الوصال ــ استعرض شبيب الكلباني، أخصائي التغذية بوزارة الصحة، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع الإعلامي سالم العمري، جملة من القضايا المرتبطة بالأنظمة الغذائية المتداولة، محذرًا من الانسياق وراء العناوين البراقة والمحتوى المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي من غير الرجوع إلى الأسس العلمية والمصادر الصحية الموثوقة.
وأوضح أن الاهتمام بالتغذية والصحة أمر بالغ الأهمية، غير أن المرحلة الأخيرة شهدت انتشار مقاطع ومنشورات تروج لأنظمة غذائية معينة على أنها حلول ناجعة وسريعة، في حين أن بعضها قد يكون مضرا بصورة كبيرة، وقد يقود في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة.
وأوضح الكلباني أن من بين الأنظمة التي أثارت جدلًا واسعًا في الفترة الأخيرة ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، مبينًا ــ وفق ما فهمه من مضمونه المتداول ــ أنه يقوم على تقسيم الأطعمة إلى فئتين؛ أطعمة «مسموحة» تعد ــ بحسب مروجيه ــ سهلة الهضم، وأخرى «خبيثة» أو ضارة، كما يتضمن نوعًا من الصيام المتقطع، إلى جانب توصيات أخرى مثل الاكتفاء بالشرب عند الحاجة فقط.
وأضاف أن هذا النظام يبيح تناول بعض الأطعمة مثل اللحوم والخبز، في مقابل منع طيف واسع من الخضروات وغيرها من الأصناف الغذائية، وهو ما يراه إشكالًا كبيرًا من المنظور التغذوي.
وأكد أن الامتناع عن هذا القدر من الأغذية يحرم الجسم من فيتامينات ومعادن أساسية، وأن كثيرًا من الحجج التي تطرح لتبرير هذا المنع لا تستند ــ بحسب اطلاعه كممارس وأخصائي تغذية ــ إلى أدلة أو براهين علمية واضحة.
وأشار شبيب الكلباني إلى أن بعض ما يطرح حول هذا النظام قد يبدو في ظاهره إيجابيًّا، مثل تقليل المصنعات أو إراحة المعدة، غير أن الجانب الأخطر فيه يكمن في الحرمان الغذائي الناتج عن منع معظم الخضروات والأصناف الغنية بالعناصر الدقيقة.
وأوضح أن الامتناع عن الخضروات الورقية الخضراء مثلًا قد يؤدي إلى نقص في فيتامين «ك» والحديد ومجموعة فيتامينات «ب»، وهي عناصر تدخل في عدد كبير من العمليات الأيضية في الجسم.
كما لفت إلى أن هذا النظام قد يقود، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى استهلاك مفرط للدهون المشبعة، وهو ما يرفع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خاصة أن التوصيات العلمية العالمية تشدد على ألا تتجاوز الدهون المشبعة نسبة محددة من مجموع السعرات الحرارية اليومية.
وأضاف أن من أخطر ما يرافق بعض الطروحات المتعلقة بهذا النظام تشجيع المرضى على التوقف عن الأدوية الموصوفة لهم من قبل الأطباء، سواء أدوية السكري أو علاجات أمراض الكلى أو غيرها من الأمراض المزمنة، مؤكدًا أن مثل هذا التصرف، إذا جرى من دون متابعة طبية وفحوصات مخبرية وتشخيص دقيق، قد يقود إلى مضاعفات شديدة وربما إلى العناية المركزة أو الوفاة.
وأوضح أن من يعانون من السكري أو الفشل الكلوي أو غيرهما من الأمراض المزمنة لا يمكن أن يبنوا قراراتهم الصحية على نظام غذائي غير متوازن أو على محتوى غير موثق على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن التداخل بين الدواء والغذاء في هذه الحالات شديد الحساسية ويحتاج إلى إشراف طبي مباشر.
وأشار الكلباني إلى أن الحديث عن هذا النظام لا يستهدف شخصًا بعينه أو فكرة بعينها بقدر ما يستهدف توعية الناس بمخاطر «الصرعات» الغذائية التي تظهر بين فترة وأخرى، مؤكدًا أن الحكم النهائي على أي نظام غذائي يجب أن يستند إلى دراسات علمية وأدلة موثوقة، لا إلى الانطباعات الفردية أو الانتشار الواسع على المنصات الرقمية.
وأضاف أن أي نظام يمنع طيفًا كبيرًا من الخضروات والفواكه التي تعرف فوائدها المثبتة في تنظيم السكر، وتخفيف الوزن، وتحسين الإخراج، ودعم الصحة العامة، هو نظام يبعث على القلق من منظور علمي، ويحتاج إلى تمحيص شديد قبل أن يروج له أو يتبعه الناس.
وتحدث أخصائي التغذية بوزارة الصحة شبيب الكلباني ضمن برنامج «منتدى الوصال» عن السمنة بوصفها واحدة من القضايا الأوسع التي تدفع بعض الناس إلى البحث عن حلول سريعة أو أنظمة قاسية، موضحًا أن الحكم على السمنة يبدأ من «مؤشر كتلة الجسم»، وهو الوزن مقسومًا على مربع الطول، فإذا تجاوز هذا المؤشر حدًا معينًا عُد الشخص مصابًا بالسمنة.
وأشار إلى أن الأمر لا يتعلق بالكبار فقط، بل يمتد كذلك إلى الأطفال، مع فارق أن تقييم الأطفال يتم عبر الرسوم البيانية والمؤشرات العمرية الخاصة بالنمو.
وأوضح في الوقت نفسه أن بعض الأشخاص قد يكون مؤشر كتلة الجسم لديهم مرتفعًا بسبب الكتلة العضلية العالية لا بسبب تراكم الدهون، كما هو الحال لدى بعض الرياضيين، لذلك فإن التقييم يحتاج دائمًا إلى فهم كامل لطبيعة الجسم ونمط الحياة، لا إلى قراءة رقمية مجردة فقط.
وأضاف أن ما يسمى أحيانًا بالسمنة «الوراثية» لا يلغي حقيقة أن العوامل البيئية تظل العامل الأكبر في معظم الحالات، مثل طبيعة الغذاء، وقلة الحركة، والعادات اليومية، وميل كثير من الناس إلى تناول كميات كبيرة من النشويات والدهون والوجبات الجاهزة.
وأكد أن البيئة الغذائية في كثير من البيوت والمطاعم باتت تنتج فائضًا واضحًا في السعرات الحرارية، وهو ما يظهر بوضوح في كميات الأرز والخبز والمقبلات والصلصات التي تقدم في الوجبة الواحدة.
وبيّن الكلباني أن البداية الصحيحة لأي شخص يريد تخفيف وزنه لا تقوم على المنع المفاجئ أو الحذف الكامل لأصناف غذائية بعينها، لكنها تبدأ من التوازن وإعادة ضبط الكمية.
وأوضح أن المشكلة ليست في الأرز أو الخبز في حد ذاتهما، وإنما في الكميات الكبيرة المعتاد تناولها يوميًّا، خاصة في الوجبات الرئيسية.
وضرب مثالًا بالأرز الذي يقدم في المطاعم، مؤكدًا أن الكمية التي تقدم لشخص واحد تكفي في كثير من الأحيان لعدة أشخاص من منظور احتياج الجسم الفعلي.
وأضاف أن الشخص الذي يتناول صحنًا كاملًا من الأرز يمكنه أن يبدأ بتقليل الكمية تدريجيًّا إلى ثلاثة أرباع الصحن، ثم إلى النصف، ثم إلى الربع مع الوقت، بدلًا من محاولة التوقف الكامل من البداية، لأن التدرج يجعل الالتزام أسهل ويمنع الارتداد السريع إلى العادات القديمة.
وأشار إلى أن الصيغة الأبسط للطبق المتوازن تقوم على أن يكون ربع الصحن من النشويات مثل الأرز أو البطاطا أو الخبز، وربعه الآخر من البروتين مثل اللحم أو الدجاج أو السمك أو البقوليات، فيما يخصص النصف المتبقي للخضروات والسلطات.
وأوضح أن الخضروات الورقية والطماطم والخيار والجرجير والفجل وغيرها من الأصناف المتوفرة محليًّا يمكن أن تؤدي هذا الدور، خاصة إذا اعتاد الناس إدخالها تدريجيًّا إلى وجباتهم اليومية.
ولفت إلى أن الأسواق الكبرى أصبحت توفر أصنافًا متنوعة من الخضار والفواكه، غير أنه شدد على أهمية تشجيع المنتج المحلي لما يتمتع به من حداثة وقيمة غذائية أفضل في كثير من الأحيان.
وفي ما يتعلق بالمقارنة الشائعة بين الخبز والأرز، أوضح شبيب الكلباني أن المسألة لا تحسم على أساس «الحذف» الكامل لصنف والإبقاء على آخر، بقدر ما ترتبط بالكمية والنوعية.
وبيّن أن الخبز الأبيض منزوع منه كثير من العناصر الغذائية مقارنة بالخبز المصنوع من الحبوب الكاملة أو المضاف إليه النخالة، في حين أن النوع الكامل أكثر فائدة بسبب احتوائه على الألياف والفيتامينات والمعادن، فضلًا عن قدرته الأكبر على الإشباع.
لكنه عاد وأكد أن الكمية تظل العامل الأكثر أهمية، لأن استهلاك كميات كبيرة من الخبز أو من الأرز سيؤدي في النهاية إلى فائض في السعرات الحرارية، مهما اختلف الشكل الغذائي.
كما لفت إلى أن بعض أنواع الخبز الشعبي مثل البراتا تحتوي على نسب أعلى من الدهون، ما يستدعي الانتباه إلى الكمية وطريقة التحضير معًا.
وأضاف خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن كثيرًا من الناس يغفلون أثر الصلصات المرافقة للوجبات، مثل الكاتشب وأنواع الـ«ساوس» المختلفة، إذ تحتوي كثير من المنتجات المتداولة في الأسواق على سكريات مضافة بنسب مرتفعة، وهي سكريات لا يشعر بها المستهلك غالبًا لأنها مموهة بطعم مالح أو حامض أو حار.
وأكد أن قراءة الملصقات الغذائية أصبحت ضرورة، لأن بعض هذه المنتجات مصمم تجاريًّا ليزيد من اعتياد المستهلك عليه، وهو ما يضيف سعرات وسكريات لا يلتفت إليها الشخص عند حساب ما يأكله يوميًّا.
وأوضح الكلباني أن اختصاصي التغذية لا يكتفي بإعطاء أوامر أو تعليمات جامدة، لكنه يبني مع الشخص خطة واقعية تبدأ من عاداته اليومية الحقيقية.
وأشار إلى أن العمل يبدأ عادة بتقييم الفحوصات المخبرية، والوزن، والطول، والأعراض السريرية، ثم السؤال عن تفاصيل الحياة اليومية: ماذا يأكل الشخص خلال 24 ساعة، وما عاداته في الدوام والإجازة، وكيف يشرب الشاي والقهوة، وما طبيعة وجبة الغداء والعشاء، وكيف تطهى الوجبات في البيت أو تؤخذ من المطاعم.
وأضاف أن بناء الخطة الغذائية لا يكون ناجحًا ما لم ينطلق من واقع الشخص وظروفه، ثم يتدرج معه في التعديل، كأن يتفق معه على خفض كمية الأرز تدريجيًّا، أو إدخال السلطة بصورة مبسطة ومحببة، أو تعديل شكل الوجبة بما يجعلها أقرب إلى القبول والاستمرار.
وأكد أن الهدف من أي برنامج غذائي ليس أن يطبق الشخص «حمية» قاسية لمدة شهر أو شهرين ثم يعود بعدها إلى عاداته السابقة، لأن هذا النمط يفضي في الغالب إلى استعادة الوزن وربما زيادته.
وأوضح أن الهدف الحقيقي هو بناء نمط حياة يمكن الاستمرار عليه لسنوات، يبدأ بمرحلة تعديل العادات، ثم الوصول إلى الوزن المناسب، ثم مرحلة تثبيت الوزن، وهي المرحلة التي تضمن أن يصبح السلوك الغذائي الصحي جزءًا من الروتين اليومي لا مجرد استثناء مؤقت.
ورأى الكلباني أن الشخص الذي يعاني من السكري أو يكون في مرحلة قريبة منه لا يحتاج إلى الامتناع الكامل عن النشويات، لأن النشويات مصدر أساسي للطاقة، لكن المطلوب هو تنظيم الكمية وتحسين النوعية.
وأوضح أن خفض الكمية إلى النصف أو الربع، وإحلال الخضروات والألياف محل جزء كبير من الطبق، يساعدان في تحسين ضبط السكر والشعور بالشبع، بدلًا من تناول كميات كبيرة من الأرز أو الخبز أو المعجنات.
وأكد أن التعامل مع السكري لا يكون بالحرمان المطلق، لكنه يحتاج إلى وعي أكبر بطريقة توزيع الطعام خلال اليوم، وبتأثير كل صنف في سكر الدم، وهو ما يختلف من شخص إلى آخر بحسب حالته الصحية ومقدار نشاطه ومتابعته الطبية.
هل يكفي الذكاء الاصطناعي؟وفي معرض حديثه عن لجوء بعض الناس إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات العامة للحصول على «نظام غذائي» سريع، أوضح أخصائي التغذية شبيب الكلباني أن مثل هذه الأدوات قد تقدم معلومات عامة مفيدة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء برنامج غذائي دقيق لشخص بعينه.
وأشار إلى أن مصادر هذه الأدوات قد تكون مكتوبة لبيئات غذائية واجتماعية مختلفة عن البيئة العُمانية، فضلًا عن أنها لا تعرف تفاصيل الحالة الفردية من الناحية السريرية والفسيولوجية والعادات اليومية كما يعرفها المختص عند التقييم المباشر.
وأضاف أن الأنسب هو الرجوع إلى مختصين يعرفون طبيعة المجتمع المحلي، وأنماط الأكل فيه، والتجارب الواقعية للحالات المشابهة، حتى تكون النصيحة أكثر دقة وواقعية.
وتطرق الكلباني إلى الإبر المستخدمة لتخفيف الوزن، وكذلك عمليات ربط المعدة، موضحًا أنها ليست حلولًا سحرية تغني عن الغذاء المتوازن والنشاط البدني.
وأكد أن هذه الوسائل لها اشتراطاتها الطبية، ولا تناسب جميع الحالات، كما أنها لا تنجح على المدى البعيد إذا لم تتغير العادات الغذائية ونمط الحياة.
وأضاف أن بعض الأشخاص الذين أجروا عمليات ربط للمعدة عادوا بعد سنوات إلى اكتساب الوزن مرة أخرى، لأن الأساس الذي يفترض أن يبنى عليه النجاح ــ وهو نمط الحياة الصحي ــ لم يكن حاضرًا أو لم يثبت بشكل كافٍ.
وأوضح أن أي تدخل دوائي أو جراحي يجب أن يكون جزءًا من خطة أشمل، لا بديلًا عن السلوك الصحي اليومي.
وفي حديثه عن فصل الصيف، شدد الكلباني على أهمية تعويض السوائل والماء، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، موضحًا أن الجسم يحتاج في هذه الفترة إلى اهتمام أكبر بشرب الماء وتناول الفواكه والخضروات الغنية بالماء والأملاح.
كما أكد أن الحركة تبقى ضرورية حتى في الصيف، لكن مع اختيار الأوقات الأنسب مثل أول الصباح أو آخر النهار، أو الاستفادة من الأماكن المكيفة مثل المراكز التجارية للمشي.
وأشار إلى أن المشي في الهواء الطلق يظل أفضل من ناحية عامة، لكن المشي في المول أو في أي مكان داخلي يبقى مفيدًا وعمليًّا إذا كانت الظروف المناخية لا تسمح بالخروج.
وأضاف أن التوصيات العامة تشير إلى 30 دقيقة من النشاط خمسة أيام في الأسبوع كحد أدنى، في حين يحتاج من يسعى إلى تخفيف الوزن إلى ما يقارب 60 دقيقة ستة أيام في الأسبوع.
وفي ختام حديثه، دعا أخصائي التغذية بوزارة الصحة شبيب الكلباني كل من لديه تحدٍ مع الوزن أو التغذية إلى أن يبدأ أولًا بإجراء الفحوصات الأساسية لدى الطبيب، مثل فحوصات السكر والدهون والفيتامينات متى أمكن، ثم اللجوء إلى اختصاصي تغذية لتقييم حالته الصحية والعادات الغذائية والتحديات التي يواجهها.
وأكد أن التغيير الصحي لا يشترط أن يكون باهظ الثمن أو معقدًا، فالرياضة يمكن ممارستها بوسائل بسيطة، والمنتج المحلي الصحي غالبًا أرخص من كثير من البدائل المستوردة أو الجاهزة.
وأضاف أن الخطوة الأهم ليست البحث عن نظام «غريب» أو حل «سريع»، لكنها تبدأ من تعديل العادات اليومية بصورة تدريجية وواقعية، لأن هذا وحده هو الذي يصنع الفرق المستمر في الصحة والوزن وجودة الحياة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك