تُعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدة من أقدم الكنائس الرسولية في العالم، حيث بدأت رحلتها من مدينة الإسكندرية في القرن الأول الميلادي، عندما قدم القديس مارمرقس الرسول عام 61م ليؤسس أول نواة للمسيحية في مصر.
وتحكي المصادر التاريخية أن بداية الكرازة جاءت من موقف بسيط، حين التقى مارمرقس بالإسكافي أنيانوس، الذي أصبح لاحقًا أول أسقف للإسكندرية بعد إيمانه، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الإسكندرية مركزًا روحيًا مهمًا، واحتضنت الكرسي المرقسي لعدة قرون رغم فترات الاضطهاد التي شهدتها الكنيسة.
القاهرة تستقبل الكرسي المرقسيمع تأسيس مدينة القاهرة في العصر الفاطمي عام 969م، وتحولها إلى مركز سياسي وتجاري، بدأ انتقال الكرسي المرقسي إليها.
وكان ذلك في عهد البابا خريستوذولوس (البطريرك 66)، الذي نقل المقر البابوي إلى كنيسة السيدة العذراء المعلقة بمصر القديمة.
وظلت الكنيسة المعلقة مقرًا رسميًا للباباوات لفترة طويلة، حيث تُعد من أقدم الكنائس الباقية في مصر، وتميزت بطرازها المعماري الفريد، ما جعلها شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الكنيسة.
حارة زويلة.
محطة جديدة في قلب القاهرةفي القرن الرابع عشر، انتقل الكرسي المرقسي إلى كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة، في خطوة تعكس استمرار تطور المقر البابوي داخل القاهرة.
وشهدت هذه الكنيسة طقوسًا واحتفالات دينية كبيرة، وكانت مركزًا دينيًا مهمًا، حيث ارتبطت بالمناسبات الكنسية الكبرى، واحتضنت العديد من الفعاليات الروحية التي عكست قوة الحضور القبطي في المجتمع.
حارة الروم.
زمن الاستقرار النسبيمع القرن السابع عشر، انتقل الكرسي المرقسي مرة أخرى إلى كنيسة السيدة العذراء المغيثة بحارة الروم، في منطقة الغورية بالقاهرة.
وجاء هذا الانتقال في إطار التغيرات التي شهدتها البلاد، حيث أصبحت الكنيسة تسعى إلى توفير بيئة أكثر استقرارًا لممارسة نشاطها الديني والاجتماعي، مع الحفاظ على دورها الروحي وسط التحديات المختلفة.
الأزبكية.
مرحلة الانفتاح والتحديثفي أواخر القرن الثامن عشر، شهدت الكنيسة نقلة جديدة بنقل الكرسي المرقسي إلى الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالأزبكية، في عهد البابا مرقس الثامن.
وجاء إنشاء هذه الكنيسة بدعم من شخصيات بارزة في الدولة آنذاك، ما يعكس طبيعة العلاقة بين الكنيسة والمجتمع، كما مثّلت هذه المرحلة بداية انفتاح أكبر للكنيسة على التطورات العمرانية في القاهرة.
العباسية.
الكاتدرائية الكبرىفي القرن العشرين، انتقل الكرسي المرقسي إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، التي أصبحت المقر البابوي الرئيسي منذ عام 1971.
وشهدت هذه الكاتدرائية العديد من الأحداث التاريخية، من بينها تجليس البابا شنودة الثالث، ثم البابا تواضروس الثاني، إلى جانب صلوات التجنيز لكبار الباباوات، ما جعلها مركزًا روحيًا وتاريخيًا مهمًا للأقباط في مصر.
العاصمة الجديدة.
محطة العصر الحديثومع تطور الدولة المصرية، انتقلت الكنيسة إلى مرحلة جديدة بافتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح في العاصمة الجديدة عام 2019، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وقداسة البابا تواضروس الثاني.
وتُعد هذه الكاتدرائية الأكبر في الشرق الأوسط، حيث تمتد على مساحة ضخمة وتستوعب آلاف المصلين، كما تضم مرافق متعددة تشمل قاعات ومكاتب إدارية ومتحفًا لتاريخ الكنيسة القبطية.
ويمثل هذا الانتقال خطوة تعكس تطور الكنيسة وتواكبها مع رؤية الدولة الحديثة، حيث أصبحت العاصمة مركزًا جديدًا للحياة السياسية والدينية في مصر.
رحلة مستمرة بين التاريخ والتجديدتعكس رحلة الكرسي المرقسي عبر هذه المحطات المختلفة تاريخًا طويلًا من التكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية، حيث لم يكن الانتقال مجرد تغيير مكان، بل كان استجابة لظروف كل مرحلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك