يمثل الذكاء الاصطناعي تحدياً غير مسبوق أمام مراكز الأبحاث في الجامعات وطلبة الدراسات العليا وأساتذتهم.
ففي ظلّ التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يعيشها العالم، يظهر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرّك الرئيسي نحو الدخول في عصر جديد، يفرض إيقاعاً متسارعاً وأنماطاً تعليمية متطوّرة، يمكنها أن تواكب التحوّلات العميقة في بنية المعرفة العلمية، وكذلك في متطلبات سوق العمل من كفاءات نوعية، وكلّ منهما يختلف عن الآخر بطبيعة الحال.
تنهض الجامعة على مهمّتين متكاملتين؛ أولاهما تتمثل في تطوير التعليم الجامعي، باعتباره ضرورة حتمية تفرضها معطيات الواقع العلمي والتعليمي وآفاق المستقبل.
هذا التطوير يعتمد على الأبحاث التي تنقد العلم السابق من خلال تقويمه ووضعه أمام امتحان طروحات جديدة.
ونشر الأبحاث وأوراق العمل والمقالات هو جواز بقاء الأكاديميّين في مضمار التعليم الجامعي.
أما الثاني فيتمثل في دراسة حاجات المجتمع والتفاعل معه وتقديم الحلول العلمية للمشكلات التي تواجهه.
وهي حاجات واسعة إلى الحدّ الذي تتطلب نشاطاً جماعياً تُثبت من خلاله الجامعة أنّ لها دوراً حاسماً في خدمة المجتمع الذي تعمل فيه، أيّ أن هذه المؤسّسة التي تضمّ عدداً كبيراً من الخبراء والمتخصّصين مسؤولة عن المساهمة في تنمية مجتمعاتها.
وبذلك، تُثبت الجامعة والتعليم الجامعي أنّهما ليسا مؤسّسة تُنتج" وجهاء" متعلّمين نتيجة حصولهم على الشهادات والألقاب العلمية التقليدية.
لقد باتت الجامعة ومنذ عقود وحتى قرون، بمثابة بوابة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة، والعبور نحو مجتمع المعرفة والابتكار، خصوصاً لدى المجتمعات التي تُعاني من قصور في اللحاق بمقوّمات العصر فكرياً وصناعياً.
ولا شكّ في أنّ الذكاء الاصطناعي خلاف ما يتصوّره البعض من أنّه يشكّل تهديداً للعملية التعليمية، هو سلاح علمي وفرصة ذهبية لإحداث نقلة كبرى في أساليب التعليم والتعلم؛ إذ يتضمّن إمكانات هائلة لتخصيص المحتوى التعليمي حسب احتياجات وقدرات كلّ طالب من الطلاب، ومن خلال قدراته الهائلة يستطيع توفير أدوات تحليل متقدمة لقياس الأداء، وتقديم الدعم الأكاديمي في الوقت المناسب؛ ما يساهم في تطوير جودة المخرجات التعليمية التي يشكو منها الأساتذة وأرباب العمل على حدّ سواء.
كما أنّه يقلّص من معدلات الرسوب والتسرّب، وهو ما يتقاطع مع ما يحتاجه المجتمع من كفاءات لدفعه نحو التطور المتسارع.
ومن خلال دمج هذه التقنيات في منظومة التعليم الجامعي، يمكننا خلق بيئة تعليمية أكثر فاعلية وتفاعلاً، تستجيب للمتغيّرات وتدفع نحو الابتكار.
والتحدّي الأكبر الذي يواجه الجامعات حالياً يتمثل في تحديث مناهجها بما يتلاءم مع المهارات المطلوبة في سوق العمل الذي تغيّرت أولوياته، فأصبح يركّز على مهارات التفكير النقدي، والابتكار، والبرمجة، وتحليل البيانات، والعمل الجماعي، بدلاً من الحفظ والتلقين.
إنّ وضعاً على هذا النحو يتطلب من الجامعات إعادة صياغة برامجها ومناهجها الدراسية لتحقق تكاملاً بين النظرية والتطبيق، وبما يجعلها أكثر انفتاحاً على التخصّصات البينيّة التي تجمع بين العلوم الإنسانية والتقنية.
لا يتصوّرن أحد أنّ مهمة من هذا النوع ميسورة السّبل، إذ تتطلّب أساساً وبالأصل تأهيل أعضاء هيئة التدريس كي يكونوا مساهمين حقيقيّين في تطوير العملية التعليمية للمواد التي يتولّون تدريسها، وهذا يفترض تنظيم دورات عالية المستوى تُدرّبهم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التعليم الرقمي، وتعزيز قدراتهم على إدارة الصفوف الذكية وتصميم تجارب تعليمية تفاعلية.
إنّ التجارب الأكاديمية تؤكّد أنّ التميّز في التعليم أساسه إلى جانب الالتزام الأخلاقي، الاستخدام الإبداعي للتكنولوجيا من خلال تعزيز روح الجماعة والمسؤولية عن دفعها نحو التقدّم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك