الرباط – «القدس العربي»: تصاعدت وتيرة الاستعدادات للانتخابات المقبلة المقررة في 23 أيلول/سبتمبر، وكشفت معظم الأحزاب السياسية عن قوائم مرشحيها.
واهتمت الأوساط السياسية بقوائم أحزاب الأغلبية، وعلى رأسها قائد التحالف الحكومي حزب «التجمع الوطني للأحرار».
وتداولت تقارير إعلامية ولوج عدد كبير من وزراء الحكومة حلبة التنافس الانتخابي المباشر للفوز بمقاعد برلمانية، وقدرت عددهم بـ 11 وزيرا مقابل وزيرة واحدة.
وبالنسبة للرأي العام، فإن هذا «الإنزال»، كما وصفته تدوينات عديدة، يمثل ظاهرة سياسية تثير الكثير من الجدل والنقاش في المغرب، رغم أنها ليست المرة الأولى التي يخوض فيها وزراء السباق الانتخابي.
ويثير حضور هذا العدد من الوزراء في المنافسة الانتخابية اهتماما خاصا لدى المتابعين، لأن الأمر لا يتعلق بمرشحين عاديين، بل بمسؤولين ظلوا خلال السنوات الماضية في واجهة القرار العمومي وتدبير ملفات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وإذا كان حزب «العدالة والتنمية» المعارض قد حقق السبق في الكشف عن قوائم مرشحيه، ودفع بأسماء قيادية من بينها وزراء سابقون، فإن غريمه السياسي حزب «التجمع الوطني للأحرار» دفع ببعض أبرز وزرائه الحاليين، من بينهم مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، المرشح في معقله الانتخابي بدائرة سيدي إفني بجهة كلميم واد نون.
كما تضم قائمة الحزب أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية (الأرياف) والمياه والغابات، الذي جرى الإعلان عن تزكيته للترشح في دائرة وزان.
ويحضر أيضا اسم لحسن السعدي، كاتب الدولة (الوزير) المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، الذي يعد من الوجوه الشابة البارزة والمثيرة للجدل في الحزب صاحب شعار «الحمامة»، وقد نال تزكية الحزب بدائرة تارودانت الشمالية بجهة سوس ماسة.
وتضم ترشيحات «الأحرار» أسماء وزارية أخرى تسعى إلى تعزيز الحضور البرلماني للحزب خلال الاستحقاقات المقبلة.
أما الحليف الثاني لـ «الأحرار»، وهو حزب «الأصالة والمعاصرة»، فتحدثت تقارير إعلامية عن إمكانية الدفع بعدد من وزرائه إلى السباق الانتخابي.
ومن بين الأسماء المتداولة محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، الذي يرتقب أن يخوض منافسة قوية في إحدى دوائر العاصمة الرباط.
كما أشارت التقارير ذاتها إلى أن اسم يونس سكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، مطروح بقوة ضمن الترشيحات المحتملة.
أما فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ورئيسة المجلس البلدي لمدينة مراكش، فتطرقت مصادر إعلامية إلى إمكانية ترشحها في إحدى دوائر المدينة الحمراء، حيث توصف بأنها إحدى أبرز الشخصيات القيادية في الحزب صاحب شعار «الجرار»، والوزيرة الوحيدة التي يتردد اسمها بقوة كقاطرة انتخابية لـ «الأصالة والمعاصرة».
وتردد أيضا إمكانية استقطاب فوزي لقجع، وزير المالية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم (اتحاد الكرة)، للترشح باسم هذا الحزب، وإذا كانت القيادية فاطمة الزهراء المنصوري لم تنف إمكانية ذلك، فإن لقجع نفى الموضوع جملة وتفصيلا.
لكن مراقبين أبقوا باب الاحتمالات مفتوحا في هذا الصدد، بانتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
أما حزب «الاستقلال»، الحليف الثالث في الأغلبية الحكومية، فمعروف باعتماده تقليديا على الأعيان والقيادات المحلية ذات الامتداد التاريخي.
وجرى تداول اسم نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام للحزب، ضمن المرشحين المحتملين، علما أنه ارتبط انتخابيا على مدى سنوات بدائرة العرائش (شمال البلاد).
كما يطرح اسم عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك، بقوة في منطقة تارودانت، حيث يعد من أبرز الوجوه الانتخابية في جهة سوس.
كذلك تتحدث تقارير إعلامية عن احتمال خوض عمر حجيرة، كاتب الدولة (الوزير) المكلف بالتجارة الخارجية، المنافسة في دائرة وجدة أنجاد (شرق) باعتباره أحد أبرز الأسماء السياسية في جهة الشرق.
ويرى بعض المراقبين أن الدفع بوزراء إلى السباق الانتخابي يمكن تفسيره بعدة اعتبارات، في مقدمتها الرغبة في النزول بكل الثقل السياسي لضمان الصدارة الانتخابية.
وفي هذا السياق، تعتمد الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي الحالي، وهي «التجمع الوطني للأحرار» و»الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال»، على وزرائها باعتبارهم «أوراقا رابحة» أو قاطرات انتخابية قادرة على قيادة المعركة الانتخابية.
وبحسب المحللين، فإن أحزاب الأغلبية ترى أن الوزير يتمتع برأس مال رمزي ونفوذ سياسي وتغطية إعلامية مستمرة، وهو ما قد يسهل عليه حصد الأصوات وتأمين مقاعد برلمانية إضافية تساعد الحزب على الحفاظ على موقعه الريادي أو تعزيزه في الخريطة التشريعية المقبلة.
وتحضر هنا حالات سابقة، لعل أبرزها تجربة سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق لحزب «العدالة والتنمية»، الذي خاض انتخابات 2021 ولم يتمكن من الفوز بمقعده في دائرة المحيط في العاصمة الرباط، والتي يطلق عليها إعلاميا اسم «دائرة الموت».
وتبقى هذه التجربة حاضرة في أذهان المتابعين باعتبارها تذكيرا بأن الحضور الحكومي أو الحزبي لا يتحول بالضرورة إلى أصوات انتخابية يوم الاقتراع.
وفي رأي بعض المراقبين، فإن نجاح الوزير في الانتخابات ليس مضمونا مطلقا، بل إن فشله قد يكون واردا بالنظر إلى تقييم الناخبين لحصيلته ضمن الفريق الحكومي أو على مستوى القطاع الذي يشرف عليه.
ومن جهة أخرى، يبدو أن اختيار أحزاب الأغلبية الدفع بوزرائها إلى حلبة المنافسة يعيد تشكيل خريطة الدوائر الانتخابية، لاسيما الدوائر الكبرى أو ما يصطلح عليه في الصحافة بـ «دوائر الموت».
كما يضع أحزاب المعارضة أمام تحد صعب، ويجبر قياداتها على خوض معارك انتخابية شرسة في مواجهة وزراء يمتلكون حضورا سياسيا وإعلاميا واسعا.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول مبدأ تكافؤ الفرص واستغلال الصفة الحكومية.
وتتركز انتقادات عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين حول هذه النقطة، إذ يتهم منتقدون الوزراء بالاستفادة من أنشطتهم الرسمية وزياراتهم الميدانية وتدشين مشاريع التنمية خلال الفترات السابقة للحملة الانتخابية، بما قد يشكل، من وجهة نظرهم، نوعاً من الدعاية غير المباشرة لصالحهم ولصالح أحزابهم.
كما تنصب الانتقادات على مسألة تداخل الصفات، إذ يصعب أحيانا على المواطن، وحتى على الجهات الرقابية، الفصل بين «الوزير» الذي يمارس مهامه الدستورية، و»المرشح» الذي يسعى إلى استمالة الناخبين، وهو ما تعتبره أحزاب المعارضة استغلالا غير عادل للإمكانيات التي تتيحها المسؤولية الحكومية.
وتبقى الملاحظة اللافتة المرتبطة بترشيحات الوزراء، أو بما تداولته الصحافة المحلية بشأنها، هي مفارقة التمثيلية بين الرجال والنساء.
فبحسب المنتقدين، ولا سيما بعض الفاعلات الحقوقيات، فإن ترشح وزيرة واحدة فقط يعيد إلى الواجهة النقاش حول مدى نجاح الأحزاب السياسية في تمكين النساء داخل هياكلها القيادية والانتخابية.
ويرى بعض المتتبعين للشأن السياسي المغربي أنه رغم القوانين والآليات المعتمدة لرفع تمثيلية النساء في البرلمان، ومنها اللوائح الجهوية المخصصة لهن، فإن محدودية حضور النساء في المنافسة المحلية المباشرة تعكس استمرار الصعوبات التي تواجهها المرشحات في مواجهة أعيان الانتخابات والشخصيات النافذة داخل الدوائر المحلية، ناهيك عن ميل بعض الأحزاب إلى الدفع بالوجوه الذكورية الأكثر تمرسا وخبرة في المعارك الانتخابية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك