كشفت رسائل مسربة لسجناء عن فظائع وأوضاع إنسانية يوصف بعضها بـ التعذيب النفسي والجسدي، داخل زنزانات خرسانية مبنية بالكامل تحت الأرض في سجن ولاية أوكلاهوما الريفية ببلدة «ماكاليستر» الأميركية، وهي المنشأة الأمنية عالية الحراسة المعروفة برمز الوحدة «H» ويطلق عليها النزلاء اسم «المقابر» أو «الحفرة»، حسبما نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية.
تُشير المعطيات الحالية إلى أن الوحدة «H» تضم نحو 248 سجينًا يعيشون في مبنى خرساني ضخم يشبه ملجأ هائلاً مقسمًا إلى أربعة أجزاء، ويقبع معظمهم في زنزانات انفرادية بلا نوافذ بمساحة تبلغ 8 × 16 قدمًا، فيما تُعرف الزنزانات الأشد حراسة باسم «الحفرة داخل الحفرة» بمساحة 5 × 9 أقدام وتضم أسرة خرسانية، حيث يُحبس السجناء لنحو 23 ساعة يوميًا، وقد يمتد الإغلاق لأسابيع أو أشهر متواصلة دون رؤية الضوء الطبيعي.
وتُفصّل رسائل النزلاء، ومن بينهم السجين تريمان وود (46 عامًا) الذي قضى 17 عامًا في هذه الوحدة، والنزيل إدوارد سباركس الثالث (24 عامًا)، طبيعة الحياة في الأسفل، حيث يصفونها بالعيش في كهف رطب ومظلم يتسبب بفقدان الإحساس بالوقت والتعرض لظروف صحية بائسة جراء انتشار القوارض، والثعابين، والحشرات التي تتجمع حول صواني الطعام.
كما نقلت الرسائل اتهامات لحراس السجن بتعمد رش السجناء برذاذ الفلفل، وترك فضلات بشرية، وحرمان بعضهم من الاستحمام لمدد بلغت 50 يومًا بالتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي.
أكد السجناء في خطاباتهم أن العزلة الطويلة وغياب أشعة الشمس والتهوية المناسبة تدفع بالنزلاء نحو الجنون والانهيار العصبي الحاد.
وفي هذا الصدد، أوضح السجين جوشوا دوكينز، الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا ويقضي حكمًا بالمؤبد، أن الإدارة تعاقبه على انهياره وتمنع عنه الرعاية النفسية أو الأدوية الكافية وسط تفاقم الهلاوس السمعية والأفكار الانتحارية.
وأفاد النزلاء بتكرار حالات محاولات الانتحار جرّاء الإهمال الطبي، حيث سُجلت حالة وفاة لسجين حاول إنهاء حياته ثلاث مرات متتالية دون مجيب لنداءاته.
ووصف وود الأجواء في فناء السجناء المرضى تأديبيًا ونفسيًا بأنها تشبه المصحات العقلية القديمة نتيجة الصراخ المستمر وركل الأبواب وانبعاث الروائح الكريهة، مقرًا بأنه وزميله سباركس فكرا بالانتحار وعانيا من اكتئاب حاد وتدمير للصحة النفسية والعقلية بشكل لا يمكن إصلاحه.
تضمنت الرسائل شهادات حول تفشي مظاهر العنف الجسدي والاعتداءات الجنسية والاغتصاب داخل الزنزانات المشتركة نظرًا لضيق المساحة، وسط اتهامات مباشرة لموظفي السجن بالتواطؤ وتجاهل الاستغاثات.
وأفاد السجين سباركس بأنه شاهد نزلاء يُسحبون من زنزاناتهم ينزفون جرّاء الاعتداءات الجنسية دون أي تدخل تدبيري من الإدارة، مشيرًا إلى أنه كان يفضل أحيانًا البقاء في الزنزانات الانفرادية الأشد حراسة رغم قسوتها لتجنب التعرض للاعتداء من السجناء الآخرين أثناء النوم.
من جهتها، صرحت الدكتورة سوندرا كروسبي، أستاذة الصحة العامة بجامعة بوسطن والخبيرة في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، بأن حرمان السجناء من ضوء الشمس يعد شكلاً من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والتعذيب المهين الذي يسبب ارتباكًا وفقدانًا للإحساس بالذات.
وشبهت كروسبي، الأسلوب بما كان يُستخدم في المواقع السوداء التابعة للمخابرات المركزية CIA في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر.
ومن جانبه، أشار راندي باومان، ممثل الاتحاد الأميركي للحريات المدنية (ACLU) في أوكلاهوما، إلى أن احتجاز النزلاء في بيئة خرسانية ضيقة أشبه بـ الدفن حيًا، ويتسبب بأضرار عقلية وجسدية دائمة.
وتعود الانتقادات الموجهة للمنشأة -التي اكتمل بناؤها عام 1991 عقب أعمال شغب شهدها السجن عام 1973- إلى عام 1994 حين أدانتها منظمة العفو الدولية.
ورغم تهديدات الاتحاد الأميركي للحريات المدنية بمقاضاة السجن عام 2019، والتي أسفرت عن نقل محكومين بالإعدام من بينهم النزيل وود الذي نال عفوًا مؤخرًا ونُقل لمركز ألين غامبل، إلا أن السلطات أعادت بعضهم لاحقاً بذريعة الإجراءات التأديبية.
وتشير إحصاءات منظمة «سوليتاري ووتش» إلى أن الولايات المتحدة تحتجز نحو 6% من إجمالي سجنائها البالغ عددهم أكثر من مليون في العزل الانفرادي المطول بناء على توجيهات إدارية من مسؤولي السجون وليس بأحكام قضائية، في وقت باتت فيه الزنازين المغمورة تحت الأرض نادرة وجرى إيقاف معظمها تاريخيًا كسجن «ألكاتراز».
في المقابل، نفت إدارة الإصلاحيات في ولاية أوكلاهوما صحة هذه الروايات والاتهامات الواردة في رسائل النزلاء، واصفة الإدعاءات بأنها غير دقيقة.
وأكدت الإدارة، في بيان، التزامها التام بجميع قوانين الولاية والقوانين الفيدرالية في إيواء ورعاية النزلاء، مشددة على أنها تولي أهمية بالغة لسلامة وأمن الموظفين والمسجونين على حد سواء.
وأضافت الإدارة أن طواقمها الفنية تتعامل فورًا مع أي مشكلات تتعلق بالصيانة لضمان جاهزية وسلامة المرافق، وأن الموظفين مطالبون باتباع المعايير والسياسات المعتمدة، معالجة أي انحرافات أو انتهاكات فور اكتشافها لضمان الامتثال والمساءلة.
من جهته، شدد مركز معلومات عقوبة الإعدام على أن هذه الادعاءات خطيرة وتستدعي التدقيق عن كثب للتأكد من مدى إيفاء مسؤولي السجون بالتزاماتهم الدستورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك