلى النقد بوصفه تهديداً لـ" أمن الدولة"، ويُقصى البحث العلمي من فضاء القرار، تفقد السلطة قدرتها على الفهم، وتصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج إخفاقاتها بدلاً من تجاوزها.

ولا ينفصل تراجع موقع المعرفة داخل الدولة عن تضييق المجال العام وتآكل فضاء الحرّية، إذ إنّ غياب الحرّية لا يرهق المجتمع وحده، بل يعيد تشكيل بنية الدولة نفسها من الداخل.

فالدولة التي تخشى مجتمعها تنفصل تدريجياً عن مصادر الفهم والتصحيح، وتفقد قدرتها على رصد الخلل في بداياته.

ومع انكماش المجال العام واختزال الصوت النقدي، لا تختفي الأخطاء، بل تخرج من دائرة الرؤية لتتراكم بصمت، إلى أن تتحوّل من اختلالات قابلة للإصلاح إلى أزمات بنيوية، ومن أزمات إلى هزائم متكرّرة.

ولا يقلّ غياب الديمقراطية خطورةً، إذ لا يقتصر أثره على تقليص المشاركة السياسية، بل يمتدّ إلى إضعاف قدرة الدولة على تعبئة مواردها البشرية والمادية في لحظات الخطر.

فالعلاقة التي تُبنى بين الدولة والمجتمع على الخوف بدل الثقة تُنتج استجابة متردّدة للأزمات، وتكيّفاً بطيئاً مع التحوّلات، وقدرةً محدودةً على الصمود.

وفي مثل هذا السياق، تصبح الدولة أسيرة الصورة التي رسمتها عن نفسها، فتفقد مرونتها وقدرتها على التكيّف، ولا يتبدّد وهم القوة الذي تعيشه إلا عند أول امتحان جَدّي.

لذلك، لا تعود الهزائم العربية المتكرّرة إلى نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل إلى منطق حكمٍ سلطوي أعاد تشكيل أولوياته على نحوٍ معكوس: دولة تُقدِّم السيطرة على المجتمع على بناء مؤسّساتها، وترفع الولاء فوق الكفاءة، وتستبدل الإصلاح الحقيقي باستقرارٍ شكليّ يخفي اختلالاته.

حين يُنظر إلى النقد بوصفه تهديداً لأمن الدولة، ويُقصى البحث العلمي من فضاء القرار، تعيد الدولة إنتاج إخفاقاتهاوفي النهاية، ليست المشكلة في نقص القوة، بل في توجيهها نحو المعركة الخطأ.

فالدولة التي تستنزف معظم طاقتها في مراقبة مجتمعها وضبطه تجد نفسها أقلّ قدرة على مواجهة التحدّيات الحقيقية.

لذلك لا يُقاس الأمن بعدد الأجهزة ولا باتساع الرقابة، بل بقدرة الدولة على بناء الثقة وتحرير الطاقات وتعزيز فاعلية مؤسّساتها.

فالمجتمعات التي تُعامَل باعتبارها مصدر تهديد لا تصبح أكثر ولاءً، والدول التي تستنزف قوّتها في إخضاع مجتمعاتها تكتشف، عند أول اختبار مصيري، أنّ ما راكمته لم يكن قوّةً للدفاع عن نفسها، بل ضعفاً مؤجّلاً ينتظر لحظة الانكشاف.

ومن هنا تتحدّد" أمّ المعارك الحقيقية": ليست في مواجهة التحدّيات الخارجية، بل في إعادة بناء الداخل على أسسٍ جديدة: دولةُ قانون لا دولة استثناء، مؤسّسات تُدار بالكفاءة لا بالولاء، مجالٌ عامٌّ يُصان فيه النقد ويُحترم بدل أن يُجرَّم، ومجتمع يُعاد الاعتراف به بوصفه شريكاً لا موضوعاً للضبط والإخضاع.

ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع دولة جعلت من الخوف عقيدةً لتأبيد الحكم أن تفلت من نتائجه الكارثية؟ أم أنّ أيّ خروج من هذا المسار يمرّ حتماً عبر تفكيك المعادلة التي تربط الاستقرار بإضعاف المجتمع؟ هنا لا يعود النقاش تقنياً ولا إدارياً، بل سياسياً في جوهره: أي مفهوم للدولة يُراد ترسيخه، وأيّ معنى للقوة يُمارَس فعلياً.

فالسلطة لا تتعثّر بسبب نقص أدوات السيطرة، بل لأنّها تساوي بينها وبين القوّة، فتستبدل القدرة الحقيقية على الحكم بوهم الضبط، ولا ينكشف هذا الالتباس إلا حين يفرض الواقع اختباره القاسي الذي لا يعترف بالدعاية ولا يُمهل الشعارات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك