لم يكن شهر يونيو/حزيران من عام 2026 ليمر مرور الكرام على عواصم القرار في الشرق الأوسط؛ فالمشهد الذي تبلور في أعقاب أحداث فبراير/شباط من العام ذاته لم يدع مجالا للشك في أن قواعد الاشتباك القديمة قد وئدت تحت أنقاض الهجمات التي استهدفت قمة هرم السلطة في إيران.
إن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، في خضم مواجهة محتدمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يمثل مجرد حدث مفجع لطهران، بل شكل" نقطة تحول مجتمعية وسياسية" أعادت صياغة مفهومي العداء والتعاون في القاموس الإيراني.
واليوم، ونحن نرقب مآلات" الهدنة الهشة" القائمة، نجد أنفسنا حيال تساؤل بنيوي عميق: هل يعقل إرساء اتفاق مستدام على أرض التهمتها النيران بالكامل؟العقيدة الجديدة تحت قيادة مجتبى خامنئي: الردع الشامللقد شكل انتقال السلطة في السابع عشر من مارس/آذار 2026 صدمة للمراهنين على تهاوي الدولة الإيرانية من الداخل.
فقد برهنت سرعة التوافق داخل" مجلس خبراء القيادة" على اختيار مجتبى خامنئي، أن النظام السياسي في إيران يتمتع بقدرة فائقة على" إدارة الأزمات الوجودية".
غير أن السمة الأبرز لهذه القيادة الجديدة تكمن في التحول نحو إستراتيجية" الردع الهجومي".
فإيران اليوم لم تعد تكتفي بالذود عن حياضها، بل غدت تنظر إلى أي تهديد خارجي بوصفه فرصة سانحة لتوسيع دائرة نفوذها وقوة ردعها.
وتؤكد الخطابات الصادرة مؤخرا عن طهران أن" ثمن الدماء" لا يمكن مقايضته برفع جزئي للقيود الاقتصادية.
هذا الموقف المتصلب يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية: فإما الإقرار بإيران كقوة نووية وإقليمية مهيمنة، أو التأهب لحرب استنزاف طويلة الأمد تنوء الخزانة الأمريكية بحمل تكاليفها، لا سيما في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة.
واشنطن وتحدي" الخروج الآمن" من فخ التصعيدتجد الإدارة الأمريكية نفسها، في يونيو/حزيران 2026، في موقف لا تحسد عليه.
فالهجوم الذي نفذ في فبراير/شباط، والذي استهدف تقويض النفوذ الإيراني، أفضى إلى نتائج عكسية تماما؛ إذ توحدت أطياف التيارات السياسية الإيرانية تحت لواء" الانتقام السيادي".
وتبعا لذلك، لم تعد واشنطن تسعى خلف سراب" تغيير النظام"، كما كان يمني غلاة المتشددين في الكابيتول أنفسهم، بل أضحت تبحث حثيثا عن" قنوات اتصال خلفية" لدرء خطر الانفجار الكبير.
وتمثل الهدنة الحالية بالنسبة للولايات المتحدة مجرد" ستار دخاني" يتيح لها إعادة تموضع قواتها في المنطقة والحد من خسائرها المحتملة.
بيد أن المعضلة تكمن في أن الجانب الإيراني بات يقرأ التحركات الأمريكية بتبصر أشد، ويرفض منح واشنطن" مخرجا مجانيا" دون انتزاع تنازلات إستراتيجية، في طليعتها الانسحاب العسكري الأمريكي من مناطق النفوذ الحيوية.
اقتصاد الحرب وأمن الطاقة.
السلاح الخفيلا يستقيم تحليل الهدنة بين طهران وواشنطن بمعزل عن استصحاب وضع سوق الطاقة العالمي.
فغداة اندلاع الصراع في فبراير/شباط، شهدت أسعار النفط قفزات جنونية أنذرت بتهديد استقرار الاقتصاد الغربي.
وتدرك طهران جيدا أن إمساكها بـ" خناق الطاقة" في مضيق هرمز يعد أمضى أوراقها التفاوضية.
في المقابل، تسعى واشنطن، عبر مفاوضاتها الراهنة، إلى ضمان استمرار تدفق النفط، مقابل تخفيف غير معلن لبعض العقوبات المصرفية.
غير أن هذا" التفاهم السلعي" يظل هشا وعرضة للانهيار؛ لأن أي تصعيد عسكري مرتقب سيقفز بأسعار النفط حتما إلى مستويات تجعل من الركود الاقتصادي العالمي قدرا محتوما.
وهكذا، غدت" دبلوماسية النفط" المحرك الخفي والموجه الفعلي لطاولات الحوار في الدوحة ومسقط، حيث تسابق القوى الكبرى الزمن لتلافي انهيار اقتصادي عالمي قد يشعله صاعق الانفجار في الخليج.
محور المقاومة.
من التنسيق إلى" وحدة الساحات" الشاملةلقد تمخضت تداعيات عام 2026 عن واقع جديد تجسد في تبلور" غرفة عمليات مشتركة" تضم أذرع طهران وحلفاءها في المنطقة بصورة أكثر علانية وفاعلية.
وعليه، فإن الهدنة التي تفاوض واشنطن طهران بشأنها ستغدو بلا طائل إن لم تشمل الفصائل في العراق واليمن ولبنان.
ولئن كانت طهران تدأب على التأكيد بأن قرار هذه الفصائل ينبع من إرادتها المستقلة، إلا أن واشنطن تدرك يقينا أن مفتاح التهدئة الإقليمية قابع في أروقة القيادة بطهران.
وبات من الاستحالة بمكان فصل مسار الملف النووي عن ملف النفوذ الإقليمي؛ فالمقايضة المطروحة خلف الكواليس اليوم تتلخص في معادلة: " أمن القواعد الأمريكية مقابل وقف سياسة الضغوط القصوى".
وهذا التحول يجعل من أي اتفاق مستقبلي بمثابة" معاهدة أمنية إقليمية" شاملة، تتخطى الجغرافيا الإيرانية لتغطي خارطة النفوذ الممتدة من مضيق باب المندب، وصولا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.
دور الوسطاء في حقل الألغام السياديتضطلع كل من مسقط والدوحة وبغداد بأدوار محورية في الحيلولة دون وقوع الصدام المباشر.
بيد أن هؤلاء الوسطاء يصطدمون اليوم بـ" جدار من انعدام الثقة" غير مسبوق بين الطرفين.
ولم تعد الوساطة الراهنة ترمي إلى تقريب الرؤى الأيديولوجية، بل استحالت إلى" وساطة تقنية" غايتها إرساء نظام إنذار مبكر لتبديد سوء الفهم المتبادل.
إن أقصى ما يرتجيه الوسطاء العمانيون والقطريون من واشنطن هو التحلي بـ" واقعية سياسية" تستوعب حجم التحولات التي عصفت بإيران بعد عام 2026، وما يطلبونه من طهران، في المقابل، هو ممارسة" صبر إستراتيجي متجدد" لمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة.
غير أن المعضلة تكمن في أن" سقف المطالب" لدى كلا الطرفين قد ارتفع إلى حد جعل الوسطاء يكتفون بمجرد" إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار" عوضا عن حلها من الجذور.
خاتمة: نحو نظام إقليمي جديدسيحفظ التاريخ شهر يونيو/حزيران من عام 2026 بوصفه حقبة" الانتظار الأكبر".
فقد تجاوز النزاع بين طهران وواشنطن مسألة التفاوض حول أعداد أجهزة الطرد المركزي، أو الأرصدة المالية المجمدة، ليتحول إلى صراع محموم على" هوية النظام الإقليمي المرتقب".
فهل سيتمخض هذا المخاض عن نظام تقوده القوى الإقليمية، وفي القلب منه طهران، أم ستنجح واشنطن في استعادة هيبتها المتآكلة وترميم نفوذها المتراجع؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك