قناة القاهرة الإخبارية - تسارع التضخم الأمريكي يضع الفيدرالي أمام اختبار صعب قبيل أول اجتماع بقيادة وارش Euronews عــربي - واشنطن تصادر 13 نطاقاً إلكترونياً استخدمتها استخبارات بكين لابتزاز وتجنيد مسؤولين أمريكيين Euronews عــربي - عرض أماتيراسو المدهش يحتفي بمرور 160 عاما من العلاقات بين بلجيكا واليابان روسيا اليوم - مقاطعة خاركوف.. لقطات لمعارك تحرير بلدة أوخريموفكا روسيا اليوم - الثالثة في أسبوع.. "سنتكوم" تعلن تعطيل ناقلة نفط في خليج عمان بعد خرقها الحصار على إيران (فيديو) إيلاف - إيلاف الجمال والمايسترو المعتّق سكاي نيوز عربية - الجيش الأميركي يعلن اعتراض 3 ناقلات نفط بخليج عمان في أسبوع روسيا اليوم - إيطاليا.. عاصفة برد قوية تحول شوارع منطقة لومبارديا إلى أنهار جارفة إيلاف - الإدمان أولاً، والذكاء قادم بفاتورة، وهذا سر الاستثمارات الضخمة العربية نت - الرئيس السوري يتلقى دعوة لزيارة الولايات المتحدة منتصف يونيو
عامة

عقيدة ألبرتا.. لماذا ترغب مقاطعة كندا الغنية في الانفصال؟ وما علاقة ترمب؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في إحدى ليالي يونيو/حزيران 2025، وبينما كان ضباب حرائق الغابات الكندية يلف الأفق، احتشد المئات داخل منشأة رياضية ضخمة في مدينة" ريد دير" بمقاطعة ألبرتا. في تلك الأثناء، كانت شاشات البلاد تشتعل حماسا ف...

في إحدى ليالي يونيو/حزيران 2025، وبينما كان ضباب حرائق الغابات الكندية يلف الأفق، احتشد المئات داخل منشأة رياضية ضخمة في مدينة" ريد دير" بمقاطعة ألبرتا.

في تلك الأثناء، كانت شاشات البلاد تشتعل حماسا فيما يحبس الناس أنفاسهم لمتابعة فريق المقاطعة" إدمونتون أويلرز"، وهو يخوض مباراة مصيرية في نهائيات دوري الهوكي الوطني ضد فريق" فلوريدا بانثرز" الأمريكي.

ولكن العديد من الحضور كانوا قد جاؤوا إلى" ريد بير" من أجل المشاركة في مؤتمر يطالب بانفصال ألبرتا عن كندا.

في هذا التجمُّع الذي نظمه" مشروع ازدهار ألبرتا" (APP) بقيادة أبرز وجوه الحراك الانفصالي" جيفري راث"، لم تكن الهتافات مجرد صرخة عابرة، بل حكاية مقاطعة تستأثر وحدها بحصة 84% من إنتاج كندا من النفط الخام.

ووفقا لاستطلاع للرأي أجري في مارس/آذار 2026، يبدي حوالي ثلث سكان ألبرتا دعمهم للانفصال عن كندا، تارة بسبب قوانين المناخ الصارمة التي تخنق صناعتهم النفطية، وتارة بسبب عوائد ضرائبهم التي تذهب لتمويل مقاطعات شرق كندا الأكثر ليبرالية، وبشكل لا يمثل تطلعاتهم الاقتصادية المحافظة.

في الفترة الأخيرة، اكتسبت الجهود الانفصالية في ألبرتا زخما غير مسبوق.

ويأتي ذلك في وقت توحد فيه جزء كبير من الكنديين وتلحفوا بمشاعر وطنية، في مواجهة تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالضم وفرض التعريفات الجمركية.

فبعد فترة وجيزة من فوز الليبراليين بزعامة رئيس الوزراء الجديد" مارك كارني" في انتخابات أبريل/نيسان 2025، باغت المجلس التشريعي في ألبرتا الجميع بإصدار قانون يُسهل تنظيم استفتاء على الانفصال.

وبموجب التعديل الأخير، انخفض النصاب المطلوب لتنظيم الاستفتاء من 600 ألف توقيع إلى 177 ألفا فقط، مع تمديد المهلة الزمنية المتاحة لجمع التوقيعات، مما يعني وضع مصير المقاطعة، التي تضم حوالي 12% من سكان كندا (قرابة 5 ملايين نسمة)، على المحك في غضون أشهر قليلة.

" قرر بعض قادة الحراك الانفصالي في ألبرتا التطلع عبر الحدود والرهان على ترمب"المفاجئ الآن أنه بدلا من البحث عن حلول من داخل المنظومة الكندية، قرر بعض قادة الحراك الانفصالي التطلع عبر الحدود والرهان على ترمب.

وفيما يرى كثيرون أن فكرة انضمام ألبرتا للولايات المتحدة خطوة مبالغ فيها، فإن الحاضرين في حشد" ريد دير" لربما اعتقدوا جازمين أن الرئيس الأمريكي المحافظ اقتصاديا والمؤيد للصناعات النفطية، سيكون أول المرحبين بدولتهم الوليدة، مستذكرين هجومه اللاذع على رئيس الوزراء الكندي السابق جاستين ترودو، ومعتقدين أن واشنطن الآن أقرب إليهم من أوتاوا.

list 1 of 2عاصفة مينسك.

لماذا ينشر بوتين أسلحة نووية في قلب أوروبا؟list 2 of 2طموح أنقرة الباليستي.

لماذا تبني تركيا برنامجا صاروخيا متطورا؟ألبرتا.

من الهامش إلى التيار العامفي أول تعداد سكاني رسمي للدولة الكندية الوليدة عام 1871، كان 8 من كل 10 كنديين يعيشون في مقاطعتي أونتاريو وكيبيك اللتين تقعان في شرق كندا، من أصل أربع مقاطعات تأسست بها الدولة، حيث شكلت المقاطعتان بؤرة النشاط الاقتصادي والاجتماعي الذي شكل كندا كما نعرفها.

كانت مقاطعتا الشرق بمثابة مركز الثقل السياسي وقاعدة الاقتصاد الصناعي الناشئ آنذاك، فقد ضمتا إلى جانب العاصمة ومؤسساتها، المؤسسات المالية والمقرات الرئيسية للشركات والبنوك، وفيهما وضعت القوانين، ومنهما انطلقت السكك الحديدية نحو جغرافيا كندا الشاسعة.

في تلك الأثناء، كان الوسط والغرب الكندي مجرد" تخوم بعيدة" ومجهولة، تدفقت إليها لاحقا مجتمعات المهاجرين الأوروبيين الذين وجدوا أنفسهم في عالم مختلف لا تمثل فيه الثنائية اللغوية أو الصراعات التاريخية بين الفرنسيين والإنجليز عائقا، بل كانت الأولوية للزراعة وبناء الصناعة والصراع لأجل البقاء في بيئة طبيعية قاسية.

" كان الوسط والغرب الكندي مجرد تخوم بعيدة ومجهولة، تدفقت إليها لاحقا مجتمعات المهاجرين الأوروبيين"ومع ذلك، لم تكن كندا، التي باتت اتحادا فيدراليا يضم عشر مقاطعات و3 أقاليم مع مرور السنين، بعيدة عن شبح النزعات الانفصالية.

فقد اشتهرت تاريخيا بمحاولات انفصال مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية، فيما سجلت نزعة انفصالية أخرى قوية في مقاطعة ألبرتا، التي تقع في غرب كندا وتتمتع بهوية ثقافية فريدة لطالما استندت على قطاعي النفط والزراعة.

ورغم تصنيفها تاريخيا حركة سياسية هامشية ناتجة عن شعور الغرب الكندي بالتهميش من مركز الدولة في أوتاوا، فإن هذه الحركة مرت بثلاث مراحل تاريخية عززت حضورها.

أولها كان عقب" برنامج الطاقة الوطني لعام 1980″، الذي سعى إلى كبح ارتفاع أسعار النفط في البلاد وفرض ضوابط ضريبية على قطاع النفط في ألبرتا.

وجاءت المرحلة الثانية في التسعينيات، حين قاد حزب الإصلاح حملة شعبوية تحت شعار" الغرب يريد المشاركة"، لكنه سرعان ما تخلى عن أجندته الشعبوية واندمج مع التيار المحافظ السائد.

" يأتي حراك ألبرتا هذه المرة مُطعما بالشعبوية المحافظة التي تتغذى على التشكيك الحاد في سياسات المناخ وفي السياسات الليبرالية للحكومة"أما اليوم، فقد بدأ يتبلور الحراك في مرحلته الثالثة التي يقودها مشروع ازدهار ألبرتا، وهي مرحلة كشفت بوضوح مدى تأثر الحركة بالتحولات السياسية العابرة للحدود، وبموجة اليمين العالمي، وخاصة صعود ترمب في الولايات المتحدة.

فقد أتى حراك ألبرتا هذه المرة مطعما بالشعبوية المحافظة التي تتغذى على التشكيك الحاد في سياسات المناخ وفي السياسات الليبرالية للحكومة الكندية.

في المجمل، نمت في السنوات الأخيرة الحركة الانفصالية في ألبرتا لتصبح جزءا من التيار العام.

ففي عام 2019، برز نجم بيتر داونينغ محركا أساسيا لحركة" ويكسيت" المطالبة بالانفصال عن كندا، مستغلا خلفيته الأمنية كضابط سابق في الشرطة الكندية.

وقد حول داونينغ الغضب في المقاطعة النفطية إلى تنظيم مؤسسي يطالب بالاستقلال، ونجح في حشد الآلاف وتأسيس حزب سياسي رسمي يواجه العاصمة الفيدرالية.

اليوم تسلم راية حراك الانفصال قادة جدد يتقدمهم" ميتش سيلفستر"، صاحب متجر الأسلحة من بلدة بونيفيل، و" جيفري راث"، المحامي المقيم في مدينة كالغاري، واللذان ينتميان لمشروع ازدهار ألبرتا.

ويجادل القائدان الجديدان بأن النمو الاقتصادي للمقاطعة ظل لسنوات رهينة سياسات الحكم الليبرالية، وأنه قد حان الوقت كي تحقق ألبرتا إمكانياتها الاقتصادية الكاملة بدون قيود الفيدرالية، وأن تشق طريقها الخاص نحو الازدهار.

دانييل سميث.

هندسة الثغراتلم تنبت الرغبة الانفصالية في ألبرتا إذن من الفقر، بل على العكس كانت وليدة الرفاهية والشعور بفائض القوة الاقتصادية.

فمنذ عام 1950 حين بدأ اقتصاد المقاطعة بالنمو بمعدلات تتجاوز أي بقعة أخرى في كندا، ولدت عقيدة راسخة لدى بعض السكان بأنهم سيكونون أكثر ثراء لو مضوا في طريقهم وحدهم.

ويزعم دعاة الاستقلال أن انفصال ألبرتا سيوفر لها نحو 75 مليار دولار كانت تذهب ضرائب فيدرالية للعاصمة، فيما يرى محللون أن الرقم فيه مبالغة كبيرة.

هذا وتشير الأرقام الرسمية إلى أن ألبرتا ضخت حصة هائلة بلغت نحو 244.

6 مليار دولار في خزينة المالية الفيدرالية بين عامي 2007-2022 لدعم المقاطعات الأخرى دون أن تنال في المقابل وزنا سياسيا يكافئ وزنها الاقتصادي، بحسب دعاة الانفصال.

" لم تنبت الرغبة الانفصالية في ألبرتا من الفقر، بل على العكس كانت وليدة الرفاهية والشعور بفائض القوة الاقتصادية"غذت هذه الأرقام على مر العقود شعورا بالمظلومية الاقتصادية والتهميش السياسي.

فالإقليم الذي ينتج معظم النفط والغاز الكندي يعيش استياء من الحكومات الليبرالية المتعاقبة منذ سنوات، ويرى سكانه أن أوتاوا كبلت صناعتهم النفطية بلوائح بيئية مرهقة وقوانين تنظيمية مجحفة، لا سيما تلك التي دفعت في ظل حكومة جاستين ترودو السابقة.

ويتعدى الغضب في ألبرتا حدود الضرائب ويصل إلى الجغرافيا السياسية، حيث يرى دعاة الانفصال أن حرمان مقاطعتهم من الوصول إلى الموانئ خنق بعض صادراتهم، وأجبرهم على بيع نفطهم للولايات المتحدة بخصومات مبالغ فيها كبدت المقاطعة مليارات الدولارات على مدار الأعوام الماضية.

هناك عوامل ثقافية أيضا تساهم في تغذية الحراك الانفصالي، فإذا ما فككنا البنية الاجتماعية لهذا الحراك، نجد أن الانفصاليين يستمدون كتلتهم الصلبة من رجال الريف البيض في منتصف العمر، أولئك الذين يتماهون مع القيم التقليدية، ويتحصنون بسياسات محافظة تتغذى على الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية، وانعدام الثقة المطلق في المؤسسات الحكومية ونخب العاصمة أوتاوا.

هذه التوليفة الاجتماعية والاقتصادية التي ترسخت عبر عقود، كانت بحاجة إلى رافعة سياسية تنقلها من طور التنظير إلى حيز التنفيذ، وهو دور تقمصته رئيسة وزراء الإقليم دانييل سميث.

فبحلول مايو/أيار الماضي، أبدت حكومة ألبرتا بقيادة سميث استعدادها لتسهيل إجراء استفتاء عام حول الرغبة في الاستقلال حُدد موعده في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وذلك رغم أن رئيسة الحكومة نفسها أكدت في أكثر من مناسبة أنها ليست من مؤيدي الانفصال.

غير أن سميث لم تكن لتترك الغضب الشعبي دون احتواء، بل أعادت صياغة قواعد اللعبة عبر تمرير" مشروع القانون 54" الذي خفض الحد الأدنى من التوقيعات اللازم لتنظيم استفتاء ومدد المهلة الزمنية لجمع التوقيعات.

وحينما أسقطت المحكمة العريضة الشعبية للحراك بحجة عدم التشاور مع السكان الأصليين في ألبرتا، استغلت سميث ثغرة قانونية تشريعية لتمرير إمكانية تنظيم الاستفتاء، موضحة أن السؤال لن يكون صريحا بشأن الاستقلال، بل هو" تصويت لمعرفة ما إذا كان الناس يريدون تصويتا أصلا".

" الاستفتاء أداة لامتصاص تمرُّد الجناح الانفصالي داخل حزب المحافظين المتحد الحاكم، ورسالة سياسية للعاصمة لمراعاة مصالح المقاطعة بشكل أكبر"يُعتبر سلوك سميث مناورة سياسية، فالاستفتاء أداة لامتصاص تمرد الجناح الانفصالي المتشدد داخل" حزب المحافظين المتحد" (UCP) الحاكم في المقاطعة (يمين – يمين وسط)، والأهم رسالة موجهة إلى العاصمة أوتاوا لمراعاة مصالح المقاطعة بشكل أكبر قبل عبور" نقطة اللاعودة".

وتلك الرسالة لها سوابق، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فعلت سميث" قانون سيادة ألبرتا داخل كندا الموحدة" لأول مرة، لتكسر بذلك طوق اللوائح الفيدرالية للكهرباء النظيفة التي اقترحتها أوتاوا للوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2035، واصفة إياها بالخطة" غير الواقعية" التي تهدد شبكة الطاقة وجيوب المواطنين في ألبرتا.

تضع دانييل سميث فوق طاولة أوتاوا عدة مطالب للمقاطعة، فهي تطالب برفع اليد الفيدرالية عن شريان الحياة في الإقليم عبر ضمان تدفق نفط ألبرتا وغازها بشكل غير مقيد نحو ممرات التصدير في الشمال والشرق والغرب.

كما تطالب بإلغاء لوائح الكهرباء النظيفة الفيدرالية بالكامل، والعودة الفورية لسيطرة ألبرتا المستقلة على ضرائب الكربون الصناعية الخاصة بها؛ ما يعني تجريد العاصمة من سلطتها البيئية، وتحويل ألبرتا إلى" قلعة طاقة" تتمتع بحصانة سيادية كاملة داخل كندا.

على طول الطريق السريع الممتد بين مدينتي كالغاري وإدمونتون تناثرت لوحات إعلانية ضخمة تدعو سكان ألبرتا لترك كندا والانضمام للولايات المتحدة، بحيث تصبح المقاطعة الولاية الأمريكية رقم 51.

من بين تلك الإعلانات، التي مولتها جماعة ترفع شعار" كنديون من أجل الولاية الحادية والخمسين"، برزت صورة تظهر رئيسة وزراء المقاطعة دانييل سميث وهي تصافح الرئيس الأمريكي ترمب بحرارة.

خلف الأبواب المغلقة، كانت تحركات دعاة الانفصال أكثر جرأة، محولة الأفكار إلى واقع تفاوضي.

فقد كشفت التقارير عن عقد قادة مشروع ازدهار ألبرتا ثلاثة اجتماعات سرية مع مسؤولين في إدارة ترمب وممثلين عن وزارة الخارجية الأمريكية، حيث قدموا طلبا للحصول على خط ائتمان بقيمة 500 مليار دولار من الخزينة الأمريكية كـ" صندوق طوارئ سيادي" لتغطية تكاليف الانفصال، كما بحثوا تسهيلات لاعتماد الدولار الأمريكي عملة بديلة لفك الارتباط بالدولار الكندي، ودعم انتقالهم نحو" دولة نفطية مستقلة".

ومع أن البيت الأبيض والخارجية الأمريكية قللا علنا من خطورة اللقاءات الثلاثة التي جمعت مسؤوليهما بقادة الانفصال الكندي في واشنطن، ووصفا اللقاءات بأنها" ارتباطات روتينية مع منظمات مجتمع مدني دون تقديم أي التزامات مادية"، إلا أن فتح واشنطن الباب أمام الاستماع لهذه المطالب أحدث زلزالا سياسيا داخل كندا، حيث قرأ الكنديون الموقف الأمريكي على أنه تهديد صريح.

وبحسب ما كشفه استطلاع رأي حديث، فإن 80% من الكنديين يتوجسون من ضغوط اقتصادية أمريكية تدفع ألبرتا نحو الانفصال.

" حوالي 80% من الكنديين يتوجسون من ضغوط اقتصادية أمريكية قد تدفع ألبرتا نحو الانفصال"يأتي ذلك التزامن مع مواقف حدية للرئيس الأمريكي ترمب، الذي لم يخف طموحاته في ضم كندا كاملة لتصبح ولاية أمريكية، فيما لم يتوان رموز حركة" ماغا"، وأبرزهم المستشار السابق لترمب" ستيف بانون"، عن إعلان دعمهم لانفصال ألبرتا، تماما كما روج وزير الخزانة الأمريكي" سكوت بيسنت" لقضية انفصال ألبرتا في يناير/كانون الثاني الماضي، معلنا أن" سكان ألبرتا شركاء طبيعيون، ويمتلكون موارد هائلة، وهم شعب مستقل يريد السيادة مثل أمريكا".

كسر موقف إدارة ترمب عقودا من الالتزام الأمريكي التقليدي بوحدة الأراضي الكندية.

فقد نأت واشنطن بنفسها عن التدخل في الشأن الكندي منذ أكثر من قرن وسعت لحماية وحدة أراضيها، وظهر ذلك في استفتاءين سابقين على انفصال مقاطعة كيبيك.

ففي عام 1985، رأت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن كندا الموحدة مهمة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية، محذرا من أن استقلال كيبيك يدخل أمريكا الشمالية في نفق من عدم اليقين الدفاعي والتجاري.

وهو النهج نفسه الذي سار عليه الرئيس بيل كلينتون عام 1995، حين استغل زيارته لأوتاوا كي يعلن من تحت قبة البرلمان الكندي انحيازه لوحدة كندا.

اليوم، وبعيدا عن صخب مناكفات ترمب، فإن عقل الدفاع الإستراتيجي في واشنطن بمؤسساته العميقة ومراكز أبحاثه الأمنية، لا يزال يحمل ذات الهواجس القديمة، مدركا أن تفتيت كندا يمثل كابوسا جيوسياسيا يمكن أن يؤثر سلبا على الأمن القومي الأمريكي.

ووفقا لتقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) تتوزع عواقب الانفصال المحتمل لألبرتا على عدة محاور خطيرة.

على المستوى الدفاعي، من المرجح أن يتسبب خروج ألبرتا المحتمل عن السيادة الكندية في تمزيق منظومة قيادة الدفاع الجوي والفضاء لأمريكا الشمالية" نوراد" (NORAD)، وهي منظومة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وكندا تأسست عام 1957، وتتولى مهام الإنذار المبكر والسيطرة الجوية والدفاع الفضائي لكلا البلدين.

ومن شأن تعطيل هذه المنظومة أن يشل القدرة على رصد التهديدات الجوية، ويجبر واشنطن على تحمل أعباء حماية الأجواء منفردة، وهو ما يناقض تماما عقيدة ترمب السياسية القائمة على" تقاسم الأعباء المالية".

" كسر موقف إدارة ترمب عقودا من الالتزام الأمريكي التقليدي بوحدة الأراضي الكندية"علاوة على ذلك، ستدخل صفقات التسليح في نفق معقد، وتصبح التزامات كندا تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مهب الريح.

أما أمنيا واستخباراتيا، فإن التنسيق السلس والتلقائي بين الأجهزة الأمنية الأمريكية ونظيرتها الكندية سيتحول إلى بروتوكولات ثنائية مشتتة وبطيئة، ما يمثل ضربة قوية لتحالف" العيون الخمس" الاستخباراتي (يضم بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا إضافة إلى أمريكا وكندا)، ويفتح ثغرات أمنية قارية تتربص بها القوى المنافسة.

فيما يخص الأثر الاقتصادي، فإن ألبرتا ستجد نفسها خارج مظلة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية" أوسمكا" (USMCA) تلقائيا، ما يهدد بزلزال في سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

ولكن الخطر الأكبر يبقى دبلوماسيا، إذ إن تفتيت الجار الكندي سيضرب مصداقية واشنطن العالمية في مقتل، ويظهرها أمام بكين وموسكو كقوة عاجزة لا تستطيع حتى حماية استقرار أوثق حلفائها وتأمين حدودها الخلفية.

ولكن، إذا كان المشهد الخارجي مليئا بالتعقيدات الجيوسياسية، فإن الطريق الداخلي نحو انفصال ألبرتا يبدو أكثر وعورة، حيث تصطدم أحلام الانفصال بجدار سميك من الهياكل الدستورية والقوانين الكندية الصارمة.

ويبرز هنا الحكم التاريخي للمحكمة العليا الصادر عام 1998 كأول الموانع القانونية، والذي جرد المقاطعات من أي حق في إعلان الانفصال أحادي الجانب، ملزما إياها بمسار تفاوضي شاق ومعقد مع الحكومة الفيدرالية.

وهذا المسار يكبحه أيضا" قانون الوضوح"، الذي يمنح مجلس العموم الكندي وحده سلطة تقييم الأغلبية التصويتية وما إن كانت" أغلبية واضحة حول مسألة واضحة".

ومع ذلك، تظل العقبة الأكبر هي" فيتو" " الأمم الأولى" (السكان الأصليين).

تاريخيا، وُقعت معاهدات الأرض التي تغطي أراضي ألبرتا (وغيرها من المقاطعات) مباشرة بين الشعوب الأصلية والتاج البريطاني (ثم الدولة الفيدرالية الكندية بصفتها الوارث القانوني للتاج).

وبما أن انفصال ألبرتا يعني" فسخ" هذا العقد الفيدرالي فإنه يتطلب موافقة السكان الأصليين.

بمعنى أنه لا يمكن لألبرتا أن تأخذ أراضيهم معها إلى الدولة الجديدة دون موافقتهم الصريحة الحرة والمسبقة.

لا عجب إذن أن وصلت العلاقات بين زعماء السكان الأصليين وحكومة مقاطعة ألبرتا بقيادة" دانييل سميث" إلى مرحلة الصدام الشامل وتحولت إلى مواجهة سياسية وقانونية مفتوحة.

فقد وجه قادة" الأمم الأولى للمعاهدة رقم 8" (وهي واحدة من المعاهدات التاريخية بين السكان الأصليين والتاج البريطاني) رسالة رسمية شديدة اللهجة إلى رئيسة الوزراء، يطالبون فيها حكومتها بـ" الوقف الفوري" لأي محاولات للمضي قدما في الاستفتاء الاستكشافي حول الانفصال أو أي عمليات سياسية مرتبطة به.

" وصلت العلاقات بين زعماء السكان الأصليين وحكومة مقاطعة ألبرتا إلى مرحلة الصدام السياسي والقانوني الشامل"وهدد القادة باللجوء إلى كافة السبل المتاحة لوقف هذا التحرك، بما في ذلك" العصيان المدني" والمعارك القضائية الدولية.

وقد أصدرت محكمة مجلس الملك في ألبرتا (المحكمة الابتدائية العليا في المقاطعة) حكما قضائيا لصالح السكان الأصليين في مايو/أيار الماضي، قضى بإبطال وتجميد تمرير طلبات الاستفتاء على أساس أن الحكومة انتهكت التزامها الدستوري بالمشورة المسبقة مع القبائل الأصلية.

وأكدت المحكمة أن المقاطعة لا يمكنها الانفصال قانونا لأن ذلك يعني إلغاء صفة كندا كـ" شريك تاريخي في المعاهدات".

في المقابل دافعت دانييل سميث عن موقفها وحاولت التقليل من حجم الأحكام القضائية، معتبرة أن القضاة" بالغوا" في تفسير واجب المشورة المسبقة مع السكان الأصليين.

وأعلنت أن حكومتها ستستأنف على الحكم القضائي لتحديد حدود الصلاحيات.

تبرز الحسابات الاقتصادية والجغرافية بمثابة سد آخر يبدد أوهام الدولة المستقلة.

فوفقا لتقديرات الخبير الاقتصادي" تريفور تومب"، فإن الانفصال سيترجم فورا إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي لألبرتا بنسبة 6%، ما يعني خسارة مباشرة تناهز 3900 دولار سنويا من دخل كل فرد في المقاطعة.

" بمجرد فك الارتباط مع أوتاوا ستتحول ألبرتا إلى دولة مغلقة بلا سواحل أو موانئ، ما يضع شريانها النفطي تحت سكين المفاوضات الشاقة مع جيرانها"هذه الفاتورة المالية ستتضاعف بفعل الجغرافيا السياسية، فبمجرد فك الارتباط مع أوتاوا تتحول ألبرتا تلقائيا إلى دولة مغلقة بلا سواحل أو موانئ، ما يضع شريانها النفطي النابض تحت سكين المفاوضات الشاقة مع جيرانها، سواء كندا أو الولايات المتحدة، لتأمين ممرات حيوية لتصدير نفطها.

وهو ما يجعل الاستقرار المالي لألبرتا، كدولة جديدة محتملة، في مهب الريح وسط عواصف الاقتصاد العالمي.

في المحصلة، انتقل حراك ألبرتا الانفصالي من نطاق التحرك الجماهيري إلى المساحة التشريعية بفضل سياسات رئيسة الوزراء الحالية للمقاطعة، وحفزه وجود الرئيس الأمريكي ترمب الذي عبر مسؤولو إدارته عن موقف" داعم" لانفصال ألبرتا في سابقة تاريخية لأي رئيس أمريكي تجاه وحدة كندا.

رغم ذلك، فإن الاستفتاء المرتقب في أكتوبر/تشرين الأول المقبل أيا كانت نتيجته (المرجح حتى الآن أن رافضي الانفصال هم الغالبية) سيكون مجرد خطوة أولى في مسار طويل مليء بالمصاعب والعقبات.

فالمسافة بين الشعارات والواقع لا تزال شاسعة ومليئة بالألغام، وأحلام الدولة النفطية التي تراهن على مظلة ترمب إلى الجنوب، تجد نفسها اليوم أمام جدار دستوري صلب في أوتاوا، وفيتو حاسم من السكان الأصليين، فضلا عن جغرافيا خانقة قد تحول الإقليم المستقل إلى دولة حبيسة بميزانية متأرجحة وسط محيط متقلب، وهو ثمن باهظ قلما يُشار إليه وسط صخب الدعوات الانفصالية التي تهز المقاطعة الغنية التي قررت أن تضع مستقبلها على المحك.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك