وأعلنت حكومة تحالف" تأسيس" نجاحها في تنظيم الامتحانات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وقال رئيس المجلس الرئاسي للتحالف محمد حمدان دقلو إن إقامة الامتحانات رغم الظروف والتحديات تمثل" انتصارا لإرادة الحياة والعلم، ودليلا قاطعا على المضي في طريق البناء".
وفي العام الماضي، عجز أكثر من 300 ألف طالب، من أصل نحو 580 ألف، عن الالتحاق بامتحانات الشهادة السودانية بسبب الأوضاع الأمنية، وفق تقديرات نقابة المعلمين السودانيين.
وقال بيان صادر عن تحالف" تأسيس" إن طلاب غرب السودان تعرضوا لـ" حرمان متعمد وجسيم" من حقهم الأصيل في التعليم.
وفي بيان صدر الثلاثاء، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) أهمية المساواة في الفرص التعليمية، وحق جميع الطلاب السودانيين في التمكن من أداء الامتحان الوطني نفسه، أينما كانوا.
ويأتي الجدل التعليمي في ظل خريطة شديدة التعقيد، ففي حين يسيطر الجيش على العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة في شرق وشمال ووسط البلاد، يسيطر تحالف" تأسيس"، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو ومجموعات أخرى، على كامل إقليم دارفور في غرب البلاد وأجزاء كبيرة من إقليم كردفان المجاور.
وتشكل دارفور وكردفان نحو 45 بالمئة من مساحة السودان الحالية، التي تراجعت من نحو 2.
5 مليون كيلومتر مربع إلى ما يقارب 1.
8 مليون كيلومتر مربع بعد انفصال الجنوب.
ورغم تأكيد تحالف" تأسيس" عدم دعمه لأي توجهات انفصالية، يرى مراقبون أن الإجراءات التي اتخذها خلال الفترة الأخيرة، ومن بينها تنظيم امتحانات منفصلة للشهادة السودانية، قد تعزز عمليا مسار الانقسام المؤسسي.
ويقول مراقبون إن هناك عوامل عدة تدفع باتجاه تعميق النزعات الانقسامية، من بينها انتشار خطاب الكراهية، وما يعرف بـ" قانون الوجوه الغريبة" الذي استهدف إثنيات دارفورية في مناطق سيطرة الجيش، إضافة إلى حرمان كثيرين من استخراج الأوراق الثبوتية أو الاستفادة من إجراءات تغيير العملة في مناطق الشمال والوسط والشرق، قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار يضمن استفادة سكان غرب السودان من تلك الخطوات.
أثار تنظيم الامتحانات في منطقتين وتوقيتين مختلفين جدلا واسعا بين مؤيدين ورافضين.
وحمل البعض السلطة التي يقودها الجيش مسؤولية مآلات حرمان مئات الآلاف من أداء الامتحانات، بسبب الأوضاع الأمنية والملاحقات التي تطال مجموعات عرقية محددة من غرب البلاد في مناطق الشمال والوسط والشرق.
وقالت نقابة المعلمين السودانيين إنها" تتبنى موقفا منحازا لحق الطلاب والطالبات في التعليم ومواصلة مسيرتهم الدراسية، بعيدا عن الاستقطاب السياسي والعسكري الذي فرضته الحرب على البلاد".
ورأت النقابة أن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع على عاتق أي جهة تعرقل قيام امتحانات الشهادة الثانوية السودانية الموحدة، أو تحول دون الوصول إلى حلول تضمن حق جميع الطلاب في الجلوس لامتحان وطني موحد.
في المقابل، قالت لجنة المعلمين الديمقراطيين إن خطوة تنظيم الامتحانات بشكل منفصل في مناطق سيطرة تحالف" تأسيس" تهدد وحدة البلاد وتمهد لظهور نظامين تعليميين، بما يفاقم مخاطر الانقسام السياسي والإداري في السودان.
لكن المحلل والكاتب الصحفي إيهاب مادبو حذر من تحويل التعليم من حق إنساني إلى امتياز تمنحه السلطة وفق الهوية والانتماء.
وأوضح مادبو لـ" سكاي نيوز عربية"، أن" الطلاب الذين جلسوا للامتحانات في مناطق غرب السودان هم أنفسهم الذين حرمتهم سلطة الجيش من حق الجلوس للامتحانات عبر التمييز الاجتماعي والثقافي".
وأضاف: " لم يتوقف الأمر عند الإقصاء التعليمي، بل تطور إلى توظيف التنميط والعنصرية نهجا للحكم، فاعتقل وقتل شباب فقط بسبب أسمائهم ولهجاتهم وانتمائهم الجغرافي".
أكدت" يونسيف" في بيانها أن الوصول إلى الامتحانات وإكمال المرحلة الثانوية لا يمثلان إنجازا مهما للطلاب فحسب، بل يشكلان" مسارا حاسما" نحو التعليم العالي، واكتساب المهارات، والحصول على الفرص المستقبلية التي يستحقها شباب السودان.
وقالت المنظمة: " يجب أن يتمتع جميع أطفال السودان بالحق الأساسي نفسه في التعليم، ومن أداء الامتحانات الوطنية بأمان ونزاهة، أينما كانوا"، مشيرة إلى أن كثيرا من الطلاب السودانيين واجهوا سنوات من الانقطاع الدراسي بسبب الحرب والنزوح.
وشددت على ضرورة تمكين جميع الطلاب، سواء في المناطق المتضررة من النزاع أو في مناطق النزوح أو في المناطق الأكثر استقرارا، من الوصول إلى الامتحانات الوطنية المعترف بها نفسها.
وأضافت أن الامتحان الموحد يساعد على ضمان العدالة، وحماية قيمة مؤهلات الطلاب، وتجنب الانقسامات التي قد تحد من فرصهم المستقبلية.
وقالت المنظمة إن المؤهلات المعترف بها تمثل، بالنسبة إلى جيل من الشباب تضرر تعليمه بشدة جراء النزاع، أساسا لمواصلة الدراسة والحصول على فرص عمل والمساهمة في تعافي السودان.
وحذرت" يونيسيف" من أن أنظمة الشهادات المجزأة تهدد بخلق عوائق قد تستمر حتى بعد انتهاء النزاع، وتحد من فرص الشباب لفترة طويلة بعد توقف القتال.
وطالبت أطراف الحرب بالاتفاق على توفير امتحانات معترف بها وطنيا في جميع أنحاء السودان، وكذلك في الدول المستضيفة للاجئين السودانيين.
واختتمت المنظمة بيانها بالتأكيد على أن التعليم يجب أن يبقى فضاء محايدا، وأن يصان من الانقسام، وأن تدار القرارات المتعلقة به بفهم واضح للتداعيات التي قد تترتب على جيل كامل إذا تعذر تحقيق ذلك.
وبين حق الطلاب في التعليم وخطر تكريس مؤسسات موازية، تبدو امتحانات الشهادة السودانية اليوم أكثر من مجرد استحقاق أكاديمي، فهي اختبار سياسي لوحدة الدولة، ومؤشر مبكر على ما إذا كانت الحرب ستترك وراءها سودانا موحدا بمؤسسات مشتركة، أم واقعا منقسما بشهادات ومناهج وسلطات متنافسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك