من غزة فالقدس والضفة الغربية إلى جنوب لبنان وسوريا، يتقدم زحف جيش الاحتلال الإسرائيلي على أراضٍ عربية عبر طرقٍ متعددة، ما بين خط عسكري يُعلن مؤقتًا أو نقطة تمركز تتحول إلى موقع ثابت، ومن طريق لوجستي أو ساتر ترابي إلى مستوطنة جديدة أو أمر هدم أو توغل قصير يتجاوز حدود السيطرة القائمة.
تعددت الآليات والتكتيكات لكن السيطرة الإسرائيلية واحدة.
كشفت تقارير حديثة كيف تتحرك إسرائيل في اتجاه واحد نحو تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، وتثبت مناطق نفوذ لا يعلن عنها دائمًا بوصفها ضمًا أو احتلالًا دائمًا، لكنها تتحول تدريجيًا إلى واقع.
في غزة ولبنان يظهر ذلك عبر" الخط الأصفر" أو" خط الدفاع الأمامي"، وفي سوريا يتشكل عبر منطقة سيطرة غير معلنة حول خط" فض الاشتباك"، ثم توغلات تتجاوزها.
أما في القدس والضفة، فلا يحتاج الأمر إلى خط ملون، إذ ترسم المستوطنات والطرق وأوامر المصادرة والهدم حدودًا جديدة على الأرض، بتوجيه حكومي موافق عليه من الكنيست وإعلانات رسمية لا تلقي بالا بالعقوبات أو الإدانات.
جنوب لبنان.
مناطق توغل وسيطرةفي جنوب لبنان، ظهر نموذج قريب من احتلال قطاع غزة والتوغل فيه، ففي 19 أبريل/ نيسان 2026، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة لما سماه" منطقة خط الدفاع الأمامي" داخل جنوب لبنان، باعتبارها نطاق العمليات التي يقول إن قواته تعمل فيها لمنع تهديدات مباشرة لشمال إسرائيل.
ويمتد هذا النطاق، وفق الخريطة الإسرائيلية، من القطاع الغربي قرب الناقورة ورأس البياضة، مرورًا بمحاور بنت جبيل، الطيري، وادي السلوقي، الطيبة وكفركلا، وصولًا إلى الخيام ومحيط مزارع شبعا ومرتفعات حرمون.
في أحدث رصد للتوغل البري اللاحق أظهر أن الجيش الإسرائيلي بات يسيطر أو يتحرك في معظم المناطق الواقعة داخل هذا الخط، كما أن العمليات الإسرائيلية تجاوزت نطاق “خط الدفاع الأمامي” الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي في أبريل.
فالهجمات ومناطق النزاع باتت تظهر على أطراف الخط وخارجه، خاصة باتجاه النبطية والغندورية وكفرتبنيت ويحمر وزوطر ومحيط قلعة الشقيف قرب نهر الليطاني، التي اعلن الجيش السيطرة عليها نهاية مايو الماضي لأول مرة منذ عام 2000.
وبالتوازي، ظهرت مؤشرات على انسحابات موضعية، في إطار المفاوضات الجارية في واشنطن بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، فقد دخل الجيش اللبناني واليونيفيل بلدة دبين بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها.
وعلى مستوى التدمير، أظهرت صور أقمار صناعية دمارًا واسعًا في قرى مختلفة بجنوب لبنان، في نمط يقترب من سياسة الهدم والتجريف التي استخدمتها إسرائيل في غزة/ وفي 8 يونيو الجاري.
ونقلت رويترز عن الحكومة اللبنانية أن إسرائيل نفذت قرابة 3500 ضربة بين 17 أبريل و7 يونيو، إضافة إلى 407 عمليات تفجير مسيطر عليها و6 عمليات تجريف في الجنوب، بحسب وزير الدفاع اللبناني.
الضفة الغربية.
ورم استيطاني يتمددفي الضفة الغربية تتم العملية عبر تمويل المستوطنات، وأوامر المصادرة، والطرق العسكرية.
ووفقًا لما كشفته صحيفة" يديعوت أحرونوت"، الخميس 11 يونيو/ حزيران، يتجه مجلس الوزراء الإسرائيلي للموافقة على تمويل إنشاء 61 مستوطنة جديدة بحكم الأمر الواقع في الضفة، ضمن خطة تتجاوز قيمتها 350 مليون دولار على عدة سنوات، تشمل مساكن مؤقتة، ومبانٍ عامة، وبنية تحتية وخدمات، حتى قبل اكتمال الموافقات التخطيطية.
وتتركز هذه المستوطنات، بحسب التقرير، في مناطق حساسة مثل طريق 90 في غور الأردن، وتلال جنوب الخليل، ومناطق تهدف إلى خلق استمرارية جغرافية بين مستوطنات قائمة، في إطار جهد أوسع لتعزيز السيطرة على المنطقة" ج".
وكان المجلس قد وافق قبل ذلك بأسبوع على نحو 35 مليون دولار لأعمال التخطيط والتنظيم للمستوطنات نفسها، قبل الانتقال إلى تمويل التنفيذ وخلق وقائع على الأرض.
وتظهر جنين كأحد أمثلة هذا التحول، حيث ذكرت صحيفة" هآرتس" الإسرائيلية، أن الجيش الإسرائيلي يقيم موقعًا عسكريًا دائمًا قرب مخيم جنين، الذي هُجّر سكانه في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، في خطوة هي الأولى من نوعها داخل منطقة" أ" الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو منذ تسعينيات القرن الماضي.
وكان موقع" +972 ماغازين" الإسرائيلي قد ذكر، في 27 مايو/ أيار الماضي، أن السلطات الإسرائيلية أصدرت أمر مصادرة لأكثر من 7 دونمات في حي الجابريات المطل على مخيم جنين، بذريعة" أغراض عسكرية"، مع سريان الأمر حتى نهاية 2028، ونقل التقرير عن درور إتكيس، مؤسس “كيرم نافوت”، أن الأمر والطرق العسكرية المعبدة حديثًا يشيران إلى خطة لإقامة قاعدة عسكرية كبيرة قرب المخيم،وفي 16 مايو، قالت وكالة" وفا"، نقلًا عن تقرير للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض، إن أوامر المصادرة العسكرية باتت تُستخدم لتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية، وشق طرق تربطها بالمستوطنات، وتحويل قواعد عسكرية مهجورة إلى مستوطنات مدنية، ووثق التقرير 140 أمر مصادرة عسكريًا بين 2023 و2025، قال إن 81% منها خدم المستوطنات والبؤر عبر مشاريع طرق وربط بنيوي.
في غزة، تحوّل" الخط الأصفر"، الذي دخل حيز التنفيذ عقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، من حد مؤقت إلى حاجز مادي يقسم القطاع، مع سيطرة إسرائيل على نحو 54% من مساحته وفق تحليلات الأقمار الصناعية.
وفي 8 يونيو/ حزيران، نقلت وكالة" رويترز" أن السيطرة تجاوزت 60%، وأن نتنياهو وجّه الجيش لتوسيعها إلى 70%.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية من شركة" بلانيت لابز" الأميركية أن موقع الخط الفعلي يتجاوز الخرائط العسكرية الإسرائيلية، إذ تتوغل “الكتل الخرسانية الصفراء” حتى 940 مترًا داخل القطاع، بالتزامن مع هدم مجمعات سكنية وتجريف أراضٍ زراعية في رفح وخان يونس والشجاعية وشمال غزة.
كما نقلت رويترز عن شهود في شرق خانيونس وشمال رفح أن الجيش وسّع خلال الأيام الأخيرة “المنطقة الصفراء” بعلامات وكتل خرسانية جديدة قرب الخيام ومراكز النزوح، فيما قال سكان في بني سهيلا إنهم باتوا يرون الدبابات من خيامهم.
وشرق الخط، شيد الجيش 48 موقعًا عسكريًا متصلًا بطرق لوجستية، بينها قاعدة في جباليا رُصد تحديثها منذ فبراير 2026، مع سواتر ترابية وأبراج أمنية وممرات للمشاة.
كما دمر شريطًا بعمق 300 متر خلف الخط لإنشاء “منطقة عازلة”، وأعاد في خان يونس توجيه “ممر ماجن عوز” بطول 15 كيلومترًا داخل مناطق سيطرته، بالتوازي مع ساتر ترابي يمتد 11 كيلومترًا من وادي غزة نحو خان يونس.
وفي شمال رفح، عند تقاطع ممري" موراغ" و" ماجن عوز"، رصدت الأقمار الصناعية تسوية ودك التربة على مساحة كيلومتر مربع، ضمن بنية مخصصة لما يسمى “المجتمعات الآمنة البديلة” أو “المدينة الإنسانية” قرب الحدود المصرية.
جنوب سوريا.
مناطق سيطرة وحرية توغلفي جنوب سوريا، تختلف الصورة، إذ لا توجد خريطة إسرائيلية رسمية تشبه" الخط الأصفر" في غزة أو" خط الدفاع الأمامي" في لبنان، لكن ذلك لا يعني غياب مناطق السيطرة.
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، تقدمت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة وما وراء خط فض الاشتباك لعام 1974، وفرضت حضورًا عسكريًا في محيط جبل الشيخ، وعلى امتداد قطاعات من ريف القنيطرة، مع امتدادات باتجاه حوض اليرموك وريف درعا الغربي.
وقدم تقرير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، المنشور بعد سقوط النظام، خريطة كشفت سيطرة إسرائيلية على مئات الكيلومترات المربعة، مع تغير في المحاور بعد انسحاب من حوض اليرموك وتوسع في المحاور الشمالية.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف التوغلات الإسرائيلية خارج نطاق التمركز الثابت، عبر دخول دوريات وآليات عسكرية إلى قرى وبلدات في ريف القنيطرة وحوض اليرموك، وإقامة حواجز مؤقتة، وتنفيذ عمليات تفتيش واعتقال قبل الانسحاب أو إعادة التمركز.
وفي أحدث هذه التوغلات، ذكرت وكالة الأنباء السورية" سانا" في 6 يونيو أن قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلت في مزرعة أبو مذراة وقرية العشة بريف القنيطرة الجنوبي، واعتقلت مواطنًا قبل اقتياده إلى جهة مجهولة.
وفي محيط القدس، تتكثف حركة قضم الأراضي الفلسطينية في صمت، ففي 27 فبراير/ شباط 2026، قالت حركة" السلام الآن" الإسرائيلية، وهي منظمة إسرائيلية مناهضة للاستيطان تتابع خطط البناء في الأراضي المحتلة، إن الحكومة دفعت بين 2023 و2025 خططًا لإقامة 33,519 وحدة سكنية جديدة للإسرائيليين في القدس الشرقية.
ووفق تقرير" السلام الآن"، شملت الخطط أربع مستوطنات جديدة داخل أحياء فلسطينية أو على أطرافها، هي: " جفعات هشكيد"، و" كدمات تسيون"، و" القناة السفلى"، و" كريات مناحيم بيغن" في الشيخ جراح، إلى جانب الدفع بمشروع E1 ونشر مناقصات للبناء فيه، بالتوازي مع خطوات لعزل منطقة معاليه أدوميم عن الفلسطينيين عبر طرق وبنى تحتية جديدة.
ونشر موقع" زمن إسرائيل" العبري، اليوم 11 يونيو، تقريرًا استند إلى تقرير لمنظمة" عير عميم: "، قال فيه إن الضم حول القدس يتقدم من دون إعلان رسمي، عبر مستوطنات وطرق منفصلة وحواجز وأوامر هدم وعنف مستوطنين، بما يحول المجال الفلسطيني إلى جيوب منفصلة ويدفع السكان خارجها.
وذكر التقرير أن أربع مستوطنات كبيرة تُدفع حول القدس، هي" E1" و" مشمار يهودا" و" يتسيف" و" بر كوخبا"، إلى جانب بؤر جديدة، وأن الأدوات المستخدمة تشمل شق طرق للمستوطنين، وإغلاق طرق فلسطينية، ونقل حواجز إلى عمق الضفة، وتشديد أوامر الهدم والإخلاء.
وبحسب" زمن إسرائيل"، بدأت في يناير 2026 أعمال شق الطريق 45 بين القدس والمستوطنات شمال شرقها، في مشروع يقول التقرير إنه يقطع المجال الفلسطيني بين رام الله والمدينة.
وبالتوازي، صدرت أوامر هدم لكل المنازل في النعمان، و50 منزلًا في صور باهر، إلى جانب طلبات إخلاء لـ35 عائلة في أم طوبا، ضمن مسار أوسع يعيد تشكيل محيط القدس عبر الطرق والهدم والإخلاء.
وفي القدس الشرقية نفسها، قالت" السلام الآن" إن 11 عائلة، تضم 64 فردًا، أُخليت من ستة منازل في بطن الهوى بسلوان ودخلها مستوطنون، فيما تواجه عشرات العائلات الأخرى خطر الإخلاء.
كما وثق التقرير هدم 37 منزلًا في حي البستان بسلوان ضمن مسار يهدد الحي بأكمله، إضافة إلى تخصيص نحو 100 مليون شيكل سنويًا لحماية المستوطنين داخل الأحياء الفلسطينية في القدس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك