روسيا اليوم - منتخب المغرب يتلقى ضربتين موجعتين قبيل انطلاق كأس العالم فرانس 24 - البابا ليون يبارك "برج يسوع المسيح" في كنيسة "ساغرادا فاميليا" ببرشلونة CNN بالعربية - سماع دويّ إطلاق نار خلال احتجاج نادر للمحجبات في أفغانستان الجزيرة نت - رويترز: 3 ناقلات غاز مسال أخرى تغادر مضيق هرمز Independent عربية - وزير الدفاع البريطاني يستقيل متهما ستارمر بالتقصير في الإنفاق العسكري سكاي نيوز عربية - ليس باكستان.. ترامب يحدد بلدا لتوقيع اتفاق محتمل مع إيران روسيا اليوم - ترامب يعلن عن ضربات وشيكة لإيران ويهدد بالسيطرة على جزيرة خرج CNN بالعربية - نزولاً لطلب المدربين.. أصوات تنتظر العودة لمنافسات "The Voice Kids" إيلاف - لماذا يدفع جمهور الكرة ثمناً باهظاً لحضور بطولة كأس العالم "المُسيسة"؟ العربية نت - مقتل 23 شخصاً وإصابة 19 بهجمات لقوات الدعم السريع على الأبيض
عامة

معجم الطيوب والعطور.. رحلة في ذاكرة الروائح والبخور عبر التاريخ

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

تُعد صناعة الطيوب والعطور من أقدم الفنون التي عرفتها المجتمعات الإنسانية؛ إذ ارتبط استعمالها بالطقوس الدينية والشعائر الجنائزية، كما استُخدمت في مجالات الطب والتجميل، حتى أصبحت سلعة تجارية رفيعة القيم...

تُعد صناعة الطيوب والعطور من أقدم الفنون التي عرفتها المجتمعات الإنسانية؛ إذ ارتبط استعمالها بالطقوس الدينية والشعائر الجنائزية، كما استُخدمت في مجالات الطب والتجميل، حتى أصبحت سلعة تجارية رفيعة القيمة تدخل في صميم الاقتصاد والسياسة الدولية القديمة.

وفي كتاب" معجم الطيوب والعطور" الصادر عن دار" منشورات المتوسط" (ميلانو، إيطاليا، عام 2025)، يفتح لنا الباحث والمحقق تيسير خلف خزائن العطر والطيب كما عرفها العرب عبر قرون طويلة.

إنه رحلة في ذاكرة الروائح، يسعى عبرها المؤلف لتقديم مرجع معاصر لكل ما يخص الطيوب، كما تجلت في الحضارة العربية والإسلامية منذ بدايات التدوين في صدر العصر العباسي (750-1258) وحتى خواتيم العصر المملوكي الثاني (1382-1517).

حكاية عطرية تجمع بين المشرقينيتناول الكتاب تاريخ صناعة العطور من منظور حضاري وثقافي؛ فلا يقف المعجم عند حدود التأثيل اللغوي للألفاظ أو استقصاء خصائصها النحوية والصرفية، بل يعيد ترتيب مفردات الطيب وصناعتها كما وردت في مختلف المؤلفات العربية القديمة؛ فيعرضها ضمن سياقاتها العلمية والاجتماعية؛ سواء في بطون كتب الكيمياء والطب والصيدلة، أو في مصنفات النبات، أو حتى في معاجم اللغة والآداب والتراجم.

يعد حرق البخور أول استخدام ملموس للعطر في العالم، وهي طريقة تعود إلى نحو 4000 سنة ماضية في حضارات بلاد ما بين النهرين، حيث كان للعطر وظيفة دينية حصرية داخل المعابد.

ويرد في كتاب" إيبلا الصخرة البيضاء" (ص 55) أن" المعابد السومرية اشتهرت بوجود الكاهنات اللواتي كُنَّ يُنْتَقَيْنَ ممن يملكن الجمال والصوت الرخيم، وتقوم الكاهنة بالتطيب والتعطر وتشعل البخور في أنحاء المعبد".

وفي السياق ذاته، عثرت الحفريات الأثرية في جنوب عمان وجنوب اليمن -خاصة" مأرب" عاصمة سبأ و" شبوة" عاصمة حضرموت– على مباخر قديمة تعود لأكثر من 4 آلاف عام.

وفي حديثه للجزيرة، يوضح الأكاديمي اليمني الدكتور معاذ المحالبي أهمية اليمن القديم في هذا المجال قائلا: " تتجلى هذه الأهمية في دور هذه المنتجات في تشكيل المجال التجاري والثقافي للعالم القديم؛ حيث كانت ممالك جنوب الجزيرة العربية تتحكم في نقل اللبان العربي إلى الأسواق الرومانية بوصفه من السلع الفاخرة المرتبطة بالطقوس الدينية والسلطة والثراء".

أسهم الطلب المتزايد على اللبان والبخور في المعابد المصرية والرومانية واليونانية القديمة في جعل الممالك اليمنية أحد الفضاءات الأكثر تأثيرا في صياغة شبكات التجارة والثقافة الدوليةويلفت الكتاب إلى أن هناك مصطلحات وأسماء غير عربية رصدها المؤلف في معجمه، وبالأخص الفارسية، دخلت إلى صلب المتن العربي بالرغم من توافر المقابل المحلي.

ويعود ذلك -بحسب الكاتب- إلى القرب الجغرافي والثقافي لبغداد (عاصمة الخلافة) من بلاد فارس، إضافة إلى أن معظم المشتغلين بصناعة العطور وتركيبها كانوا من الفرس؛ فانتقلت تسمياتهم المعربة كما هي إلى المؤلفات العربية، حتى تلك التي كُتبت لاحقا في الأندلس البعيدة.

أدبيات الطيب وثورة التقطير في بغدادكان من مظاهر الاحتفال الباذخة في بغداد تهيؤ الخلفاء العباسيين للمواكب باستخدام أندر أنواع الطيب.

وعندما بلغت تجارة العطور ذروتها، أُنشئت لها أسواق خاصة سميت" أسواق العطارين"؛ ومن أشهرها" سوق بغداد"، حيث بلغ عدد أصناف العطور والعقاقير التي كانت تُستورد عبر البحر عن طريق فرضة البصرة نحو 1479 نوعا.

يسلط الكتاب الضوء على المواد الخام المستخدمة (كالأزهار والأخشاب والتوابل)، والتقنيات التي تطورت لاستخلاص الزيوت العطرية والروائح الفريدة.

فعندما أدخل العالم جابر بن حيان الكوفي (721-815) ومن تلاه من العلماء أجهزة التقطير والتصعيد، أسسوا لعهد علمي جديد ابتكر تراكيب غير مسبوقة.

وازدهرت المصنفات المتخصصة في فنون مزج الطيوب مستفيدة من جهود كبار المؤرخين؛ ومنهم ابن النديم (توفي عام 944) الذي حصر في كتابه" الفهرست" أبرز الكتب العربية في هذا المجال، ذاكرا منها 9 أعمال رئيسية؛ بينها: كتاب العطر ليحيى بن خالد، وكتاب العطر لإبراهيم بن العباس، وكتاب كيمياء العطر للفيلسوف الكندي.

وظل أثر هذه الموسوعات حاضرا من بغداد إلى سائر العواصم الثقافية في المشرق والمغرب.

صراع السيطرة على" طريق البخور"يركز تيسير خلف على أن دراسة العطور ليست مقصورة على بعدها الجمالي أو الحسي، بل تشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية تكشف عن تطور الحضارات.

ومن هنا، حازت شبه الجزيرة العربية مكانة مركزية؛ فأطلق اليونان والرومان على جنوبي الجزيرة اسم" العربية السعيدة" (Arabia Felix)، في إشارة إلى الازدهار الاقتصادي الناتج عن احتكار إنتاج وتجارة البخور والمر.

ويستشهد المؤلف بكتابات الجغرافي اليوناني سترابو والمؤرخ الروماني بليني الأكبر، مشيرا إلى أن هذه المنطقة كانت المورد الرئيسي للبخور والمر والقرفة واللاذن في العالم القديم.

وهيمن العرب منذ القدم على طرق التجارة؛ حيث يقول العلامة محمد كرد علي في كتاب" خطط الشام" (ج 4، ص 239): " تأتي القوافل حاملة من الهند الطيب والعقاقير والأفاويه".

ونشأ عن ذلك ما عُرف بـ" طريق البخور" و" طريق الحرير"، وهي مسارات برية وبحرية معقدة تخترق آسيا وتمتد من ممالك سبأ وحِميَر وقتبان وحضرموت، وتمر عبر حواضر الحجاز القديمة (معين وددان ولحيان والأنباط) وصولا إلى المراكز التجارية الكبرى في البحر الأبيض المتوسط، حيث تنيخ الجمال شحناتها عند بوابات المدن القديمة لينتشر الطيب في فيافي الصحراء وحواضر بلاد الشام.

من الهند إلى خزائن الآشوريينأشارت النصوص الآشورية القديمة إلى الأهمية الإستراتيجية لتجارة العطور؛ إذ يذكر الكتاب أن الملك الآشوري تغلات فلاسر الثالث (القرن 8 ق.

م) استولى بعد إحدى حملاته في جبال صقوري على آلاف الصرر المملوءة بالطيب والعطور كغنائم نفيسة تُقوّم على قدم المساواة مع المعادن الثمينة.

أما المؤرخ الإغريقي هيرودوت فقد أفرد مقاطع مطولة لوصف بلاد العرب وطرائقهم الأسطورية في جمع الطيوب؛ مثل رواياته عن" الأفاعي الطائرة التي يطردونها بدخان صمغ الميعة لجمع البخور، والطيور التي تُشيّد أعشاشها من القرفة".

وبرغم طابعها الخيالي، فإنها تعكس صورة العربي في المخيال الغربي القديم كصاحب أرض ثرية تحتكر أسرار الطبيعة العطرية.

وتميزت العصور الكلاسيكية بتكامل 3 شبكات تجارية عالمية جعلت من الجزيرة العربية حلقة وصل أساسية:طريق الحرير البحري القادم من الشرق الأقصى عبر الهند والخليج العربي.

طريق التوابل المنطلق من الهند وشرقي آسيا.

طريق البخور العابر من جنوب الجزيرة إلى موانئ المتوسط.

وفي التراث الهندي، يرتبط العطر بزهرة تتشكل من 64 بتلة، وهي ترمز لعدد أشكال الحب في كتاب" الكاماسوترا".

وفي حديثه للجزيرة، يقول البروفيسور الهندي عبد الغفور الهدوي كوناتدي (الأستاذ بجامعة كالكوت جنوب الهند): " تُعدّ الهند واحدة من أعظم مراكز العطور في العالم منذ آلاف السنين؛ فمنذ العصر الفيدي (حضارة وادي السند 3000 ق.

م)، استخدمت المجتمعات الزيوت الطبيعية الفاخرة كالصندل والمسك والكافور، وتوثقت من خلال هذا الزيت العطري علاقات تجارية عميقة مع العالم العربي".

تطورت صناعة العطور الهندية عبر مؤسسات تاريخية مثل شركة «غولاب سينغ جوريمال» في دلهي التي تأسست في عصر الإمبراطور المغولي أكبر شاه الثاني، ولا تزال ولاية أوتار براديش وتحديدا مدينة «قنوج» تلقب بعاصمة عطور الهند التاريخية ومنافسة لمدينة غراس الفرنسيةويلفت كوناتدي إلى أنه في العصر المغولي دخلت العطور قصور الملكات؛ وتُنسب للأميرة الشاعرة نور جهان (1577-1645) خلطة عطرية مبتكرة مركبة من تقطير أنواع معينة من الورد وزيت الصندل الصافي.

من" حلف المطيبين" إلى السنّة النبويةتجاوزت الطيوب في عصر ما قبل الإسلام (الجاهلية) كونها سلعة مادية، لتصبح جزءا من المنظومة الأخلاقية والسياسية للقبائل.

وتذكر المصادر أن مكة شهدت" حلف المطيبين"، حين وضع بنو عبد مناف وحلفاؤهم جفنة مملوءة بالطيب في جوف المسجد الحرام، فغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا على النصرة ومسحوا جدار الكعبة بأيديهم تأكيدا للعهد الأقدس.

كما ضُرب المثل بعطر امرأة عطارة تُدعى" منشم"، كان المقاتلون يغمسون أيديهم في طيبها إذا قصدوا حربا تعبيرا عن الاستماتة؛ فصار يقال" لقد دقوا بينهم عطر منشم" كدلالة على المعارك الطاحنة.

واشتهر من وجهاء قريش ممن احترفوا تجارة العطور: أبو طالب بن عبد المطلب، وأمية بن خلف.

ومن النساء: مليكة والدة السائب بن الأقرع، وأسماء بنت مخرمة (أم أبي جهل) التي كانت تبيع عطر اليمن، والحولاء بنت تويت ابنة عمومة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.

وارتبطت العطور بقوافل الحيرة (عاصمة المناذرة) وتجارة المسك والنّد والكافور، وأطلق العرب على قافلة الطيب اسم" اللطيمة"، واحتفى شعراء المعلقات في سوق عكاظ بالمسك والعنبر كعلامة على الرفعة والترف والجمال، وكان النعمان بن المنذر يبعث سنويا بـ" لطيمة" محملة بالمسك إلى عكاظ لتُعرض في أجنحة مخصصة للطيب.

ومع بزوغ فجر الإسلام، اكتسب العطر بعدا تشريعيا وتعبديا؛ إذ حث الدين على الطهارة والتطيب، وأصبح المسك من السنن النبوية المأثورة.

وثبتت نصوص عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم تُظهر حبه للطيب، منها قوله: " حُبّبت إليّ من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة".

وكان يتطيب بـ" ذكارة الطيب" (أجود المسك والعنبر)، وأشار للفوائد الطبية للعود الهندي بأن فيه" سبعة أشفية".

وفي العصور الأموية والعباسية، زاد الترف وظهرت العطور المركبة المعقدة مثل" الغالية" (المكونة من المسك والعنبر ودهن البان)، واشتهرت بها غالية الخليفة هشام بن عبد الملك، وتذكر الوثائق أن أحد خلفاء بغداد كان ينفق سنويا 100 ألف دينار لابتكار وتطوير الطيوب المجلوبة من آسيا وأفريقيا.

هندسة المعجم ووصفات الخلفاء السريّةاعتمد تيسير خلف في بناء كتابه على النظام الألفبائي (أ، ب، ت، ث… ي)، بهدف تتبع التطور التاريخي والمفهومي للمصطلح العطري والمادة الخام عبر العصور.

ويؤدي المعجم وظيفة مزدوجة؛ عرضا متسلسلا للمفردات وقراءة تاريخية متكاملة لخطوط الإنتاج.

ومن (باب الألف)، نجد وصفة دهن عطري خاص كان يُصنع للخليفة هارون الرشيد:يؤخذ صندل سليخة وسنبل وأفلنجة حمراء من كل واحد درهمان، وقرنفل وبسباسة من كل واحد درهم، وعود نصف درهم، يدق ذلك وينخل ويعجن بزنبق جيد ويبخر بالعود ويصب عليه الزنبق ويترك ثلاثة أيام حتى يرق ويفتق بكافور وجوزة وبسباسة فإنه طيب نافع جداومن (باب الغين) نجد مادة (الغوالي)، وينقل فيه المعجم عن الزبيدي وعبد القادر البغدادي أن أول من سمى" الغالية" بهذا الاسم هو معاوية بن أبي سفيان (وقيل سليمان بن عبد الملك)؛ وذلك حين دخل عليه عبد الله بن جعفر ورائحة الطيب تفوح منه، فسأله معاوية: " ما طيبك يا عبد الله؟ "، فقال: " مسك وعنبر جمع بينهما دهن بان"، فقال معاوية: " غالية" (أي ذات ثمن غال جدا).

ومن أشهرها غالية هشام بن عبد الملك (الصفراء)، والغالية الحجاجية الساهرية (نسبة للحجاج بن يوسف الثقفي).

بذلك، يمثل" معجم الطيوب والعطور" عملا موسوعيا يعيد صياغة الذاكرة الحسية والبصرية للحضارة العربية الإسلامية من بوابات روائحها الذكية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك