إيلاف من الدوحة: في خيمته المقامة على أطراف العاصمة القطرية الدوحة، يستقبل علي الذوادي ضيوفه القادمين من عوالم السياسة والإعلام والدبلوماسية.
هناك، بعيداً عن قاعات الاجتماعات الرسمية وبروتوكولات المكاتب الحكومية، تدور أحاديث طويلة عن شؤون المنطقة والعالم، وعن الحروب والأزمات والتحولات الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط.
ورغم أن كثيرين يأتون إليه وهم يتوقعون أن يسمعوا أكثر مما يقول، إلا أنهم يكتشفون سريعاً أن الرجل يفضل الاستماع على الحديث.
فبحسب من عرفوه عن قرب، لا ينتمي الذوادي إلى مدرسة السياسيين الذين يحتكرون النقاش أو يسعون إلى فرض آرائهم، بل إلى فئة مختلفة ترى أن الإصغاء أداة قوة لا تقل أهمية عن الكلام.
ربما لهذا السبب تبدو جلساته أقرب إلى منصات لالتقاط المزاج السياسي منها إلى لقاءات هدفها إلقاء المواقف أو تسويق الأفكار.
فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة في دوائر القرار تعلم أن المعلومة غالباً ما تأتي من الإنصات أكثر مما تأتي من الخطابة.
يجمع الذوادي بين البساطة وسرعة الحركة والقدرة على بناء العلاقات الشخصية.
وحتى البياض الذي بدأ يغزو شعره مبكراً يبدو شاهداً على سنوات طويلة قضاها متنقلاً بين الملفات والأزمات والغرف المغلقة التي لا تظهر تفاصيلها على الشاشات.
رسمياً، يشغل علي الذوادي منصب مستشار الشؤون الاستراتيجية لرئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
لكن توصيف موقعه الحقيقي داخل الدولة يبدو أكثر تعقيداً من مجرد منصب إداري.
فمكتبه يقع على بعد خطوات من مكتب أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في منطقة الدفنة، فيما ينظر إليه كثيرون باعتباره جزءاً من الحلقة التنفيذية الضيقة التي شاركت في صياغة السياسة القطرية منذ انتقال السلطة إلى الشيخ تميم عام 2013.
وخلال السنوات الماضية، تشكل داخل الدوحة جيل جديد من المسؤولين الشباب الذين أوكلت إليهم مهمة إدارة مرحلة مختلفة من الحضور القطري إقليمياً ودولياً.
وكان الذوادي أحد أبرز وجوه هذا الجيل إلى جانب رئيس الوزراء، حيث جمعتهما رؤية متقاربة لطبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه قطر في منطقة تتغير موازينها باستمرار.
ولهذا لا يبدو مستغرباً أن يصفه مقربون منه بأنه “المؤثر الصامت”.
فهو لا يتصدر المشهد السياسي، لكنه حاضر في معظم الملفات الحساسة.
ولا يظهر كثيراً في الإعلام، لكنه يشارك في صناعة القرارات التي تتصدر العناوين لاحقاً.
بقي اسم علي الذوادي بعيداً عن التداول الإعلامي الواسع لسنوات، قبل أن تدفعه الحرب في غزة إلى واجهة الأحداث.
فمع تعقد المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس، تحولت الدوحة إلى مركز رئيسي للوساطة، وأصبح الذوادي أحد أبرز المسؤولين المنخرطين في إدارة هذا الملف المعقد.
وتشير مصادر مطلعة إلى أنه أمضى أشهراً طويلة متنقلاً بين العواصم، في محاولة لبناء تفاهمات تسمح بوقف إطلاق النار وإتمام صفقات تبادل الأسرى.
وخلال تلك الفترة، لم يكن الرجل مجرد ناقل رسائل بين الأطراف المختلفة، بل أصبح جزءاً من عملية صناعة التفاهمات نفسها.
فقد شارك في مناقشة التفاصيل الدقيقة، وساهم في بناء جسور الثقة بين أطراف لا تكاد تثق ببعضها البعض.
وبرز اسمه بصورة أكبر عندما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاسم في أكثر من مناسبة، في تطور نادر لمسؤول قطري لا يشغل منصباً سياسياً تنفيذياً تقليدياً.
كما نسج علاقات مباشرة مع دوائر نافذة داخل واشنطن، وأصبح أحد الوجوه المعروفة لدى صناع القرار الأميركيين المعنيين بملفات المنطقة.
علي الذوادي: صُنع في قطر.
وقفز على الباكستانوفي الوقت ذاته، حافظ على قنوات اتصال فعالة مع الإسرائيليين، وشارك في إدارة الحوارات الحساسة التي جرت بعيداً عن الإعلام، وهو ما عزز مكانته باعتباره أحد أبرز مهندسي الوساطة القطرية في المرحلة الأخيرة.
كيف قفزت الدوحة على الباكستان؟في عالم الوساطات الدولية، لا يكفي أن تمتلك علاقات جيدة مع الأطراف المختلفة، بل يجب أن تحظى بثقتها أيضاً.
ولسنوات طويلة، لعبت باكستان أدواراً مهمة في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الشكوك تتزايد لدى بعض الأطراف بشأن قدرة إسلام آباد على المحافظة على التوازن نفسه مع جميع اللاعبين.
هنا وجدت الدوحة فرصة للتقدم إلى الواجهة.
فبدلاً من تقديم نفسها باعتبارها وسيطاً تقليدياً ينقل الرسائل من طرف إلى آخر، عملت قطر على بناء نموذج مختلف يقوم على فهم هواجس كل طرف والتحدث بلغته السياسية والأمنية والدبلوماسية.
ويختصر أحد الدبلوماسيين الخليجيين هذه الفلسفة بالقول إن قطر لم تتصرف بوصفها “مترجماً” بين الأطراف، بل تحولت إلى “غرفة صدى” لكل طرف بلغته الخاصة.
وفي قلب هذا التحول برز علي الذوادي باعتباره أحد أكثر المسؤولين قدرة على إدارة هذا النوع من العلاقات المعقدة، مستفيداً من شبكة واسعة من الاتصالات ومن ثقة متنامية داخل واشنطن وعواصم المنطقة.
ومع اتساع الدور القطري في ملفات غزة وإيران وغيرها، بدا أن الدوحة نجحت في احتلال مساحة كانت تشغلها أطراف إقليمية أخرى، لتصبح مركزاً رئيسياً للوساطات السياسية في الشرق الأوسط.
لا يحب علي الذوادي الأضواء، وربما لهذا السبب ظل اسمه مجهولاً نسبياً خارج الدوائر السياسية حتى وقت قريب.
لكن السنوات الأخيرة جعلت من الصعب تجاهل حضوره.
فالرجل الذي بدأ مستشاراً يعمل بهدوء داخل مؤسسات الدولة، تحول تدريجياً إلى أحد أبرز وجوه الدبلوماسية القطرية الحديثة.
ومع كل أزمة جديدة، يزداد حضوره في الكواليس التي تصنع التفاهمات وتدير المفاوضات وتبحث عن المخارج السياسية.
وبين خيمة على أطراف الدوحة وغرف تفاوض تمتد من واشنطن إلى غزة وطهران، بنى علي الذوادي مكانته كرجل يفضل العمل بصمت، لكنه يترك أثراً يتجاوز بكثير حجم ظهوره العلني.
ولعل هذا ما يفسر لماذا أصبح اليوم واحداً من أهم رجال قطر في لحظة إقليمية تعاد فيها صياغة التوازنات والتحالفات والأدوار، ولماذا بات اسمه يتردد في كواليس السياسة أكثر مما يظهر في عناوين الأخبار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك