يعود اسم نابليون بونابرت إلى واجهة المشهد المسرحي في فرساي، من خلال عرضٍ يحمل عنوان" نابليون"، يُقدَّم يوم الاثنين المقبل، الخامس عشر من الشهر الجاري في فناء الإسطبل الكبير، ضمن فعاليات" شهر موليير".
العمل المسرحي يعيد تفكيك سيرة نابليون عبر مسارٍ أدبيٍ يضع النص في مركز التجربة المسرحية.
يقترح العرض، الذي أعدّه وأخرجه ماكسيم دابوفيّل، بنيةَ أداءٍ تقوم على ممثلٍ واحد يتنقل بين طبقات نصيةٍ متعددة، مستنداً إلى كتابات كل من شاتوبريان وفيكتور هوغو وألكسندر دوماس إلى جانب ليو تولستوي.
ويتم استحضار نابليون فيها بصيغة أبعد من شخصية تاريخية، صورة متحركة تشكّلت عبر قراءات أدبية متباينة، حملت بين طياتها التبجيل والانتقاد وإعادة التأويل، ما جعل منه موضوعاً مفتوحاً على تعدد المعاني بدل الاكتفاء بثبات المعطى التاريخي.
وتكمن خصوصية هذا الاختيار في أن النصوص المعتمدة تنتمي إلى تقاليد أدبية مختلفة في رؤيتها للتاريخ والسلطة.
فبين الكاتب الذي يقترب من الإمبراطور بكونه علامةً على تحولات كبرى في أوروبا، والكاتب الذي يقرأه من زاوية نقدية لسلطة الحرب والتوسع، تتشكل طبقاتٌ متراكبةٌ من التمثيل، ينتج منها نابليون متعدد الوجوه، يتجاوز حدود السرد الخطي نحو فضاء التأويل.
النصوص المعتمدة تنتمي إلى تقاليد أدبية مختلفة في رؤيتها للتاريخ والسلطةيكتسب العرض بعده الدلالي أيضاً من مكان تقديمه، إذ إن فرساي تشكل نقطة تقاطعٍ بين رمزية السلطة الملكية والإمبراطورية الفرنسية، وما تحمله من إرث سياسي وثقافي ممتد.
داخل هذا السياق، يبدو اختيار المكان جزءاً من البنية المعنوية للعمل، إذ يتجاور التاريخ المادي مع إعادة تخيله داخل النص المسرحي.
إلى جانب البنية النصية، يحضر البعد الصوتي عبر مشاركة عازف التشيلو ديما تسيبكين، الذي يرافق الأداء بإيقاع موسيقي خافت يشتغل كطبقة حسية موازية للكلمة، دون أن يتحول إلى عنصر مستقل أو منفصل عن السياق الدرامي.
ويعزز هذا التداخل بين الصوت والنص الطابع التأملي للعمل.
يقدّم العرض ملامح من سيرة نابليونويطرح سؤالاً عن كيفية تشكل الصورة التاريخية داخل الأدب، وكيف تتحول الشخصيات الكبرى إلى كيانات رمزية يعاد إنتاجها عبر الكتابة والذاكرة.
فبدل تثبيت صورة واحدة، يفتح العمل المجال أمام تعدد القراءات، حيث يصبح التاريخ مادة قابلة لإعادة الصياغة.
هكذا يتحول" نابليون" إلى مساحةٍ فنيةٍ لإعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والكتابة، وبين الحدث التاريخي وتمثلاته الأدبية، ضمن تجربةٍ تستعيد الماضي سؤالاً مفتوحاً أكثر منه حكاية مكتملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك