لم يعد كأس العالم 2026 مجرد بطولة كروية موسعة تستقبل عددًا أكبر من المنتخبات، بل تحول إلى لحظة كاشفة لتحولات استرتيجية وعميقة تشهدها كرة القدم العربية، ومرآة لافتة لثقل جيوسياسي واقتصادي متصاعد يعيد رسم خارطة النفوذ في الرياضة العالمية.
ففي سابقة تاريخية غير مسبوقة، يفتح المونديال المشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ذراعيه لاستقبال ثمانية منتخبات عربية دفعة واحدة، وهم (المغرب، مصر، الجزائر، تونس، السعودية، قطر، العراق، الأردن)، في منعطف استثنائي يشهد مضاعفة الرقم القياسي السابق للحضور العربي في المحفل العالمي، ويعكس تغيرًا نوعيًا في موقع المنطقة داخل المشهد الكروي الدولي.
صحيح أن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم بتوسيع قاعدة المشاركة إلى 48 منتخبًا وفر فرصة أكبر للتأهل بعدما ارتفعت حصة أفريقيا وآسيا بشكل ملحوظ، لكن تفسير هذا الحضور القياسي بالعامل العددي وحده يبقى قراءة قاصرة وناقصة، إذ أن التموضع العربي الجديد يمثل نتاجا لتراكم سنوات من الاستثمار المستدام في البنية التحتية والتكوين وتطوير المسابقات المحلية، فضلًا عن الأثر الرمزي والتحفيزي الهائل الذي خلفه تنظيم قطر لمونديال 2022 والإنجاز التاريخي للمغرب ببلوغ المربع الذهبي.
لم تصل المنتخبات العربية جميعها عبر الطرق ذاتها، لتتحول المسارات التأهيلية إلى معارك تكتيكية حقيقية، فالأردن حقق أول تأهل تاريخي في مسيرته بعد مسار تصاعدي طويل توج بهندسة فنية متميزة، وعادت مصر والجزائر إلى الواجهة العالمية بعودة واثقة بعد غياب مؤلم عن النسخة السابقة.
فيما خاض العراق واحدة من أكثر الحملات التأهيلية تعقيدًا وماراثونية بلغت 21 مباراة عبر الملحق العالمي قبل أن يحجز مكانه بين كبار العالم، في حين واصلت منتخبات السعودية وقطر وتونس والمغرب حضورها المتكرر والمستقر في السنوات الأخيرة، مؤكدة أن التأهل لم يعد حدثًا استثنائيًا عابرًا بل هدفًا قابلًا للتحقيق بشكل منتظم.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز الجماعي لا تكمن في عدد المقاعد بقدر ما تكمن في تنوع النماذج التطويرية الوطنية التي أوصلت هذه المنتخبات إلى النهائيات، حيث لا يقدم العالم العربي اليوم وصفة موحدة للنجاح الكروي، بل مجموعة من التجارب والفلسفات المختلفة التي ستخضع كلها للاختبار الصارم في صيف 2026، والتي يمكن قراءتها عبر ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى صاغت وجه الحضور العربي.
ويبرز في مقدمة هذه المسارات نموذج الشتات وصناعة المغترب الذي يتصدره القطب المغاربي، وعلى رأسه المغرب والجزائر وتونس بدرجات متفاوتة، عبر توظيف رصيد الجاليات المقيمة بالخارج واستقطاب اللاعبين ذوي الأصول العربية الذين نشأوا في أوروبا وتلقوا تكوينهم داخل مدارس كروية متقدمة في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا.
وقد بلغت التجربة المغربية مستوى أكثر تنظيما خلال العقد الأخير، حيث تحولت عملية استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية إلى سياسة مؤسساتية واضحة داخل الاتحاد المغربي لكرة القدم، مما منحها قدرة استثنائية على الوصول إلى لاعبين ينشطون في أعلى مستويات المنافسة الأوروبية، لترتفع المشاركة المغربية إلى 7 مشاركات في المونديال.
وإذ يمنح نموذج الشتات قوة تنافسية فورية وجودة فردية لا إنكار فيها على مستوى المنتخب الأول، فإن تداعياته الهيكلية تبدو معقدة تكتيكيا ونفسيا، فهؤلاء اللاعبون يفدون من بيئات تكتيكية وثقافات كروية متباينة كليًا بين انضباط الدوري البلجيكي، وجمالية الإسباني، وتنافسية الإنجليزي، ويصبح الجهاز الفني مطالبًا بصهر هذه الثقافات المتنوعة في منظومة متماسكة واحدة خلال فترات التوقف الدولي القصيرة التي لا تتعدى أيامًا معدودة ودون مرجعية مشتركة على مستوى الأندية.
هذا التحدي يفسر أحيانا تميز هذه المنتخبات في الأدوار الأولى حيث تصنع الفوارق الفردية النتائج، ومواجهتها صعوبات أكبر في الأدوار المتقدمة حيث يصبح تماسك المنظومة الجماعية هو العامل الحاسم، وعلاوة على معضلة التفاوت البدني التي تؤدي لتفضيل بريق الأسماء الأوروبية على الجاهزية الفعلية، تواجه هذه المنتخبات تحدي إدارة الدوافع الهوياتية لمزدوجي الجنسية، وضرورة بناء انسجام وجداني يذيب أي حساسية أو استياء بين لاعبي المهجر والمحليين حول الأحقية بالمشاركة.
وعلى النقيض من نموذج الشتات، يقف قطب شمال أفريقيا الآخر المتمثل في مصر وتونس كنموذج يعتمد بنيويا على الروافد المحلية التاريخية والعمق المحلي الصلب، فبرغم وجود طيور مهاجرة فائقة التأثير، تظل نواة هذه المنتخبات مشكلة من أندية دورياتها المحلية كالأهلي والزمالك في مصر، والترجي والنجم الساحلي في تونس، مما يمنحها ميزة الانسجام التلقائي والمرجعية التكتيكية المشتركة والتفاهم الفطري بين عناصر يتنافسون أو يتزاملون طوال العام قاريًا ومحليًا، وهو ما يفرز تماسكًا جماعيًا كبيرًا في المواعيد الكبرى يتجاوز الفوارق الفردية البسيطة.
وإن كانت المعضلة الهيكلية لهذا النموذج تكمن في محدودية الاحتكاك بالمستويات التنافسية العليا، وصعوبة المحافظة على استمرارية المواهب، ومدى قدرة الإيقاع التنافسي للدوريات المحلية على مجاراة الإيقاع البدني والتكتيكي المتسارع للكرة العالمية ومقاومة استنزاف اللاعبين.
وفي المقابل، يقدم المحور الآسيوي العربي نموذجًا ثالثًا يمزج بين القوة التمويلية الضخمة، والخطط الاستراتيجية طويلة الأجل، أو التطور التصاعدي القائم على روح المجموعة، ويتجلى هذا بوضوح في التجربتين السعودية والقطرية عبر استثمارات ضخمة في المنشآت الرياضية والأكاديميات الاحترافية وتحويل الدوريات المحلية إلى منصات استقطاب عالمية ترفع منسوب الاحتكاك اليومي للاعب المحلي، أو عبر مشاريع البناء القاعدي الطويلة كأكاديمية “أسباير” في قطر التي صنعت جيلا توج بطلا لآسيا مرتين متتاليتين.
بينما يبرز منتخبا العراق والأردن عبر التطور الفني الجماعي المستند إلى الروح القتالية العالية والتنظيم التكتيكي الصارم، لتأتي الطفرة الأردنية (وصيف بطل آسيا) والعبور العراقي الماراثوني ليعيدا صياغة الهوية الكروية لمنطقة المشرق العربي كقوة إقليمية صلبة قادمة من رحم الشغف الجماهيري الجارف، ولذلك، لا يبدو أن أي نموذج عربي يمتلك أفضلية مطلقة على الآخر، بقدر ما يمتلك كل منها نقاط قوة ونقاط ضعف خاصة به.
وبموازاة هذه المسارات البشرية والتنظيمية، يبرز مونديال 2026 كإطار لإعادة صياغة المشهد التدريبي العربي، وتفكيك عقدة المدرب الأجنبي التقليدية من خلال منح الثقة لأطر وطنية وعربية أكثر التصاقًا بالبيئة المحلية، حيث تراهن عدة منتخبات على الهوية الوطنية الأصيلة والمعرفة الثقافية والقدرة على التواصل المباشر مع اللاعبين، مثل حسام حسن في مصر خلال مشاركتها الرابعة، وصبري لموشي في تونس بمشاركتها السابعة، وجمال السلامي الذي يقود الأردن في تجربة تدريبية عربية عابرة للحدود.
أما المغرب، الذي يستعد لمشاركته السابعة في كأس العالم فيقدم بدوره تجربة مختلفة وخيارًا وسيطًا عبر محمد وهبي، الذي يجمع بين الانتماء الوطني والتكوين الأوروبي الصارم، إذ تدرج تكتيكيًا في الأندية الأوروبية وتحديدا في أندرلخت البلجيكي، قبل أن يصنع مجدًا وطنيًا بقيادة منتخب الشباب للتتويج بلقب كأس العالم تحت 20 سنة في تشيلي عام 2025.
ويمثل نموذج وهبي محاولة فنية لقطع الطريق أمام التداعيات السلبية للمدارس الأجنبية الصرفة المستوردة التي لا تزال تعتمد عليها بقية المنتخبات كالجزائر وقطر والعراق والسعودية، حيث يستتبع استيراد المدير الأجنبي استقدام أطقم تقنية كاملة ومستوردة، مما يحرم الأجهزة الفنية الوطنية من اختراق البنية الحيوية للمنتخبات ويؤدي لنزيف المعرفة المؤسسية فور رحيل تلك الأطقم.
ومع ذلك، تظل مهمة المدرب العربي محفوفة بتحديات هيكلية ومقلقة لا تواجه دائمًا نظراءه الأجانب، فالمدرب الوطني يعمل في بيئة سياسية وإعلامية مكشوفة وحادة، وداخل فضاء جماهيري يتقاسم معه اللغة والثقافة والتوقعات، مما يجعله أكثر عرضة للضغوط اليومية، ويفتقر لعازل المسافة الثقافية والحصانة التعاقدية التي يتمتع بها المدرب الأجنبي والتي تمتص عنه الهزائم، مما يترك المدرب الوطني وحيدًا في مواجهة بركان التوقعات الجماهيرية عند أي تعثر.
لهذا كله، يبدو مونديال 2026 أكثر من مجرد بطولة كروية بالنسبة للعرب، إنه مختبر علمي واسع لاختبار ثمانية مشاريع كروية مختلفة، وثماني رؤى متباينة لكيفية صناعة النجاح في اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
وبين نموذج الاستثمار التمويلي والمنشآت الضخمة، ونموذج التكوين المحلي والعمق التقليدي، ونموذج الاستفادة المؤسسية من طاقات الشتات والجاليات، ونموذج المزج بين هذه العناصر جميعًا، ستقدم هذه النسخة المونديالية الاستثنائية فرصة تاريخية نادرة للحكم على المسارات التي نجحت فعلًا في تحويل الطموح إلى قوة تنافسية مستدامة.
وعندما تنطلق صافرة البداية في أمريكا الشمالية، لن تكون المنتخبات العربية في مواجهة بقية العالم فقط، بل ستكون في مواجهة اختبار تاريخي يكشف أي النماذج التنموية أصبحت أكثر قدرة على صناعة الإنجاز في كرة القدم الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك