تجاوزت الحرب الروسية الأوكرانية محطة رمزية لافتة بعدما دخلت يومها الـ1569، لتصبح أطول زمنيا من الحرب العالمية الأولى التي استمرت نحو أربع سنوات وثلاثة أشهر بين عامي 1914 و1918.
وبينما تختلف ظروف الصراعين وسياقاتهما التاريخية، يرى مؤرخون وخبراء عسكريون أن أوجه التشابه بين الحربين باتت واضحة إلى حد دفع بعضهم لوصف ما يجري في أوكرانيا بأنه" حرب عالمية أولى ولكن بمسيّرات".
list 1 of 2مسؤول أمريكي سابق يدعو لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابيةlist 2 of 2الجريمة السياسية في ألمانيا.
اليمين يتصدر واليسار في تناموبحسب تقرير في نيويورك تايمز، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يعتقد عند بدء الحرب في فبراير/شباط 2022 أن أوكرانيا ستسقط خلال أيام، لكن الحرب تحولت إلى صراع استنزاف طويل الأمد لا تلوح له نهاية قريبة، مع تعثر جهود التفاوض واستمرار المواجهات على امتداد الجبهة.
ويشير التقرير إلى أن التشابه الأول بين الحربين يظهر في مرحلة البداية.
ففي عام 1914، شنت ألمانيا هجوما سريعا باتجاه باريس أملا في تحقيق نصر خاطف، وهو ما يشبه اندفاع القوات الروسية نحو كييف في الأيام الأولى للحرب.
وفي الحالتين اقترب المهاجمون من أهدافهم، لكنهم فشلوا في حسم المعركة واضطروا إلى التراجع.
ومع تعثر الهجمات السريعة، استقرت الجبهات في الحربين على خطوط قتال شبه ثابتة.
ويقول المؤرخ العسكري الفرنسي ميشيل غويا إن تجمد خطوط المواجهة يعيد الجيوش تلقائيا إلى نموذج الحرب العالمية الأولى، حيث تصبح الخنادق والتحصينات الوسيلة الأساسية للبقاء تحت نيران المدفعية الكثيفة.
وشهدت الجبهات في شرق أوكرانيا منذ أواخر عام 2022 مشاهد ذكّرت كثيرا بخنادق شمال فرنسا قبل أكثر من قرن.
فغالبا ما كان الجنود الروس والأوكرانيون يتمركزون على مسافات قصيرة من بعضهم بعضا، فيما تبدأ الهجمات بقصف مدفعي كثيف يعقبه تقدم وحدات المشاة لاقتحام المواقع المعادية.
من الدبابات إلى المسيّراتغير أن التطور التكنولوجي أضفى على الحرب الأوكرانية بعدا جديدا.
فبينما شكلت الدبابات والطائرات أبرز الابتكارات العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، أصبحت المسيّرات اليوم العنصر الأكثر تأثيرا في ساحة المعركة.
ويؤكد التقرير أن الانتشار الواسع للمسيّرات جعل الخنادق التقليدية أقل فاعلية، لأن هذه الطائرات قادرة على مراقبة التحركات على مدار الساعة واستهداف الجنود بدقة عالية.
ودفع ذلك القوات المتحاربة إلى تطوير أساليب جديدة للبقاء، عبر حفر ملاجئ صغيرة وعميقة يصعب اكتشافها من الجو.
ويقول أحد الجنود الأوكرانيين إن فرص النجاة أصبحت مرتبطة بقدرة المقاتل على الحفر والاختباء أكثر من أي وقت مضى.
كما أدت هيمنة المسيّرات إلى توسيع نطاق المناطق الخطرة بين خطوط القتال.
فبدلا من وجود" أرض محظورة" ضيقة تفصل بين الخنادق، باتت هناك مساحات واسعة تخضع لمراقبة مستمرة، ما يجعل أي حركة مكشوفة عرضة للاستهداف الفوري.
ولهذا السبب تراجعت الهجمات الواسعة التي كانت تعتمد على أعداد كبيرة من الجنود، وحلت محلها عمليات صغيرة تنفذها مجموعات محدودة أو حتى أفراد منفردون.
ورغم اختلاف الأدوات، فإن حجم الدمار يذكّر كثيرا بمشاهد الحرب العالمية الأولى.
فالصور القادمة من الجبهات الأوكرانية تظهر حقولا مليئة بالحفر، وأشجارا محطمة، وقرى مدمرة، في مشهد يكاد يتطابق مع الصور التاريخية لمعركتي السوم وفردان.
أما من حيث الخسائر البشرية، فتبقى المقارنة محدودة بسبب اختلاف حجم الحربين.
فقد شاركت ملايين الجيوش في الحرب العالمية الأولى وسقط ما بين تسعة ملايين وأحد عشر مليون جندي قتيل، بينما تشير التقديرات الحالية إلى مقتل نحو نصف مليون جندي في الحرب الأوكرانية حتى الآن.
لكن مسؤولين عسكريين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وخبراء إستراتيجيين يرون أن مستوى الفتك في ساحات القتال الأوكرانية يقترب من مستويات الحرب العالمية الأولى بسبب الانتشار الكثيف للمسيرات والأسلحة الدقيقة.
ويلفت التقرير إلى أن التقدم الروسي على بعض الجبهات كان أبطأ أحيانا من وتيرة التقدم خلال أكثر معارك الحرب العالمية الأولى جمودا.
ففي بعض المناطق لم يتجاوز متوسط التقدم عشرات الأمتار يوميا رغم الكلفة البشرية والمادية الكبيرة.
وفي ظل هذا الجمود، تحاول أوكرانيا" كسر المعادلة" عبر استهداف البنية النفطية الروسية لتقليص قدرة موسكو على تمويل الحرب، بالتوازي مع الاعتماد المكثف على المسيّرات لإلحاق خسائر مستمرة بالقوات الروسية.
وتنقل نيويورك تايمز عن المؤرخ الأوكراني ياروسلاف هريتساك قوله إن جوهر الصراع الحالي يمكن تلخيصه بعبارة واحدة: " إنها الحرب العالمية الأولى، لكن بالمسيّرات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك