لم تعرف دورة لكأس العالم لكرة القدم هذا القدر من الانتقادات، السياسية منها والتنظيمية.
لكن بعيداً عن الجدل المرتبط بالبطولة، تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي ظروف إجراء المباريات نفسها في صيف أمريكا الشمالية.
فمناخ هذه الفترة من السنة في عدة مناطق من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا يثير قلقاً متزايداً لدى المنتخبات المشاركة والأطباء المختصين في طب الرياضة.
وتشير دراسات علمية منشورة خلال السنوات الأخيرة إلى أن اللاعبين قد يواجهون ظروفاً مناخية قاسية يمكن أن تؤثر على صحتهم وأدائهم، وربما على نتائج المباريات نفسها.
ويجمع باحثون في مجالات الصحة والبيولوجيا والمناخ على أن الخطر لا يرتبط فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل أيضاً بعوامل أخرى تجعل تأثير القيظ أكثر تعقيداً على جسم الرياضي.
الحرارة وحدها لا تفسر الخطرخلال هذه الفترة من السنة، تعرف عدة مدن مضيفة للمونديال درجات حرارة مرتفعة تتفاقم سنة بعد أخرى بفعل التغير المناخي.
غير أن ارتفاع الحرارة وحده لا يكفي لتقييم مستوى الخطر على جسم الإنسان.
فجسم الإنسان يمتلك آلية فعالة للتبريد تتمثل في إفراز العرق.
وعندما تتبخر قطرات العرق من سطح الجلد، فإنها تحمل معها جزءاً من حرارة الجسم الداخلية في عملية تعرف بالتنظيم الحراري للجسم (Thermoregulation).
لكن فعالية هذه الآلية تتراجع بشكل كبير عندما تكون نسبة الرطوبة مرتفعة.
فالهواء المشبع ببخار الماء يحد من قدرة العرق على التبخر، ما يجعل الجسم أقل قدرة على التخلص من حرارته.
ولهذا السبب قد تكون حرارة تبلغ أربعين درجة مئوية في جو جاف أقل قساوة بكثير من الدرجة نفسها في جو رطب.
لتقييم هذه الظروف المناخية، يعتمد الباحثون على مقياس علمي يسمى" درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية" (WBGT)، وهو مؤشر يجمع بين درجة حرارة الهواء والرطوبة وإشعاع الشمس وحركة الرياح.
وتشير عدة دراسات في طب الرياضة إلى أن أجسام الرياضيين تبدأ في التأثر بشكل ملحوظ عندما تبلغ قيمة هذا المؤشر 28 درجة مئوية.
في المقابل، لا تُفعّل بروتوكولات الحماية الرئيسية المعتمدة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلا عند مستويات أعلى تصل إلى 32 درجة، وهو ما يثير انتقادات متواصلة من قبل مختصين ومنظمات تمثل اللاعبين.
ماذا تقول الدراسات حول مدن المونديال؟من أبرز الدراسات التي تناولت ظروف إجراء مباريات كأس العالم 2026 تلك التي نشرت سنة 2025 في مجلة International Journal of Biometeorology.
وقد اعتمد الباحثون على بيانات الأرصاد الجوية ساعة بساعة خلال شهري يونيو ويوليو في المدن الست عشرة المضيفة للبطولة بين عامي 2003 و2022.
وأظهرت النتائج أن 14 مدينة من أصل 16 تتجاوز فيها قيمة WBGT العتبة المقلقة البالغة 28 درجة مئوية على الأقل خلال جزء من اليوم.
كما بينت الدراسة أن أعلى مستويات الخطر تسجل عادة بين الساعة الثانية عشرة ظهراً والخامسة مساءً، وهي الفترة نفسها التي برمجت خلالها عدة مباريات بالتوقيت المحلي من أجل ملاءمة أوقات المشاهدة في أوروبا وآسيا.
ومن بين المدن الأكثر إثارة للقلق، برزت ميامي الأمريكية ومونتيري المكسيكية، حيث تتجاوز قيم WBGT في كثير من الأحيان العتبة التي يعتبرها المختصون مقلقة.
وستستضيف المدينتان مباريات لمنتخبات من بينها السعودية وتونس والبرازيل، وإن كانت أغلب هذه المواجهات مبرمجة خلال الفترة المسائية.
أما في مدن أخرى مثل هيوستن ودالاس في ولاية تكساس، فقد برمجت عدة مباريات مهمة ابتداءً من منتصف النهار أو الثالثة بعد الظهر بالتوقيت المحلي.
ورغم أن الملعبين هناك مغطّيان، ما قد يساهم في خفض العبء الحراري، فإن دراسات علمية أخرى تشير إلى استمرار وجود مخاطر على أداء اللاعبين.
ماذا يحدث داخل جسم اللاعب؟هذا السؤال كان محور دراسة أخرى نشرت سنة 2024 في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature.
فالدراسة لم تكتفِ بوصف الظروف المناخية المتوقعة، بل حاولت قياس تأثيرها المباشر على جسم لاعب كرة القدم المحترف.
واعتمد الباحثون على نماذج تحاكي الجهد البدني الذي يبذله اللاعب خلال المباراة.
وخلال هذا الجهد ينتج الجسم مئات الواط من الحرارة الداخلية، التي يجب التخلص منها أساساً عبر التعرق.
لكن في ظروف الحرارة والرطوبة المرتفعتين، تصبح عملية التخلص من هذه الحرارة أكثر صعوبة.
كما تناولت الدراسة مسألة فقدان السوائل.
فخلال مباراة قد تمتد من تسعين إلى مائة وعشرين دقيقة، يمكن للاعب أن يفقد عدة لترات من الماء عبر التعرق.
ومع استمرار فقدان السوائل، يصبح من الصعب على الجسم تزويد العضلات والجلد وباقي الأعضاء بالكميات الضرورية من الدم في الوقت نفسه.
وترى الدراسة أن هذه الظروف لا تؤثر فقط على صحة اللاعبين، بل تغير أيضاً من طبيعة اللعبة نفسها.
فقد أظهرت أبحاث سابقة انخفاض المسافات المقطوعة من طرف اللاعبين، وتراجع عدد مرات الركض السريع (Sprint)، وهي عناصر أساسية في كرة القدم الحديثة.
كما يمكن للحرارة المرتفعة أن تؤثر على الانتباه وسرعة اتخاذ القرار والدقة الفنية.
وبالتالي، حتى إذا تمكن اللاعبون من تحمل الظروف المناخية القاسية من الناحية البدنية، فإن السؤال الذي يطرحه الباحثون يبقى: أي مستوى من الأداء يمكن تقديمه في مثل هذه الظروف؟تؤكد الفيفا أنها تأخذ ظروف الطقس بعين الاعتبار عند برمجة المباريات، كما قررت خلال مونديال 2026 اعتماد فترات استراحة لشرب الماء في كل شوط من شوطي المباراة.
وهي فترات ستُستغل لبث إعلانات إشهارية غالية التكلفة قد تُذر أرباحا إضافية للفيفا.
غير أن عدداً من المختصين يعتبرون أن ثلاث دقائق من الراحة لا تكفي للتعامل مع آثار القيظ الشديد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بارتفاع الحرارة الداخلية للجسم أو فقدان كميات كبيرة من السوائل.
ويتمحور الخلاف الأساسي بين الفيفا والعديد من الخبراء حول العتبة التي يبدأ عندها الخطر الحقيقي على اللاعبين.
فاستناداً إلى عدد من الدراسات العلمية، يدعو الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين (FIFPRO) إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ابتداءً من قيمة 28 درجة على مؤشر WBGT، بما في ذلك إعادة برمجة بعض المباريات عند الضرورة.
أما الفيفا فتواصل الاعتماد على حدود أعلى، وهو ما يجعل الجدل قائماً.
وفي النهاية، يبقى التحدي المطروح أمام منظمي كأس العالم 2026 هو تحقيق التوازن بين متطلبات المشاهدة العالمية ومتطلبات سلامة اللاعبين، في وقت تشير فيه الأدلة العلمية إلى أن الحرارة والرطوبة قد تصبحان من أبرز العوامل المؤثرة في مجريات البطولات الرياضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك