يُجانب الصواب من يظن أن الحجم الطبيعي لـ كرة القدم هو ما تراه عيوننا.
إنها بالتأكيد ليست كرة مطاط وملعباً معشوشباً وفريقين يتباريان وحُكّاماً وجماهير يملؤون المدرجات.
إنها قياس أكبر يقع خارج الحساب الرياضي، وإدمان تمتزج لدى المتعاطين له جرعات الرياضة بجرعاتٍ زائدة من الثقافة والهوية والذاكرة الجماعية.
ففي اللحظات الكروية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، يتعدى الأمر منطق المباريات، لتتقابل تصورات مختلفة للذات وللعالم، وتتبارى سرديات تاريخية وثقافية متباينة، فيتحول المستطيل الأخضر إلى مسرح لصراع متنكر للثقافات.
أضحت كأس العالم -بعيداً عن" المنتخب الأقوى" - مناسبة تعرض فيها الأُمم صورتها عن نفسها أمام الآخرين.
فالأعلام والأناشيد والقمصان والألوان والهتافات علامات ثقافية مكثّفة تختزن الذاكرة الوطنية وتعيد إنتاجها.
وكذلك مدرجات الملاعب ومحيطها، في كثير من الأحيان، تُصبح أقرب إلى معرض عالمي للهويات الثقافية.
فكل أُمّة تحمل إلى الملعب تاريخها الخاص، ورموزها المؤسسة، وطريقتها المميزة في الاحتفال والحزن والانتصار، كما تتحول المنافسة الرياضية إلى منافسة بين نماذج ثقافية مختلفة في فهم الذات وتمثيلها.
مدارس كروية تُمجّد الانضباط وأُخرى تحتفي بالفُرجةفي هذا السياق، يوضح عبد الله العروي، في روايته" الفريق"، أن كرة القدم لا تتحرك في الفراغ، ما دام يحضر فيها السحر والخرافة والولاءات المحلية والصراعات القبلية بقدر ما يحضر التنافس الرياضي.
غير أن ما يستوقف قارئ الرواية بالفعل هو تساؤل" سرحان"، أحد شخصيات الرواية، الذي يقارن بين الأسلوب الألماني والأسلوب الإيطالي في كرة القدم، فالمقارنة هنا لا تتعلق بالتكتيك وحده، وإنما تتحول إلى مقارنة استعارية بين رؤيتين للحياة: رؤية تمجّد الانضباط والصرامة والعمل، وأُخرى تحتفي بالخفّة والجمال والطرب.
ومن ثم، تصبح المباريات الكبرى مواجهات بين تصوّرات ثقافية مختلفة حول النظام والإبداع.
أما الكاتب المغربي عبد السلام بنعبد العالي، فيرى أن كرة القدم أصبحت واحدة من أهم الفضاءات المنتجة للانتماء في العالم المعاصر.
كما أن المونديال أصبح" تجربة هوية"، وليس أموالاً وإعلانات وإعلاماً وانفعالات فحسب، وفق ما أكده في كتابه" ميثولوجيا الواقع".
ذلك أنه عندما يلتف الملايين حول منتخبهم في كأس العالم، فإنهم لا يشجعون أحد عشر لاعباً فقط، بل يدافعون عن صورة متخيلة لأنفسهم ولبلدهم، ولذلك تتحول المباراة إلى لحظة نادرة يشعر خلالها الأفراد بأنهم جزء من جماعة واسعة تتجاوز اختلافاتهم الاجتماعية والطبقية واللغوية.
لا يتوقف إنتاج الهوية عند حدود الملعب، فبحسب عالم الأنثروبولوجيا كريستيان برومبيرجي، تشبه مباريات كرة القدم الطقوس الجماعية الكبرى.
فالجماهير تتجمع في أوقات محددة، وتردد الشعارات نفسها، وترتدي الألوان نفسها، وتعيش الانفعالات ذاتها.
وتذهب أكثر من ذلك حين تشارك في صناعة المعنى، لتعيد تأكيد انتمائها إلى جماعة رمزية، وتمنح نفسها شعوراً بالاستمرارية والتميز عن الآخرين.
ومن ثم، تصبح المدرجات فضاءات لصناعة الهوية بقدر ما هي فضاءات للفرجة الرياضية.
ومعنى ذلك أن الجماهير، فضلاً عن اللاعبين والمدرّبين والمعلّقين ووسائل الإعلام، " يشاركون جميعاً في إنتاج حكاية تتجاوز حدود التسعين دقيقة"، وفق ما يذهب إليه الباحث محمد الداهي الذي يوضح أن كرة القدم نص متعدّد الطبقات، و" سردية جماعية" مفتوحة على تأويلات لا تنتهي حول الكبرياء الوطنية والذاكرة الجماعية وصورة الأمّة عن ذاتها.
للجمهور دور في إنتاج المعنى وصناعة السردية الوطنيةفي الأفق نفسه، ينظر الروائي المغربي عبد الكريم جويطي، في مقالٍ عَنونهُ بـ" كرة القدم كما لعبتها وشاهدتها"، إلى اللعبة بوصفها تعبيراً عن هوية جماعية أكثر من كونها استعراضاً للمهارات الفردية.
فالفريق، في تصوره، ليس مجرد تجمع للاعبين، هو أكثر من ذلك نموذج مصغر لجماعة تتأسس على التكامل وتقاسم الأدوار، حيث تتعاضد الوظائف المختلفة من الحارس إلى المهاجم لصناعة معنى جماعي يتجاوز إنجاز الفرد الواحد.
ومن ثم، يمكن التمييز بين نمطين ثقافيّين في فهم اللعبة: نمط يحتفي بالخيال والفرجة والابتكار، ويجعل من كرة القدم امتداداً لروح جماعية عاشقة للجمال والاحتفال بالحياة، ونمط آخر يخضع لمنطق النجاعة والحسابات الباردة، ويختزل الانتصار في بعده التقني المجرد.
لذلك يميل الجويطي إلى تمجيد المدارس الكروية التي تعكس هوية ثقافية منفتحة على الإبداع والمغامرة، حتى عندما لا تفضي إلى الفوز، لأن قيمة اللعبة، في نهاية المطاف، لا تكمن فقط في النتيجة، بل في الصورة التي تقدمها الجماعات عن نفسها، وفي الكيفية التي تختار بها التعبير عن ذوقها ورؤيتها للعالم.
تأسيساً على كل ذلك، تعيدنا كرة القدم، حسب ما يراه بنعبد العالي، إلى واقع أنها الآن" بنية تحتية" لا تكتفي بأن تحدد التراتبيات الاجتماعية، وترسم العلاقات الدولية، وتعلي من دول وتحط من أُخرى، وإنما تذهب حتى إلى تحديد الهويات ورسم الانتماءات.
وهي لا تكتفي بأن تفعل في السياحة والاقتصاد، وإنما هي تحدد اليوم الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والولاءات للأوطان، إلى حد أن بإمكاننا الذهاب إلى القول بأن فرقنا الكروية غدت اليوم أوطاننا الجديدة.
وهو ما يسمح بالقول، في لحظتنا الراهنة، إن كأس العالم أصبح أقرب إلى كرنفال كوني للرموز والهويات، تتواجه داخله الأمم بوسائل سلمية، وتعيد عبره صياغة صورها عن نفسها وعن الآخرين.
وما يظهر على الشاشات باعتباره مباراة تدوم تسعين دقيقة، يخفي في العمق صراعاً رمزياً طويل الأمد بين الذاكرات والثقافات والسرديات الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك