يشهد السوق العقاري في مصر خلال الفترة الأخيرة حالةً من الجدل المتصاعد حول آليات تنظيمه وضبط العلاقة بين أطرافه المختلفة، في ظل تزايد شكاوى المواطنين من ممارسات بيعية وتسويقية غير منضبطة، وما يصفه خبراء وبرلمانيون بغياب إطار قانوني حاكم يضمن التوازن بين المطور العقاري والمشتري.
وبينما تتجه الحكومة لإعداد مشروع قانون جديد لتنظيم القطاع، تتباين الرؤى النيابية حول أولويات الإصلاح، ما بين الدعوة إلى تشريع شامل يحد من “عقود الإذعان” ويضبط نسب البناء والتحميل، وبين التركيز على تصنيف المطورين وتنظيم نشاط التسويق العقاري، بما يشمل الإعلانات والمكالمات العشوائية والمنصات الرقمية، في محاولة لإعادة ضبط سوق يُنظر إليه باعتباره أحد محركات التنمية، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالشفافية وحماية المستهلك.
وقال عضو مجلس الشيوخ، النائب خالد راشد، إن السوق العقاري في مصر يفتقر في جزء كبير منه إلى ضوابط قانونية حاكمة تنظم العلاقة بين المشتري والمطور العقاري، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة غالبًا ما تُدار بشكل غير متوازن لصالح المطور.
وأوضح راشد في تصريحاته لـ" تليجراف مصر" أن المطور العقاري أو الشركة العقارية تفرض شروطها المتعلقة بالسعر وبنود التسليم والالتزامات التعاقدية، دون أن يكون للمشتري قدرة حقيقية على التفاوض أو التأثير في هذه الشروط، ما يجعل العلاقة أقرب إلى “عقود الإذعان”.
علاقة تعاقدية غير متكافئةوأضاف عضو مجلس الشيوخ أن حاجة المواطنين إلى السكن باعتباره ضرورة أساسية تدفعهم لقبول هذه الشروط، حتى في حال عدم توازنها، لافتًا إلى أن هذه العلاقة تظل خاضعة في الأساس لأحكام القانون المدني التي تنص على أن “العقد شريعة المتعاقدين”.
وأشار إلى أن ذلك يمنح المطور العقاري مساحة واسعة لفرض شروطه، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى ممارسات تتضمن منع بعض المشترين من دخول وحداتهم السكنية رغم سداد قيمتها بالكامل.
تشريع ينظم العلاقة ويحمي الطرفينوأكد خالد راشد أن السوق العقاري في حاجة إلى تشريع جديد ينظم العلاقة بين المشتري والمطور العقاري بشكل متوازن، يضمن حقوق الطرفين، ويلزم المطور بالالتزام بمعايير البناء والتسليم المتفق عليها.
وأوضح أن التشريع المطلوب يجب أن يتضمن تنظيمًا دقيقًا لنسب التحميل ونسب البناء والالتزامات التعاقدية، بما يمنع أي استغلال أو تجاوزات في السوق.
نسب التحميل وتجاوزات في التسليموأشار إلى أن نسب التحميل في بعض المشروعات قد تصل إلى 35%، وهو ما يعني تحميل المشتري تكاليف لمساحات غير موجودة فعليًا على أرض الواقع، معتبرًا أن هذه الممارسات تعكس وجود خلل في ضبط السوق.
وشدد على ضرورة وضع ضوابط قانونية ملزمة تحدد بدقة المواصفات الفنية والهندسية للوحدات العقارية، بما يضمن الشفافية في التعاقدات.
استغلال حاجة المواطنين للسكنولفت عضو مجلس الشيوخ إلى أن السنوات الماضية شهدت تحقيق بعض المطورين العقاريين لثروات كبيرة في ظل ما وصفه بوجود فراغ تشريعي، ساعد على فرض أسعار وشروط تعاقدية غير متوازنة.
وقال إن حاجة المواطنين للسكن جعلت بعضهم عرضة لضغوط سوقية، في ظل محدودية البدائل المتاحة.
تشريع شامل ورقابة هندسية صارمةوأكد على ضرورة إعداد تشريع شامل ينظم السوق العقاري في مصر، مع الاستفادة من بعض التجارب في دول عربية أخرى.
كما دعا إلى تعزيز دور أجهزة الدولة في الرقابة على الرسومات الهندسية ونسب البناء والتأكد من الالتزام بالاشتراطات، إلى جانب تفعيل الشروط الجزائية المتعلقة بالتأخير في التسليم ومواصفات التنفيذ، بما يضمن إعادة ضبط السوق العقاري على أسس عادلة ومنظمة.
تصنيف المطورين ومنع الدخلاء على المهنةمن جانبه أكد النائب أمين مسعود، أن الحكومة تتجه لإعداد مشروع قانون لتنظيم السوق العقاري في مصر، بهدف ضبط العلاقة بين أطراف المنظومة العقارية المختلفة، مشيرًا إلى أن القطاع يضم المطور العقاري والمقاول والمستثمر، وأن تنظيم هذه العلاقة يمثل أحد أبرز أهداف القانون المرتقب.
وأوضح مسعود في تصريحاته لـ" تليجراف مصر" أن الهدف من التشريع هو وضع إطار منظم يحكم تعاملات السوق العقاري بما يضمن الوضوح والاستقرار في العلاقات بين الأطراف المختلفة داخل القطاع.
وأشار النائب إلى أن مشروع القانون يستهدف كذلك تصنيف المطورين العقاريين، ومنع دخول غير المتخصصين أو الدخلاء على المهنة، بما يسهم في تعزيز الثقة داخل السوق العقاري.
وأكد أن تنظيم السوق سيؤدي إلى رفع مستوى المصداقية بين المطورين العقاريين المعتمدين، ويعزز من الثقة في القطاع ككل.
نفي وجود أزمات جوهرية بالسوق العقاريوفيما يتعلق بوجود مشكلات في السوق العقاري، أوضح أمين مسعود أنه لا توجد أزمات جوهرية، لافتًا إلى أن قطاع العقارات يُعد أحد القطاعات القائدة لقاطرة التنمية في مصر.
وأكد أن تنظيم السوق يهدف بالأساس إلى تحسين المخرجات وضمان جودة الأداء، وليس معالجة أزمات هيكلية.
وتطرق النائب إلى دور شركات التسويق العقاري (البروكرز)، مؤكدًا أنها جزء من المنظومة وليست مرتبطة بعمليات نصب كما يُشاع، موضحًا أن دورها يقتصر على التسويق للمطورين العقاريين، دون إتمام عمليات التعاقد أو الحجز المباشر.
وشدد على أهمية وضع ضوابط وقواعد تنظم عمل هذا النشاط، بما يمنع العشوائية ويحد من دخول غير الملتزمين للمهنة، بما يحافظ على مصداقية السوق العقاري.
مقترحات لعقد موحد وحماية المشتريوأوضح النائب أن من بين المقترحات المطروحة ضرورة تحقيق توازن في العلاقة بين المطور والمشتري، بحيث لا تتضمن العقود شروطًا مجحفة أو ما وصفه بـ" شروط إذعان".
وأشار إلى إمكانية إعداد عقد موحد بشروط واضحة ومنظمة، بما يضمن حماية حقوق المواطنين ويحقق العدالة التعاقدية داخل السوق العقاري.
ضرورة ملحة في ظل تزايد شكاوى المواطنينأكد عضو مجلس النواب، النائب إيهاب منصور، أن تنظيم السوق العقاري أصبح ضرورة ملحة في ظل تزايد شكاوى المواطنين من حالات نصب أو تأخير في التسليم أو تهرب بعض الشركات العقارية، مشيرًا إلى أن هذه المشكلات باتت تتكرر بشكل واسع وتتطلب تدخلاً تشريعيًا ورقابيًا عاجلًا.
وأوضح أن المعاملات العقارية المنتشرة حاليًا تشهد العديد من الإشكاليات التي تستدعي إعادة تنظيم السوق بشكل يضمن حقوق المواطنين ويحميهم من الممارسات غير المنضبطة.
تنظيم الإعلانات والمكالمات التسويقية العشوائيةوأشار منصور في تصريحاته لـ" تليجراف مصر" إلى أن أحد أبرز المشكلات في السوق العقاري يتمثل في الإعلانات والمكالمات التسويقية العشوائية، موضحًا أن المواطنين يتعرضون بشكل مستمر لمئات الاتصالات الترويجية غير المرغوب فيها لعرض وحدات سكنية.
وأكد أن هذه الظاهرة تمثل إزعاجًا للمواطنين، فضلًا عن كونها تفتح الباب أمام عمليات نصب واستغلال لبعض العملاء، في ظل عدم وجود تنظيم واضح لهذه الممارسات.
شركات غير مرخصة ومعلومات مضللةولفت منصور إلى أن بعض المواطنين لا يتمكنون من التمييز بين الشركات العقارية المرخصة وغير المرخصة، ما يؤدي إلى وقوع حالات احتيال وسرقة، مؤكدًا أن غياب التنظيم يزيد من حجم هذه المخاطر.
وشدد على ضرورة وجود آلية واضحة تضمن التحقق من الشركات العقارية قبل التعامل معها، بما يحمي المواطنين من الوقوع ضحايا لعمليات نصب.
إنشاء منصة أو تطبيق رسمي للعقاراتواقترح عضو مجلس النواب إنشاء منصة إلكترونية أو تطبيق رسمي خاص بالسوق العقاري، يتم من خلاله عرض الوحدات العقارية، على أن يقتصر على الشركات المرخصة والخاضعة للرقابة.
وأوضح أن هذه المنظومة يمكن أن تتيح للمواطنين الراغبين في الشراء الاشتراك بشكل اختياري، بما يضمن وصول الإعلانات إلى الفئة المستهدفة بشكل دقيق ومنظم.
دعوة لرقابة حكومية على المنصات العقاريةوأكد النائب أهمية أن تكون هذه المنصة أو الموقع الرسمي تحت رقابة الدولة أو وزارة الإسكان، بما يضمن عدم التلاعب أو ظهور كيانات غير قانونية، ويعزز من ثقة المواطنين في السوق العقاري.
وأشار إلى أن وجود منظومة منظمة سيحد بشكل كبير من حالات النصب، حيث سيكون التعامل عبر قنوات رسمية وواضحة، مؤكدًا أن تنظيم السوق العقاري سيؤدي إلى تقليل الفوضى الحالية، سواء في المكالمات التسويقية أو عمليات البيع غير المنظمة.
وأشار إلى أن المواطنين عندما يجدون نظامًا واضحًا وشفافًا فإنهم يلتزمون به بشكل تلقائي، بما يسهم في حماية السوق وتحقيق الاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك