المطلع على مجال الذكاء الاصطناعي يدرك أن هناك انطباعاً عاماً بأن" أبل" تأخرت كثيراً في تطوير مزايا الذكاء الاصطناعي والدخول بقوة إلى هذا المجال، فمنذ إعلاناتها العام الماضي عن مزايا جديدة في النظام ونسخة مطورة من Siri، تأجلت الوعود أكثر من مرة ولم تقدم بالشكل الكامل الذي كان ينتظره المستخدمون، لكن خلال مؤتمر المطورين الأخير WWDC26 بدا أن" أبل" تحمل رؤية مختلفة.
فقد أعلنت عن مزايا جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب Siri AI، إلا أن ما لفت انتباهي أكثر من أي شيء آخر هو تركيز الشركة على نقطة جوهرية: أن غالب عمليات المعالجة ستتم داخل أجهزة المستخدمين أنفسهم، ولن يتم الاعتماد على السحابة إلا في نطاق محدود جداً.
وهنا يبرز السؤال: هل تأخرت" أبل" فعلاً في مجال الذكاء الاصطناعي، أم أنها كانت تتعمد التأخر لأنها تراهن على نهج مختلف قد يغير الصناعة؟هذه المقالة جاءت بعد حضوري مؤتمر المطورين الخاص بـ" أبل"، إذ شعرت أن طريقة الشركة في الحديث عن الذكاء الاصطناعي تختلف عن بقية الشركات، وأعتقد أنه إذا نجحت" أبل" في تنفيذ ما وعدت به، فقد تغير المجال كما اعتدنا منها في محطات سابقة.
إذا نظرنا إلى صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم سنجد أن معظم الشركات تواجه مشكلة كبيرة تتمثل في ارتفاع الكلف وصعوبة تحقيق الأرباح، فكلفة مراكز البيانات والطاقة أصبحت ضخمة للغاية، وغالب الاستثمارات الحالية تذهب إلى البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج العملاقة.
يكفي أن نراجع التقارير المالية للشركات الكبرى لنجد أن جزءاً كبيراً من الإنفاق موجه لمراكز البيانات والطاقة، ومن الواضح أن" أبل" كانت تدرك هذه المشكلة منذ وقت مبكر، لذلك استثمرت بصورة كبيرة في تطوير معالجاتها الخاصة، وبخاصة سلسلة M، لتكون قادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي محلياً على الأجهزة نفسها.
اليوم يمكن تقسيم الذكاء الاصطناعي إلى نموذجين رئيسين: الأول يعتمد على السحابة كما هي الحال في ChatGPT وGemini وغيرها من الخدمات، والثاني يعتمد على معالجة البيانات محلياً على أجهزة المستخدمين.
الفرق هنا أن المعالجة المحلية تنقل جزءاً كبيراً من الكلفة إلى الجهاز نفسه بدلاً من الاعتماد الكامل على مراكز البيانات، وهو ما قد يقلل الأعباء التشغيلية على الشركات بصورة كبيرة.
صحيح أن النماذج المحلية تواجه تحديات، أبرزها محدودية الوصول إلى المعلومات المحدثة مقارنة بالنماذج السحابية، لكنها في المقابل توفر مزايا مهمة تتعلق بالخصوصية والسرعة وتقليل الكلف.
ويبدو أن" أبل" انتبهت مبكراً لهذا الاتجاه، فحاولت تقديم تجربة مختلفة تعتمد على الاستفادة من قدرات أجهزتها ومعالجاتها، ولهذا نرى اليوم أن أجهزة Mac أصبحت خياراً مفضلاً لدى كثير من المطورين والمهتمين بتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً.
ومن هنا يعود السؤال مجدداً: هل تأخرت" أبل" فعلاً، أم أنها كانت تراهن منذ البداية على أن المستقبل سيكون للأجهزة القادرة على معالجة البيانات محلياً؟يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ما يعزز هذه الفكرة إعلان" إنفيديا" عن شريحة DGX Spark، التي صممت لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي محلياً بكفاءة عالية.
وهذا مؤشر إضافي إلى أن الصناعة بأكملها بدأت تتجه نحو تقليل الاعتماد الكامل على السحابة.
لذلك أرى أن المستقبل سيكون قائماً على نموذج هجين، تعالج فيه معظم البيانات محلياً، بينما تستخدم مراكز البيانات في المهام الأكثر تعقيداً.
وهذا يعني توفيراً كبيراً في الكلف وتقليل الضغط على البنية التحتية الضخمة التي أصبحت مكلفة للغاية.
ومن المرجح أيضاً أن تمتلك المؤسسات مستقبلاً أنظمتها وأجهزتها الخاصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً وتدريبها، مع الاعتماد على السحابة في نطاق محدود عند الحاجة، وهذا يمنح المستخدمين والشركات مستوى أعلى من الخصوصية والتحكم.
هنا أعتقد أن" أبل" قد تكون أمام فرصة لتغيير قواعد اللعبة، فلو نجحت في جعل تشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً تجربة سلسة وعملية للمستخدم العادي، فإنها قد تدفع الصناعة كلها إلى الاتجاه نفسه.
ويكفي أن نتذكر التصريحات المتكررة حول الكلفة الهائلة لتشغيل النماذج السحابية، لنفهم لماذا تبحث الشركات عن حلول تقلل الاعتماد على مراكز البيانات قدر الإمكان.
من وجهة نظري، " أبل" لم تتأخر كثيراً، بل اختارت التوقيت المناسب للدخول إلى المجال.
الشركة ترى أن خصوصية المستخدم عنصر أساس، وتعتقد أن استثماراتها الطويلة في تطوير معالجاتها الخاصة بدأت تؤتي ثمارها الآن.
وإذا نجحت فكرتها، فمن الطبيعي أن نرى شركات أخرى تتبنى النهج نفسه.
عندها لن يكون السؤال من يمتلك أكبر مركز بيانات، بل من يمتلك أفضل تجربة ذكاء اصطناعي تعمل بكفاءة على أجهزة المستخدمين.
الأمر في النهاية مرهون بمدى تقبل المستخدمين هذا النموذج، فإذا نجحت" أبل" في إقناعهم فقد تجد بقية الشركات نفسها مضطرة إلى السير في الاتجاه ذاته.
الشركات الأميركية اليوم تواجه منافسة متزايدة من" أبل" ومن الشركات الصينية في الوقت نفسه، ولهذا تبدو الأعوام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل صناعة الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة أن" أبل" تأخرت بالفعل مقارنة ببعض المنافسين، لكن هذا التأخر قد يكون في صالحها، فقد استفادت من تجارب الآخرين، وراقبت التحديات التي واجهتهم، ثم حاولت تطوير نموذج يتوافق مع نقاط قوتها الأساسية: العتاد، والبرمجيات، والخصوصية.
ولا أستبعد أن نرى" مايكروسوفت" و" غوغل" وغيرهما يتجهون تدريجاً نحو توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي المحلي، لكن" أبل" تمتلك ميزة مهمة تتمثل في سيطرتها الكاملة على المنظومة التقنية، من المعالج إلى نظام التشغيل.
ولهذا أعتقد أن الأعوام المقبلة ستكشف ما إذا كانت" أبل" قد تأخرت فعلاً، أم أنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقديم رؤية مختلفة قد تعيد رسم ملامح صناعة الذكاء الاصطناعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك