ارتبط وجدان الجمهور المصري والعربي بالفنان الراحل عبد العزيز مخيون (1946- 2026) عبر شخصيتين قدمهما مبكراً في مساره الفني الذي امتد لأكثر من نصف قرن، الأولى شخصية طه السماحي في المسلسل الملحمي" ليالي الحلمية" (1987)، للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، إذ كانت الشخصية نموذجاً لنضال الحارة الشعبية المصرية، ولحالة الوعي بهموم البلاد من خلال مقاومة الاحتلال الإنكليزي.
والشخصية الثانية هي ضابط الشرطة سالم زيدان في الفيلم الأيقوني" الهروب" (1991)، من تأليف مصطفى محرم وإخراج عاطف الطيب.
في" الهروب"، يمزق سالم زيدان الصراعُ بين الواجب والعدالة، ويعبر بوضوح عن مأزق المثقف داخل المؤسسة الأمنية.
يتطور الصراع بين الرائد سالم الذي يمثّل السلطة والقانون، ومنتصر (أحمد زكي)، الذي يمثل التقاليد والدم الصعيدي الحامي.
في عالم الدراما، ثمة لحظة فارقة يتجاوز فيها الممثل حدود الأداء ليدخل منطقة التلبس، وقد يبدو هذا نجاحاً، لكنه غالباً ما يتحول إلى أزمة تلاحق الفنان.
وبينما استكان بعضهم للشخصية التي أحبها الجمهور، رفض عبد العزيز مخيون الذي تخرج من معهد الفنون المسرحية في القاهرة، الاستسلام لسطوة هاتين الشخصيتين الناجحتين، أو حصر نفسه في قالب نمطي، واستعان بثقافته الواسعة وموهبته لتجاوز هذا التحدي.
في عام 1987، تزامناً مع عرض الجزء الأول من" ليالي الحلمية"، قدم شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي أبو داود في فيلم" بئر الخيانة" (إخراج علي عبد الخالق)، وهو دور شديد التعقيد يتطلب ممثلاً قادراً على تجسيد الشر المطلق، كما يعارض تماماً شخصية المناضل طه السماحي.
في عام 1991، تزامناً مع عرض" الهروب"، شارك عبد العزيز مخيون في فيلم" شحاتين ونبلاء" من إخراج أسماء البكري، وقدم فيه شخصية المحقق نور الدين، الذي يتتبع خيوط جريمة قتل اعترف بارتكابها البطل رغبةً منه في تدمير ذاته من فرط اليأس، لتشهد الأحداث مواجهة فلسفية بينهما حول مفهوم العدالة.
ربما ساعد مخيون أيضاً تعامله مع العديد من كبار الكتاب والمخرجين؛ ففي بداياته الأولى، عمل مع علي بدرخان في" الكرنك" (1975)، ومع يوسف شاهين في" إسكندرية ليه؟ " (1978)، و" حدوتة مصرية" (1982).
وقبل" ليالي الحلمية"، عمل مع أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ في المسلسل الشهير" الشهد والدموع" (1985)، إذ أدّى دور شخصية وحيد: المثقف الحالم الذي يحاول إنهاء العداوة بين أفراد العائلة عبر قصة حب تربط أفراد الجيل الثاني.
في 1986، قدم شخصية جابر الجبالي في فيلم" الجوع" (إخراج علي بدرخان عن رواية نجيب محفوظ)، مبرزاً قدراته على تجسيد معاناة الطبقات الفقيرة.
كما قدم عدداً من الأدوار التاريخية، من بينها شخصية عزيز مصر في مسلسل" محمد رسول الله" (1982) تأليف عبد الحميد جودة السحار وإخراج أحمد توفيق، وشخصية أبو طالب بن عبد المطلب في مسلسل" عمر" (2012) من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي.
تميز مخيون بالقدرة على إضفاء طبقات أداء متعددة على الشخصيات التي يجسدها، حتى لو كانت تبدو متشابهة.
ومن بين الجوانب التي لا يعرفها كثيرون، أنه درس الموسيقى وأجاد العزف على آلة الكمان، وربما ساعدته معرفته الموسيقية في تجسيد شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أربعة أعمال درامية هي" أمير الشعراء" (1982) من إخراج إبراهيم الصحن، ثم في مسلسل" أم كلثوم" (1999) تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي، ومسلسل" السندريلا" (2006) عن حياة سعاد حسني، من إخراج سمير سيف، ومسلسل" أبو ضحكة جنان" (2009) عن حياة إسماعيل ياسين، من إخراج محمد عبد العزيز.
كان مخيون أيضاً شغوفاً بشخصية الصحافي، وقدمها عدة مرات، بداية من مسلسل" أنا وإنت وبابا في المشمش" (1989) من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد فاضل، ثم في فيلم" امرأة آيلة للسقوط" (1992)، إخراج مدحت السباعي.
ولعلاقته بالصحافة قصة لا تروى كثيراً، إذ عمل بها في بدايات حياته، وكان ينشر في مجلات من بينها" روز اليوسف"، وله مقابلات مهمة مع شخصيات مثل لويس عوض والمعماري حسن فتحي، والشاعر نجيب سرور.
وكتب كثيراً من المقالات في النقد المسرحي.
كما كانت له علاقة طويلة بالصحافي المصري مجدي أحمد حسين، رئيس تحرير صحيفة الشعب التي كانت تصدر عن حزب العمل المعارض.
في عام 2004، تأسست الحركة المصرية من أجل التغيير" كفاية"، وكان عبد العزيز مخيون أحد أبرز مؤسسيها.
كانت" كفاية" تطالب الرئيس، حينها، حسني مبارك بترك السلطة، وترفض ترشحه لفترة رئاسية خامسة، وعارضت تولي ابنه جمال الرئاسة من بعده.
كان الانضمام إلى حركة" كفاية" تعبيراً عن مواقف مخيون السياسية الصريحة، وكان يمكن أن تؤدي إلى توقف مساره الفني، لكنه لم يهتم كثيراً بذلك، كما انضم لاحقاً إلى الفنانين المشاركين في ثورة 25 يناير، وكان حاضراً في ميدان التحرير، وفي الحراك السياسي الذي أعقب سقوط النظام.
جسّد شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أربعة أعمال دراميةفي هذه الفترة أيضاً، عرف كثيرون أن رئيس حزب النور السلفي يونس مخيون، هو خال عبد العزيز مخيون، لكنه لم يكن قريباً من هذا الحزب، بل كان يعارض توجهاته، رغم محاولات بعضهم الربط بينه وبين التيار الإسلامي خلال الفترة من 2011 حتى منتصف 2013.
في سنواته الأخيرة، قدم مخيون أدواراً مهمة أيضاً، من أبرزها تجسيد شخصية حسن الهضيبي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في الجزء الثاني من مسلسل" الجماعة" (2016)، من تأليف وحيد حامد وإخراج شريف البنداري، وشخصية" الشيخ مدين"، المتصوف في مسلسل" جزيرة غمام" (2022) إخراج حسين المنباوي.
تبرز أعمال عبد العزيز مخيون المتنوعة، التي تجاوزت الـ200 فيلم ومسلسل، التزامه العميق بالفن الجاد الذي يترك أثراً، كما تعكس مشاركته السياسية الفاعلة وعياً نادراً بين أبناء جيله، وتؤكد امتزاج حضوره الفني بالوعي السياسي والثقافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك