أثارت بعض وسائل الإعلام المقروءة والمرئية في السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً بسبب لجوئها إلى استخدام اللهجات العامية، وإن كان الأمر مقبولاً بالنسبة إلى البعض في المقابلات والبرامج الحوارية، يرفض آخرون الأمر، خاصة في نشرات الأخبار والبرامج الثقافية، ويعدونه شاذاً في كثير من الأحيان، إذ إنه يؤدي –على حد قولهم- إلى تراجع حضور اللغة الفصحى في المجال العام، ويقوض دور الإعلام التربوي والثقافي.
غير أن وسائل الإعلام ترى في استخدام العامية فرصة لخلق تقارب أكبر مع الجمهور، لا سيما من فئة الشباب التي أصبحت اللغة العربية لغة ثانوية بالنسبة إليهم بعد انتشار التعليم بلغات أخرى، بالإضافة إلى أن العامية توصل الرسالة بطريقة أبسط، كما أنها تزيد التفاعل على المنصات الرقمية، وتجعل المحتوى المقدم أكثر عفوية، على حد زعمهم.
وفي هذا الشأن، يرى الشاعر والإعلامي المتخصص بالشأن الثقافي، ياسر الأطرش، أن الصحافة في الأساس تقوم على لغة مبسطة يفهمها معظم الناس، لكن ذلك تغير نسبياً في السنوات الأخيرة، لنجد مواد إعلامية كاملة تُنجز بلهجات عامية، رغبة من وسائل الإعلام في الوصول إلى شرائح أوسع من المتابعين.
ويستبعد الأطرش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا وجود شبهة في محاربة اللغة الفصيحة، علماً أن ذلك حدث سابقاً في القرن العشرين، على يد دعاة العامية مثل سلامة موسى في مصر وسعيد عقل في لبنان وكثيرين في بلدان المغرب، إلا أنه لم يُحدث تغييراً يُذكر.
ويفيد الأطرش أن استخدام العامية لا يؤثر على تفاعل الجمهور، فاستخدام اللغة الفصيحة في فيلمي الرسالة وعمر المختار مثلاً، لم يقلل من نسب المشاهدة؛ فالأمر يتعلق بالمحتوى وقيمته وطريقة عرضه قبل لغته، ومع أن بعض الإعلاميين يظنون أن العامية تقربهم من الجمهور، فهذا الزعم ليس مسنوداً بأدلة وأرقام، وخير دليل على ذلك نشرات الأخبار في قناتي العربية والجزيرة، التي تُقدم بلغة صحفية فصحية نموذجية، وتتصدر عدادات المتابعة بفارق كبير عن غيرها.
وبخصوص دور المنصات الرقمية ودورها في تغيير لغة الإعلام، يرى الأطرش أن الإعلام الرقمي الجديد يقوم على فئات شابة أقل تعلقاً بالعربية وإتقاناً لها، لذلك يعتمد العامية في كثير من محتواه، وهذه العدوى انتقلت إلى الإعلام التقليدي الذي وجد نفسه في معركة خاسرة مع الإعلام الجديد، فأراد الأخذ بالأسباب نفسها، ومنها التهاون اللغوي الذي أفقده بعض هيبته ولم يكسبه نفس جمهور الإعلام الرقمي.
ويرى الأطرش من جهة أخرى أن استخدام العامية في وسائل الإعلام حالياً إلى قد يؤدي إلى تغييرات في لغة الخطاب، فأسلوب الصحافة أثر سلباً في لغة الأدب والتعليم أحياناً، ويمكننا -بكل ثقة- نسبة كل تشوه لغوي إلى لغتي الصحافة والترجمة، فمنهما جاءت معظم الأخطاء الشائعة والأساليب الغريبة عن العربية، ويبدو أن الأمر في تصاعد مع استمرار التهاون في الأصول اللغوية بلا أي مسوغ، سوى الاستسهال.
من جانبه، يرى الأستاذ الدكتور أحمد بن عيسى الهلالي، أستاذ الأدب والبلاغة في جامعة الطائف، أن اللهجات العامية هي في الأصل مستويات تواصلية نبَتت من رحم العربية، لكنها تخففت من قواعد النحو والصرف، ودخلها الدخيل والمعرب على غير قياس علمي، وانتشارها لا يهدد الوجود البنيوي للفصحى؛ لأنها محفوظة بحفظ القرآن الكريم منذ قرون.
ويرى الهلالي في تصريحه لموقع تلفزيون سوريا أن الخطر الحقيقي لانتشار العامية في الإعلام يكمن في تضييق حدود انتشار الثقافة العربية وإضعاف قوتها الناعمة، ويضيف أن العامية مستوى تداولي يومي، ولا يمكن علمياً اعتبارها منافساً للفصحى؛ فالفصحى هي لغة الدين، والخطاب الرسمي، والإنتاج الأكاديمي، والثقافي الرفيع، أما العامية فهي امتداد اجتماعي وجزء من الهوية الثقافية في أبعادها الشعبية؛ فالمسألة مسألة تكامل وظيفي وليست صراعاً على المكانة.
وحول استخدام العامية في البرامج الإخبارية والثقافية، يقول الهلالي إن العامية لا تصلح مطلقاً لهذا المستوى الجاد من البرامج؛ لاعتبارات لسانية واتصالية عديدة، أهمها: وضوح الدلالة، وضمان سعة انتشار الرسالة، فالعاميات العربية شديدة التباين والتفاوت في الوضوح من بلد إلى آخر، بل داخل الإقليم الواحد أحياناً، والتاريخ الإعلامي يثبت أن الأعمال الفنية التاريخية والوثائقية المعتمدة على الفصحى حققت عولمة ثقافية ورواجاً عابراً للحدود بين أبناء العربية والمتحدثين بها لغةً ثانية، في حين انكفأ المنتج العامي على حدوده المحلية نتيجة الحواجز اللهجيّة.
ويضيف الهلالي أن الإعلام بطبيعته يبحث عن سعة التأثير والانتشار، واعتماد العامية يحجّم هذه السعة ويشوّش الرسالة لدى المتلقي العربي، فما بالنا بالمتحدث باللسان الثاني.
أما تربوياً، فالخطر يكمن في انتقال العامية من مجرد لغة تواصل إلى أداة تفكير أولى لدى النشء؛ فتعرض الشباب المستمر للمحتوى العامي يحمل أثراً بليغاً وخطيراً على مهاراتهم اللغوية ويتجلى في الضعف التعبيري الحاد، والتراجع الجلي في صياغة الأفكار بالفصحى؛ الأمر الذي ينعكس على كفاءة البناء الفكري لديهم.
مسؤولية المؤسسات التعليميةويختم الدكتور الهلالي بقوله إن مسؤولية وسائل الإعلام لا تقل أثراً عن دور المؤسسات التعليمية والأكاديمية في حماية الهوية الثقافية، واللغة هي حاضنة هذه الهوية، والمطلوب ليس التشدد، بل تبني اللغة الإعلامية الرشيقة؛ وهي فصحى مبسطة.
ويتفق الهلالي مع الأطرش في أن" لغتنا بالفعل لغة بسيطة معاصرة تمكِّن الجميع من أدواتها وأساليبها من غير تقعُّر ولا تفريط، وأن الدعوة للمحافظة عليها في وسائل الإعلام ليست انكفاءً على الماضي أو محاربة للعاميات التي نعتز بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية، بل هي دعوة لأمن لغوي يحمي عقول النشء، ويعزز ثقافتهم، ويضمن بقاء الرسالة الإعلامية العربية واضحة، مؤثرة، وعابرة للحدود".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك