ليست مسألة عدم حصول المتظاهرين أمام البرلمان السوري على رخصة من أجل التظاهر والاعتصام مقنعةً لأخذها ذريعة لتهديد المعتصمين بالاعتقال، فالإعلان الدستوري، الذي أقرّته السلطة الانتقالية في سورية، يكفل التظاهر وحرية التعبير عن الرأي، وعلى أساسه تشهد سورية عشرات الاعتصامات في مختلف المدن والمناطق وفي قطاعات عديدة، الزراعة والنقل والتعليم وسواها.
بخلاف الاعتصامات والاحتجاجات المُشار إليها، ينطوي تجمّع 17 نيسان على بعد سياسي يدفع سلطة دمشق إلى الاستنفار تجاهه وعدم التساهل معه، والتحريض على المشاركين في فعّالياته من قبيل" أنّهم فلول"، ذلك أنّ" التجمّع" يطالب، من بين عشرات المطالب التي يرفعها، بالعدالة الانتقالية والتشاركية السياسية وعدم التمييز المناطقي والطائفي.
فليست المشكلة في الاعتصام، بل في المطالب ذات البعد السياسي الاجتماعي، فالسلطة السورية الحالية تعمل لإعادة تشكيل المجتمع السوري وهندسته بطريقة تتناسب وتصوّراتها وعقائدها، ولا يريدون من أحد التشويش على هذا التشكيل، إذ يعتقدون أنّهم أمام فرصة ثمينة لصناعة مجتمع يتناسب مع تلك التصوّرات، في ظلّ الشقاق الطائفي الحاصل، ووجود شرائح وازنة من المجتمع السوري تدعم هذه السلطة في وجه معارضيها، ربّما انتقاماً من التمييز الطائفي الذي عاشوه في فترة حكم الأسدَين سورية.
تستغلّ السلطة في دمشق المرحلة الانتقالية الطويلة التي تمنحها مظلّة حماية لترتيب أوضاعها من دون مساءلة، إذ تتذرّع بوجود أولويات عديدة وقضايا ملحّة تدفعها إلى تأجيل الحديث عن الحرّيات والمشاركة السياسية والشفافية والمساءلة، في الوقت نفسه، تعمل هذه السلطة على تأبيد حكمها من خلال ما تصنعه من شبكات، سواء داخل منظومة الحكم، حيث تحاول احتكار السلطة عبر توزيع المناصب والمهام على فئة معينة، عاشت في إدلب ومناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، وهي قريبة فكرياً وعقائدياً منها، أو من خلال شبكاتٍ تحاول توطينها داخل المجتمع السوري عبر زرعها في بقايا النقابات والروابط وسواها من الأشكال التنظيمية التي تروم السيطرة على مفاتيحها مستقبلاً.
الملاحظ في تجمع 17 نيسان، ليس فقط قلّة المشاركين، بل التركيبة العمرية، إذ شارك فيه كبار السنّ ولا وجود فاعل لعناصر شابّة فيهولإنجاح هذه الاستراتيجية، تعمل السلطة على شيطنة الأطراف التي تطالب بالإصلاح السياسي أو التعجيل بإنضاج ثمار التغيير السياسي، من مشاركة وطنية، وعدالة انتقالية، ومأسسة علمية، وسواها من هذه المطالب، كما تسكت السلطة (وكان بإمكانها فعل الكثير) عن الصراع الطائفي الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي ويكاد يبلغ حدّاً يصعب إصلاحه في مرحلة ما، فهي لم تقرّ قانوناً يجرّم التحريض الطائفي، بل إنّ مؤيّدين لها يقودون هذا التوجّه صراحةً ومن دون مواربة.
وتماطل السلطة أيضاً في إقرار قانون للأحزاب، ولا أحد يعرف متى سيجري إقراره، رغم أهمّيته وضرورته في هذه المرحلة، سواء لجهة تنظيم المجال العام وتأطيره، أو لنقل المطالب والاعتراضات من خانة الصراع الاجتماعي إلى مجال السياسة المفتوحة والمعارضة الشرعية، وتريد السلطة إبقاء المعارضة ضمن حركة اعتراض ضيّقة يكون من السهل شيطنتها وأبلستها وإلباسها كافّة التهم التي يخاف منها السوريون، مثل" فلول" و" طائفيون" و" انفصاليون"، أو في أحسن الأحوال" الذين لا يريدون للعهد الجديد النجاح"، وهكذا.
يكشف سلوك السلطة في دمشق رغبةً واضحةً في إبقاء المجتمع السوري عند مستوى معيَّن من التوتّر، فلا يصل إلى درجة الانفجار، وفي الوقت نفسه لا يصل إلى مرحلة من القدرة على بناء آليات متطوّرة للتواصل وبناء المجال العام وفرض نفسه فاعلاً سياسياً يفرض على السلطة ما لا تريده، وتجد في الوضع الحالي فرصةً لهندسة المجتمع السوري ومجاله العام وتوجّهاته المستقبلية بطريقة لا تزعجها في رسم السياسات التي تريدها، وقد جعلت من تشكيل مجلس الشعب مختبراً لهذا التوجّه، إذ شكّلت تركيبته بما يخدم تصوّراتها للنظام الاقتصادي الذي تريد إحلاله، وبالطبع، للحياة السياسية المستقبلية في سورية بشكل عام.
لكن في مقابل ذلك، يبدو أنّ المجتمع السوري الخارج من حرب، لم تدمّر الحجر فقط، بل قتلت حتى القدرة على إنتاج أطر سياسية وبرامج مقبولة، يئنّ تحت نير عجز غير طبيعي، ويبدو استثنائياً في حالة مجتمع خاض ثورة مديدة، فهذا العجز والضعف يليق بتغيير سياسي جاء نتيجة إنقلاب عسكري وليس ثورةً شعبيةً شهدت تطوّراً فكرياً وسياسياً وقدرة على التنظيم والمبادرة والفعل السياسي.
تستغلّ السلطة في دمشق المرحلة الانتقالية الطويلة التي تمنحها مظلّة حماية لترتيب أوضاعها من دون مساءلةولعلّ الملاحظ في تجمع 17 نيسان، ليس فقط قلّة المشاركين، بل التركيبة العمرية، إذ شارك فيه كبار السنّ ولا وجود فاعل لعناصر شابّة فيه، ما يعني عدم قدرة" التجمّع" على جذب قطاعات شبابية، وربّما يكمن السبب في خطاب" التجمّع" وعدم قدرته على مخاطبة الأجيال الجديدة، وعدم قدرته على تجاوز خطاب اللحظات الأولى لثورة 2011، رغم التغيير الكبير الذي شهدته التركيبة السكّانية والمعرفة السياسية التي تحصّل عليها السوريون خلال عقد ونصف عقد.
أيضاً، ثمّة إشكالية أخرى تتعلّق بـ" التجمّع"، تتمثّل في المطالب التي يرفعها عناصره، وتشمل جميع المطالب الخدمية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يبدو غير منطقياً، كان يكفي رفع مطلب المشاركة السياسية وعدم التمييز على أسس مناطقية وطائفية، أمّا أن تُجمَع مع هذه المطالب تخفيض أسعار الكهرباء وزيادة الدخول وسواها من المطالب الخدمية، فذلك أمر يجب أن تتكفّل به منظّمات ونقابات وروابط معينة، الأمر الذي طرح سؤالاً لدى متابعي الشأن العام: من فوّض هؤلاء للحديث عن هذه المطالب؟ بل ودفع بعضهم للتشكيك في أهداف" التجمّع" عموماً.
والخلاصة، أنّ السلطة السورية الراهنة تبدو مرعوبةً من إمكانية تشكّل روافع لمعارضة سياسية حقيقية، في حين أنّ المعارضة الموجودة متخبّطة وفوضوية إلى حدّ بعيد، ما ينذر بارتفاع منسوب التوتّر الاجتماعي عبر محاولة البحث عن خيارات بديلة لهذا الوضع غير الطبيعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك