يافع نيوز – د.
عبدالله عبدالصمد.
هذا ليس حواراً جرى في جلسة واحدة، ولا هو رد فعل على حدث عابر، بل هو خلاصة نقاشات طويلة ومتفرقة دارت خلال الأشهر الخمسة الماضية بيني وبين رفاق درب جمعتنا سنوات النضال الجنوبي المتواجدين في الرياض؛ منذ أيام الحراك السلمي الجنوبي، مروراً بالمقاومة الجنوبية، وحتى مرحلة المجلس الانتقالي الجنوبي.
رفاق شاركنا معهم الحلم نفسه، وسرنا معاً في طريق طويل من المعاناة والتضحيات والتشرد والأمل.
اختلفت رؤانا اليوم حول بعض القضايا، لكن ما جمعنا بالأمس ما زال أكبر من أي خلاف سياسي طارئ.
في تلك الحوارات المتكررة كانت القضية الجنوبية حاضرة، وكانت الرياض حاضرة، وكان مستقبل الجنوب هو السؤال الأكبر الذي يعود في كل مرة بصيغة مختلفة.
علينا ألا نعادي السعودية.
ومن قال إننا نعادي السعودية؟ ومتى كان ذلك؟ألم نرسل إليها الرسائل منذ انطلاق تجمع تاج والحراك السلمي الجنوبي؟ ألم نقل في كل مراحل نضالنا إن الجنوب يمثل عمقاً استراتيجياً لأمنها واستقرارها؟ألم يبعث الرئيس الجنوبي الراحل علي سالم البيض برسائل التهنئة في مختلف المناسبات، ويطلب دعم شعب الجنوب في استعادة دولته؟ ألم تُرفع أعلام السعودية وصور قادتها في ساحات الحراك السلمي الجنوبي وفي ميادين المقاومة؟ ألم تمتلئ بيانات المجلس الانتقالي الجنوبي بعبارات الشكر والتقدير للسعودية قيادةً وشعباً؟ ألم يقل القائد عيدروس الزبيدي يوماً: “نحن جنود للملك سلمان يوجهنا حيث يريد”؟باركنا منذ اللحظة الأولى عاصفة الحزم.
وذهب الرئيس الجنوبي علي سالم البيض إلى الرياض، وكنت مرافقاً له وحاضراً.
كما سافر عيدروس الزبيدي وقيادات جنوبية عديدة إلى الرياض.
كنا دائماً نبحث عن الشراكة مع السعودية، ولم نكن يوماً نبحث عن الخصومة معها.
لقد طرح الرئيس البيض في الرياض دعم قضيتنا، وكذلك فعل القائد عيدروس الزبيدي، وكان الجواب دائماً:“أتينا لتحرير صنعاء من الحوثيين، وأتينا لعودة الشرعية إلى صنعاء.
أما الجنوب وقضيتكم ومطالبكم، فهذا شأن يخصكم ولن نتدخل فيه.
”لكن المفتاح في الرياض، ولا يمكن أن تأتي الدولة الجنوبية دون الرياض.
إذا كان الأمر كذلك، فما الذي لم يقدمه الجنوبيون؟ألم يكن الجنوبيون الحليف الأكثر وفاءً طوال السنوات الماضية؟ ألم تتكرر عبارات الشكر والتقدير للسعودية في خطابات القيادات الجنوبية؟ ألم يؤجل الجنوبيون كثيراً من استحقاقات قضيتهم الوطنية مراعاة لأولويات الحرب ومواجهة الحوثيين؟وماذا عن اتفاق الرياض الأول والثاني؟وماذا عن الشراكة المفروضة علينا في الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي؟وماذا عن استقبال من لا يملكون أرضاً أو قوة على الواقع ليحكموا معنا الجنوب؟ألم يقاتل أبناء الجنوب في جبهات مختلفة دفاعاً عن المصالح المشتركة؟الوضع تغير، وهناك اليوم فرصة جديدة، والسعودية تقول إنها ستكون مع ما يتفق عليه الجنوبيون.
سمعنا هذا الكلام منذ أشهر.
وقيل إن التحضيرات مستمرة، لكننا لم نرَ شيئاً واضحاً حتى الآن.
أنا لا أختلف مع فكرة الحوار من حيث المبدأ، لكنني أخشى أن يتحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، وإلى أداة لشراء الوقت بدلاً من معالجة جذور القضية الجنوبية.
وقد تحاور أبناء الجنوب سابقاً، وكان هناك لقاء تشاوري خرج بميثاق وطني جنوبي، وأبقى الباب مفتوحاً أمام الآخرين.
أنت متشائم أكثر من اللازم.
لكنني أنظر إلى ما يحدث على الأرض.
أرى أن الجنوب يزداد تعقيداً، وأرى أن الحديث عن الحوار يتجمد بينما تتراجع القضية الوطنية إلى الخلف.
من الحوار الوطني إلى الحوار المناطقيعندما بدأ الحديث عن الحوار، قيل لنا إنه حوار جنوبي شامل لكل القوى والمكونات والشخصيات الوطنية.
ثم بدأنا نسمع شيئاً مختلفاً.
قيل إن الأحزاب والمكونات السياسية يجب أن تبتعد.
ثم قيل إن الحوار سيكون عبر منسقيات المحافظات والتشكيلات الاجتماعية والشخصيات المستقلة.
فأين البعد الوطني للقضية؟وأين القوى السياسية التي حملت القضية لعقود؟وأين المكونات التي دفعت أثماناً باهظة من أجلها؟هل أصبحت القضية الجنوبية مجرد قضية محافظات ومناطق؟المطلوب توسيع المشاركة وعدم احتكار التمثيل.
لا أحد يرفض المشاركة الواسعة.
لكن توسيع المشاركة شيء، وإلغاء الحامل السياسي للقضية شيء آخر.
فالقضايا الوطنية لا تُدار بمنطق التوزيع المناطقي، بل بمنطق المشروع الوطني الجامع.
المجلس الانتقالي والقائد عيدروس الزبيديكيف يمكن إقناع الشارع الجنوبي بأن هذا الحوار يمثل إرادته بينما يتم تجاوز القوى التي يعتبرها جزء كبير من الجنوبيين ممثلة له؟كيف يمكن الحديث عن حوار جنوبي بينما يرى كثيرون أن الرياض لا تريد المجلس الانتقالي ولا تريد القائد عيدروس الزبيدي في صدارة المشهد؟أليست هذه مفارقة تستحق التوقف عندها؟لكنها أيضاً ليست منفصلة عن واقعها السياسي.
فإذا كان ملايين الجنوبيين يرون أن المجلس الانتقالي يمثل قضيتهم في هذه المرحلة، فهل يمكن تجاوز هذه الحقيقة؟وهل يُبنى التوافق بإقصاء من يملك الحضور الشعبي أم بالحوار معه؟أخشى أن يكون المطلوب ليس حل القضية الجنوبية، بل إعادة تشكيل المشهد الجنوبي نفسه، بعد قصف القوات السعودية لقواتنا في الوادي والصحراء، والإصرار على حل المجلس.
وأخشى أن يكون الهدف تفريغ القضية من مضمونها الوطني والسياسي وتحويلها إلى ملف إداري يمكن احتواؤه وإدارته.
إن استمرار بعضكم في استفزاز الشارع الجنوبي، وفي الحديث المتكرر عن حل المجلس الانتقالي، لم يؤدِّ إلى إضعافه كما تتوقعون، بل زاد من شعبيته.
أنتم ترون الملايين التي تخرج في مختلف المحافظات لتفويضه وتعلن رفضها لأي محاولة لحله أو تجاوزه.
فكيف تقرؤون هذه الرسائل الشعبية؟إنها حالة من الصدمة، وستتلاشى الأمور مع الوقت.
لكن هل تستطيعون إيجاد بديل حقيقي أو حامل سياسي آخر للقضية الجنوبية؟من خلال الحوار الجنوبي ـ الجنوبي.
في تجارب الشعوب والدول عبر التاريخ، كانت هناك دائماً قوة أو حركة سياسية تتصدر المشهد؛ سواء في حركات التحرر من الاستعمار، أو مقاومة الاحتلال، أو الثورات التي أسست أنظمة جديدة.
هذه القوى هي التي تقود عملية بناء الدولة، ثم تتوسع دائرة الشراكة السياسية لاحقاً.
أما فكرة بناء مشروع وطني من خلال حوار يضم آلاف الأشخاص والمكونات المتباينة دون وجود مركز سياسي واضح، فهي تجربة يصعب تصور نجاحها.
إذا كنا نحن، برغم سنوات النضال المشترك والعلاقات القديمة، لم نتفق حتى الآن على آلية استعادة الجنوب وطريقة إدارة المرحلة المقبلة، فكيف يمكن الوصول إلى توافق شامل بين كل هذه الأطراف والتيارات المختلفة؟أنتم اليوم تتحدثون باسم الحوار.
كنتم جزءاً من مكونات سياسية معروفة، وكانت لكم حوامل سياسية واضحة.
أما اليوم فقد أصبح معظمكم أفراداً لا يمثلون إلا أنفسهم بعد أن خرجتم من تلك الأطر السياسية.
كيف يمكن لأفراد أن يمنحوا الشرعية لقضية بحجم قضية الجنوب؟إن الأغلبية منكم قالت في الرياض إنها لم تكن على علم بموافقة الرياض على استعادة الوادي والصحراء.
لكن بصراحة، وكما أعرفكم وتعرفونني، فإن جميعكم كتب وصرح بأنه مع استعادة أرضنا.
ولو افترضنا أن أبا قاسم قال لكم إن القرار اتُّخذ دون علم الرياض، هل كنتم سترفضون؟خمسة أشهر وأنتم في الرياض.
متى ستعودون إلى عدن، وحضرموت، وسقطرى، والضالع، ولحج، وأبين، وشبوة، والمهرة؟الأمور طيبة، ووجودنا هنا ضروري لإنجاح الحوار.
وعن طريق المزاح قلت لهم اخاف ان تكون ضيافة إجبارية طويلة لا تقل عن عامين.
وتكونون كباش فداء لمرحلةلكن الوطن هو المكان الطبيعي لأي حوار جنوبي.
ونبض الشارع في الجنوب أقرب إلى فهم الناس من أي قاعة اجتماعات خارج البلاد.
عندما تعودون إلى الوطن سنلتقي من جديد.
وربما تكونون أكثر حرية في التعبير عما رأيتموه وما لمستموه خلال هذه الأشهر.
لقد عرفتكم صادقين، خصوصاً أولئك الذين خاضوا النضال في ساحات الشرف والاستبسال، ولذلك أقول إن لنا حديثاً آخر عند عودتكم.
وعندما سألت عن أولئك الذين انبطحوا بشكل مؤسف، قال الرفاق:هؤلاء لديهم ضعف في الإيمان بالقضية، وأغلبهم تسلقوا على قضيتنا بعد عام 2015.
الخدمات والمسؤولية السياسيةثم انتقل الحديث إلى أوضاع الناس في الجنوب.
ألا ترون أن الخدمات تتدهور يوماً بعد آخر؟وألا ترون حجم المعاناة التي يعيشها المواطن بسبب انهيار الكهرباء والخدمات الأساسية وتراجع قيمة الرواتب؟في السابق كان كثيرون يحملون المجلس الانتقالي مسؤولية كل فشل يحدث.
أما اليوم، فالانتقالي لم يعد شريكاً في الحكومة ولا في مجلس القيادة الرئاسي بالصورة التي كان يُتهم بسببها بتحمل تلك المسؤوليات.
فمن يتحمل المسؤولية الآن؟ما زالت القوى الشمالية تعبث بالجنوب وتعرقل كثيراً من الملفات.
إلى جانب الاختيارات الخاطئة في الحكومة والرئاسيلكن الواقع اليوم يقول إن المخرج والوكيل والمرجعية السياسية واحدة بالنسبة للجميع.
الحكومة، ومجلس القيادة الرئاسي، ومعظم الأدوات السياسية والعسكرية الفاعلة، جميعها تعمل ضمن الإطار الذي ترعاه الرياض.
وبالتالي فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار هذا الوضع لا يمكن فصلها عن السعودية باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً في المشهد.
الرياض تدعم، لكنها لا تتدخل في قرارات مجلس القيادة الرئاسي أو الحكومة.
هذا تفسير يُطرح كثيراً، لكن المواطن البسيط لا ينظر إلى التفاصيل بهذه الطريقة.
هو ينظر إلى النتيجة النهائية على الأرض.
وعندما تستمر الأزمات والخدمات في التدهور، فإنه يبحث عن الجهة القادرة على التأثير والتغيير، لا عن الجهة التي تتبادل التفسيرات مع الآخرين.
فالقضايا الكبرى لا تُحسم بعيداً عن الناس، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا انفصل عن الشارع الذي يدّعي تمثيله.
إضافة رأيت انها ضرورية هنافي الأمس عندما رأى صديقي من الرياض الاعتقالات التي حدثت في عدنارسل لي رسالة على الواتساب قال فيها بالحرف الواحد:أسوأ من قوات عفاش …عاد ذاك الزمان.
قهري على التضحياتفي نهاية تلك الحوارات الطويلة، لم أخرج بعداء لأحد.
وللانصاف هناك مازال البعض ثبات وصامدولم أخرج بقناعة أن الجنوب يجب أن يدخل في خصومة مع السعودية.
بل خرجت بقناعة أكثر رسوخاً بأن الصراحة مع الأشقاء هي الطريق الأقصر لبناء الثقة.
وما يجمعنا من المصالح والتاريخ والجغرافيا والأمن المشترك أكبر من أي خلافات.
ولم يكن الجنوبيون في يوم من الأيام أعداءً للسعودية.
لكن على الرياض أيضاً أن تقرأ الواقع كما هو.
فالجنوب اليوم ليس مجرد ملف سياسي، بل قضية شعب وإرادة وهوية وتطلعات لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها.
وما زلت أؤمن أن الطريق إلى التفاهم لا يمر عبر مهرجانات سياسية واسعة تُسمى حواراً جنوبياً ـ جنوبياً، بينما تتعدد فيها الأجندات وتتباين المرجعيات، بل عبر حوار سعودي ـ جنوبي صريح ومسؤول يعترف بالحقائق القائمة، ويحترم الإرادة الشعبية، ويبحث عن المصالح المشتركة للطرفين.
أما الجنوب، فبرغم كل ما يقال عن الانقسامات، فإنه أكثر اتفاقاً مما يظن البعض.
قد نختلف في الوسائل والاجتهادات السياسية، لكننا نتفق على الثوابت الكبرى، ونتفق على أن الجنوب قضية شعب ومستقبل.
ولهذا قلت لرفاق الدرب في نهاية نقاشاتنا:قد تختلف قراءاتنا للمرحلة، لكن القضية التي حملناها معاً لم تتغير.
أنتم تراهنون على أن المفتاح في الرياض، ونحن نرى أن المفتاح يبدأ من إرادة الناس على أرضهم.
وربما تكشف الأيام أن الحقيقة تحتاج إلى الأمرين معاً؛ شراكة صادقة مع الأشقاء، وإرادة وطنية لا تتنازل عن حقها في تقرير مستقبلها.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع:هل يبدأ الحل من الرياض أم من إرادة الجنوب؟أما أنا، وبعد سنوات طويلة من النضال والحلم والانتظار، فما زلت أؤمن أن الشعوب هي التي تصنع مصيرها، وأن الأوطان قد تتأخر ولادتها، لكنها لا تموت ما دام في أبنائها من يؤمن بها ويحمل قضيتها جيلاً بعد جيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك