فيلمان رياضيان عُرضا في الدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان" كانّ".
لحظات متعة خالصة، وترويح عن النفس بأفلام مغايرة لما يُشاهد عادة في المهرجان، وهروب مؤقت من عوالم قاتمة وحروب إلى أهداف أخرى أقلّ مأسوية، وأكثر وهجاً، لا سيما حين يتعلق الأمر بشخصيتين رياضيتين قلبتا الدنيا في فترة معينة، وسمع عنهما حتى غير المهتم بكرة القدم، الذي ربما شاهد مبارياتهما.
مارادونا وكانتونا يستحقان أفلاماً عدة، ليس لأدائهما المذهل في الملاعب فقط، بل لشخصية كل منهما التي تصلح مادة درامية بامتياز.
يستند" المباراة"، لخوان كابرال وسانتياغو فرانكو (كانّ بروميير)، إلى كتاب" المباراة" (2020) لأندريس بورغو، ويروي قصة المباراة التاريخية بين الأرجنتين وإنكلترا، المقامة على ملعب أزتيكا، في كأس العالم 1986.
يُفتتح بالتساؤل ما إذا كانت هناك عدالة على أرض الملعب، ويخلص إلى أن الأمر داخلُه مشابه لخارجه، في إشارة إلى أن ما جعل هذه المباراة حدثاً تجاوز زمانه، هدف مارادونا المثير للجدل، الذي بفضله فازت الأرجنتين.
يستعيد الفيلم لقطات أرشيفية نادرة، ويضع المباراة من اللحظات الأولى في سياق تاريخي، جعلها تتويجاً لأكثر من 200 عام من توتر ومواجهات بين البلدين.
يتتبع رحلة تاريخية، سادتها خلافات وروابط ثقافية بينهما، وصولاً إلى النزاع على جزر فوكلاند، ثم الحرب بسببها، التي سبقت المباراة مباشرة.
لا يسير السرد على منهج تقليدي، باتباع تسلسل تاريخي وخطين مستقلين، بإثارته حدثين (العلاقات المضطربة والمباراة)، بل يجول في ذاكرة التاريخ، مازجاً بين موضوعيه في إيقاع لاهث جدير بالمباريات الحماسية للأرجنتين، ومونتاج نابض بالحياة.
كما يعتمد أسلوباً سردياً مميزاً، فالشهادات لا تمر كما يجري عادة في فيلم توثيقي، يقدم فيها الشاهد شهادته مستلقياً بهدوء على كرسي.
هنا، تضفي اللغة السينمائية الآسرة أبعاداً فنية، تتجاوز التوثيق الرياضي.
لا تكتفي لقاءات شهود تلك الفترة، ومنهم أسطورتا كرة القدم المشاركان في المباراة، الإنكليزي غاري لاينكر والأرجنتيني خورخي فالدانو، بسرد معلومات، بل جعل الفيلم كل مشهد منها متعة بصرية، مع لقطات بالأبيض والأسود وكادر مدروس، وإضاءة تتيح إبداء انفعال المتحدثين، المتحمّس والمُحَمِّس.
يعيد الشاهدان، بأسلوب مشوّق، سرد ما حدث، فيكشفان خلفيات إحدى أشهر المواجهات في تاريخ كرة القدم، ويصوغان بتأنّ وتفصيل ما حدث على أرض الملعب تحضيراً للمباراة، ولحظات حاسمة فيها تتعلّق بالهدفين الشهيرين لمارادونا، اللذين يُعدّان الأجمل في البطولة، بل" هدفا القرن"، أحدهما مشكوك فيه بسبب لمسة يد مارادونا، والآخر لا مثيل له في عبقريته: إنّهما" يد الإله ورأس دييغو" (تعليق صحافي).
لاحقاً، سَردَا ردات فعل العالم والصحافة على الهدفين.
المؤثر في" المباراة" المزج المستمر بين التاريخ والرياضة، المترافق مع حماسة وإثارة للعواطف.
إليه، هناك" كانتونا" (المملكة المتحدة) لديفيد ترايهورن وبن نيكولاس (عروض خاصة)، اللذين ربما اختارا كانتونا لكونه الشخصية الأشهر والأكثر إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم البريطانية.
فسنواته الخمس في مانشستر يونايتد غيّرت وجه هذه الكرة، ومبادئه مؤثّرة في مسيرته المهنية.
عندما افتقرت الرياضة والحياة العامة، كما يقولان، إلى مساحة كافية للشخصيات الكبيرة وغير التقليدية، بدت قصة لاعب، رفض التنازل عن هويته وأسلوب لعبه، مناسبة تماماً لهذا الوقت.
ترافقت مسيرة كانتونا دائماً مع سؤال: " أملاك هو أم شيطان؟ ".
هذا طرحه الفيلم بإبراز خصوصية الشخصية واختلافها عن المغاير.
فمعروف أن غضبه وثورته سبّبا طرده، في الملاعب الفرنسية والبريطانية، لكن هذا لم يؤثر على شخصيته، حتى عندما بدا أنه سيعتزل الرياضة وهو في الـ25 من عمره، وفي أوج شهرته.
كان كانتونا" زهرة الشر" (وصف مستلٌّ من" أزهار الشر" لشارل بودلير)، كما أحبّ وصف نفسه في الفيلم.
قال ما يؤمن به، أكان بلوغه 20 عاماً أو 60، ورفض التغيير والشعور بالندم بعد كل سلوك له، أو لحظات غضب شهيرة في الملاعب، كما في تهجّمه على مُشاهدٍ، فمنع من اللعب بإنكلترا، ثم عاد إلى فرنسا.
صعب التعامل مع هذا الرائع في كل شيء، الذي يكفي أحياناً لا شيء ليفعل ما يبرّر طرده من الملعب، كما قال مدربه الأحبّ، الاسكتلندي ألكس فيرغسون.
كرة القدم بالنسبة إليه وسيلة تعبير عن الذات.
ينفر من الطاعة العمياء.
شخص متمرد، لا يُمكن السيطرة عليه، كما اشتهر بفرنسا.
يثور كلما شعر بقبضة تشتد عليه، كما وُصف.
لكن فيرغسون الوحيد الذي تمكن، بكفاءة مشهودة، من توظيف عبقرية هذا الرياضي الأكثر جاذبية وغموضاً، كما أكد كثيرون.
ومع أن الرياضة للمدرب وسيلة انضباط، جمعته مع كانتونا قصة صداقة وأبوّة، وتفاهم عميق، إذ عرف كيف يفهم رجلاً أسيء فهمه، وحُكم عليه دائماً بأنه عدائي وغامض.
فيرغسون أحسن التعامل معه، وغفر له نزوته في الملعب الإنكليزي، وأقنعه بالعودة إلى اللعب فيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك