بلغ عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة في تركيا 14237 شخصاً في عام 2012، ثم وصل هذا العدد إلى مليون ونصف المليون في عام 2014، وبلغ ذروته في عام 2021 مع ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف شخص، ولكن من بدء عودة السوريين إلى بلدهم عقب الثامن من كانون الأول 2024، تراجع هذا العدد.
ووفقاً لأحدث الأرقام المسجلة في عام 2026، تراجع عدد حملة الحماية المؤقتة من السوريين إلى مليونين ومئتي ألف بحسب إحصاءات إدارة الهجرة التركية.
وبذلك، بقيت تركيا الدولة المضيفة لأكبر عدد من السوريين بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة المعنية بشؤون اللاجئين.
وبحسب أرقام إدارة الهجرة التركية، بلغ عدد السوريين العائدين إلى سوريا من تركيا منذ عام 2016، نحو مليون وأربعمئة ألفاً، أي أن ما يقارب 40% من مجمل عدد السوريين المقيمين في تركيا عام 2021 قد عادوا إلى سوريا.
وبلغ عدد من عادوا طوعياً بعد 8 من كانون الأول 2024، نحو 667565 شخصاً.
وفي حال بقاء المناخ السياسي في سوريا على حاله، من المتوقع عودة ما بين مئتي ألف و250 ألفاً من السوريين حتى نهاية هذا العام.
تعتمد تركيا مبدأ العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمنظمة بالنسبة لرجوع السوريين إلى بلدهم.
إذ بخلاف المطالب الشعبوية التي يستخدم أصحابها الخطاب المعادي للسوريين كأداة سياسية، لا تعتزم تركيا إعادة السوريين قسراً وبشكل جماعي إلى بلدهم، وهذا ما أعرب عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عندما تحدث نهج الحكومة في هذه المسألة، فقال: " لن نرتكب الخطأ المتمثل بإعادة أي شخص قسراً، وسنواصل دعم إخواننا وأخواتنا السوريين الراغبين بالإسهام في بلدنا".
على مدى سنوات عديدة، بقيت عودة أغلب السوريين إلى بلدهم رهناً بعودة الأمن والأمان، ويبدو اليوم أن كل ذلك قد عاد بنسبة كبيرة في معظم المناطق السورية.
ونتيجة لذلك، زالت أهم عقبة تحد من عودة السوريين، ولذلك بدأ السوريون بالعودة إلى بلدهم فعلاً بعد انتهاء الحرب، وتحسن الظروف الأمنية نسبياً، وعودة الحياة اليومية إلى طبيعتها.
وإلى جانب العوامل الأمنية، تلعب العوامل الاقتصادية أيضاً دوراً مهماً في العودة، لأن قدرة الناس على تأمين متطلبات العيش اليومية، إلى جانب توفر السكن، وفرص العمل، والخدمات التي توفرها السلطات المحلية، وحيوية النشاط الاقتصادي في المناطق التي يعتزمون العودة إليها، كلها تؤثر على قرارهم بالعودة بشكل مباشر.
هذا وتعمل الإدارة الحالية في دمشق على تشجيع عودة السوريين الذين غادروا البلد بسبب الحرب، وذلك لتسريع عملية إعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإن استدامة العودة وتحولها إلى عودة واسعة النطاق لا يعتمد فقط على الإرادة السياسية، بل أيضاً على ترسيخ الظروف الأمنية بشكل دائم، وتلبية الاحتياجات الأساسية للعائدين مثل السكن، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل.
فإذا تحققت هذه الشروط بسرعة، أصبحت عودة السوريين إلى بلادهم تتم بوتيرة أسرع.
لا يجوز أن نغفل هنا أيضاً بأن بعض السوريين أقاموا في تركيا لفترة طويلة فاندمجوا بالمجتمع التركي بنسبة كبيرة.
وهناك شريحة كبيرة منهم أسست أعمالاً تجارية، وانخرطت في سوق العمل، وتزوجت من تركيا، وبنت شبكات اجتماعية، وأرسلت أبناءها إلى المدارس التركية.
لذلك، فإن مسار عملية العودة يعتمد أيضاً على جودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يتمتع بها السوريون في تركيا.
العودة الطوعية والآمنة والكريمةمن الضروري عدم تجاهل المبادئ الأساسية للقانون الدولي بالنسبة لمسألة عودة السوريين إلى بلدهم، بما أن تركيا من الدول الأطراف في معاهدة جنيف المعنية بوضع اللاجئين الموقعة في عام 1951، وينص مبدأ عدم الإعادة القسرية الوارد في هذه المعاهدة على منع إعادة الأشخاص قسراً إلى أماكن قد تكون فيها حياتهم أو حرياتهم معرضة للخطر.
وقد أصبح هذا المبدأ جزءاً من القانون الدولي العرفي، ويشمل جميع الأجانب الذين قد يواجهون خطر التعرض لانتهاكات حقوق الإنسان.
وبالإضافة إلى الاتفاقية، فإن المادة الرابعة من القانون رقم 6458 الخاص بالأجانب والحماية الدولية، الساري في تركيا منذ عام 2013، تحظر أيضاً إعادة الأشخاص الذين لجؤوا إلى تركيا.
ولذلك، فإن الإعادة الجماعية والقسرية للسوريين من شأنها أن تثير إشكالات قانونية خطيرة.
ولهذا السبب، تسعى تركيا إلى تشجيع العودة الطوعية للسوريين إلى بلادهم.
وفي حال أصبحت عملية الانتقال السياسي والمؤسسي في سوريا دائمة ومستقرة، فمن الممكن أن يعود اتفاق إعادة القبول الموقع بين تركيا وسوريا عام 2001 إلى حيز التنفيذ، والذي يهدف إلى تنظيم عملية إعادة الأشخاص الذين دخلوا أو أقاموا في أراضي إحدى الدولتين بصورة غير قانونية.
ولكي يحدث ذلك، يجب إعادة هيكلة الإطار القانوني لنظام الحماية المؤقتة المعمول به في تركيا.
ففي الوقت الراهن، لا تُعد الإعادة الجماعية للسوريين المشمولين بالحماية المؤقتة ممكنة من الناحية القانونية.
ومع ذلك، إذا جرى إنهاء وضع الحماية المؤقتة تدريجياً أو تقليص نطاقه، فقد ينتقل بعض السوريين المقيمين في تركيا إلى فئة المهاجرين غير النظاميين.
وفي هذه الحالة، قد يصبح من الممكن نظرياً إعادة تفعيل آلية إعادة القبول وإنشاء البنية القانونية اللازمة لإعادة السوريين الذين أصبحوا في وضع غير نظامي إلى بلدهم.
الحاجة إلى اليد العاملة السوريةلا يجوز أن نفترض أن جميع السوريين الموجودين في تركيا سيعودون إلى بلدهم، وذلك لسببين رئيسيين:أولهما أن بعض السوريين حصلوا بالفعل على الجنسية التركية، وبخلاف حملات التضليل التي تزعم أن ملايين السوريين مُنحوا الجنسية التركية، تشير أحدث بيانات وزارة الداخلية التركية إلى أن 238,768 سورياً وسورية حصلوا على الجنسية التركية بعد أن شملتهم الحماية المؤقتة.
وبالتالي، لا يوجد أي عائق قانوني يمنع نحو 250 ألف سوري من الاستمرار في الإقامة في تركيا باعتبارهم مواطنين أتراك.
ثانياً: ثمة حاجة حقيقية إلى العمالة السورية في بعض القطاعات الاقتصادية داخل تركيا.
فقد أصبح السوريون العاملون في قطاعات النسيج والبناء والزراعة والصناعات منخفضة التكلفة عنصراً يسهم بصورة جزئية في تعويض النقص في العمالة منخفضة ومتوسطة المهارات والذي يعاني منه سوق العمل التركي منذ سنوات.
هذا وقد صرّح بعض الفاعلين في قطاع الأعمال والمنظمات المهنية بأن المغادرة المفاجئة والجماعية للسوريين من تركيا قد تؤدي إلى:تفاقم أزمة نقص العمالة الماهرة.
ظهور نقص في الأيدي العاملة لدى بعض القطاعات.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، من غير المنطقي النظر إلى مسألة السوريين المقيمين في تركيا فقط من زاوية الهجرة والأمن، أو اختزالها بمعادلة بسيطة تقوم على خيارين متعارضين وهما: لا بد أن يرحلوا، أو يجب أن يبقوا، لأن المسألة أشد تعقيداً، إذ تتداخل فيها الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، إلى جانب احتياجات سوق العمل التركي ومستقبل عملية إعادة الإعمار في سوريا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك