لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي، كاميرون هدسون، دعا فيه إلى تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية” كوسيلة لوقف الحرب الأهلية في السودان.
وقال إن الحرب في السودان دخلت عامها الرابع دون أي أفق للحل، فمنذ نيسان/أبريل 2023، تسبب الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نزوح ما يقارب 14 مليون شخص، من بينهم أكثر من 4 ملايين لجأوا إلى دول أخرى.
وقد تراجع الاهتمام الدولي بالقضية في الوقت الذي يتصاعد فيه العنف وتتفاقم فيه الكارثة الإنسانية.
ويبدو أن جهود الوساطة الدولية وصلت إلى طريق مسدود، تماما كالصراع الدائر، حتى إن قادة السودان الذين نصبوا أنفسهم للقيادة لا يستطيعون الاتفاق على من سيمثلهم في أي مفاوضات سياسية مستقبلية.
وفي الوقت نفسه، لم تعد خطوط القتال واضحة، فالسيطرة على منطقة كردفان الوسطى، الغنية بالذهب والزراعة والصمغ العربي، تتأرجح بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، حيث يكافح الطرفان للسيطرة على قلب البلاد الاقتصادي.
ومن كردفان، تستطيع قوات الدعم السريع التهديد بشن هجمات برية على العاصمة الخرطوم، مما يشكل تحديا كبيرا للإدارة التي يقودها الجيش، والتي تسعى جاهدة لإعادة الحياة إلى طبيعتها.
قادة السودان الذين نصبوا أنفسهم للقيادة لا يستطيعون الاتفاق على من سيمثلهم في أي مفاوضات مستقبليةمن جانب آخر، تطمح القوات المسلحة السودانية إلى توحيد البلاد، واستعادة دارفور غربا، ودفع قوات الدعم السريع إلى المناطق النائية الشاسعة، حيث نشأ العديد من مقاتليها.
إلا أن تحقيق ذلك قد يستغرق سنوات، وسيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلا لسكان دارفور أنفسهم الذين تسعى هذه القوات لتحريرهم من سيطرة قوات الدعم السريع.
وفي الصيف الماضي، أعلنت قوات الدعم السريع عن تشكيل حكومة مقرها مدينة نيالا في دارفور.
وبشكل يثير السخرية، أعلنت عن حكومة “سلام ووحدة”.
وقد وعدت القوات هذه بطباعة عملتها الخاصة وترخيص بنوك جديدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وفي الشهر الماضي، أنشأت مجلسا للأمن والدفاع يبدو أنه على وشك إنشاء جيش وطني منافس يتألف من مزيج متطرف من مقاتلي المتمردين والميليشيات.
ومع سيطرة قوات الدعم السريع على ما يقارب نصف البلاد، وقيادتها الآن من قبل هيئة حاكمة منافسة، تتزايد مخاطر تفكك السودان.
وفي ظل تزايد هذا الاحتمال، قد يخلص المجتمع الدولي إلى ضرورة منع قوات الدعم السريع من إنشاء إدارة إقليمية، فضلا عن منعها من تحقيق نصر كامل.
ولهذا السبب، أصدرت عدة دول، إلى جانب حلفاء الخرطوم التقليديين في مصر والسعودية وتركيا، دعوات لاحترام سيادة السودان على أراضيه.
وفي الآونة الأخيرة، أدانت المجموعة الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية وجامعة الدول العربية، الاعتراف بـ”هياكل حكومية موازية”.
كما أقر مسعد بولس، مبعوث إدارة ترامب، وإن على مضض، بأن الجيش السوداني هو “المؤسسة الدستورية” للبلاد التي يجب الحفاظ عليها لتجنب انهيار الدولة.
ويعتقد هدسون أن قوات الدعم السريع تتحمل، وبكل المقاييس، الجزء الأكبر من المسؤولية عن الجرائم الواسعة التي ارتكبت خلال الحرب ضد المدنيين.
فقد كانت هذه القوات وراء مجازر راح ضحيتها عشرات الآلاف في مدينتي الفاشر والجنينة بدارفور، إلى جانب غارات متكررة بطائرات مسيرة استهدفت مواقع مدنية حصرا.
وفي الوقت نفسه، كان الجيش السوداني مسؤولا أيضا عن قصف عشوائي لمواقع مدنية واعتقالات واحتجازات تعسفية لمعارضين سياسيين.
ونتيجة لذلك، حمّلت دول عديدة، بقيادة الولايات المتحدة، كلا الجانبين المسؤولية بالتساوي.
أما العقوبات التي فرضتها واشنطن، فقد كانت في معظمها متوازنة عمدا، إذ استهدفت قيادة كل طرف وقواته وموردي أسلحته وشبكاته المالية.
وفي الواقع، ذهبت واشنطن أبعد من ذلك في مارس الماضي عندما صنفت جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية أجنبية.
وبذلك، أشارت إلى أنها لن تتسامح مع أي عودة للفصيل الإسلامي الحاكم سابقا، المتحالف حاليا عسكريا مع الجيش، إلى السلطة.
كانت قوات الدعم وراء مجازر راح ضحيتها عشرات الآلاف في مدينتي الفاشر والجنينة بدارفور، إلى جانب غارات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع مدنية حصرا.
وقد فسر حلفاء السودان وسلطاته العسكرية هذا الإجراء بأنه متأثر بضغوط إسرائيلية وإماراتية، إذ تعتبر الدولتان فروعَ جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة تهديدا مباشرا لأمنهما.
وسواء كان ذلك مقصودا أم لا، فقد عزز هذا التصنيف مزاعم قوات الدعم السريع بشرعية الحكم وجعل الجيش أقل رغبة في التفاوض على وقف إطلاق النار مما كان عليه بالفعل.
وعليه، فالاستمرار في معاملة الطرفين المتحاربين على قدم المساواة لا يسهم إلا في تقويض الجهود المبذولة لعقد محادثات وقف إطلاق النار، وبالتالي إطالة أمد الحرب.
وبدلا من ذلك، ينبغي أن تسير السياسة الأمريكية بوضوح أخلاقي واستراتيجي.
وهذا يعني الاعتراف بأنه على الرغم من أن انتهاكات القوات المسلحة السودانية حقيقية، إلا أنها تختلف اختلافا كبيرا عن العنف الإبادي المروع الذي تمارسه قوات الدعم السريع.
كما يعني الاعتراف بأن احتمال تفكك ثالث أكبر دولة في أفريقيا يشكل تهديدا مباشرا لأمن البحر الأحمر وتوازن القوى الإقليمي.
وفي مواجهة هذه التهديدات، فإن توطيد القوات المسلحة السودانية للسيطرة العسكرية هو المسار المقبول الوحيد للمضي قدما نحو إرساء انتقال نهائي إلى الحكم المدني.
وبناء على هذا الفهم، يجب أن تصنف واشنطن قوات الدعم السريع منظمة إرهابية أجنبية، وأن تعلن صراحة أن توطيدها للسلطة وارتكابها جرائم ضد المدنيين السودانيين يمثل تهديدا واضحا لمصالح الأمن القومي الأمريكي.
ويقول هدسون إن من شأن هذا التصنيف تعزيز رفض المجتمع الدولي للسودان المنقسم، ويصعب إنشاء أي حكومة أو مؤسسات سياسية تابعة لقوات الدعم السريع، ويقوض جهودها لإعادة تقديم نفسها كفاعل سياسي شرعي.
ولعل الأهم من ذلك، أنه سيضع ضغوطا على الشبكة الأمنية والمالية الواسعة، التي يمر معظمها عبر الإمارات التي دعمت جهود قوات الدعم السريع العنيفة والمزعزعة للاستقرار.
ويعتقد هدسون أن تبرير هذا التصنيف سهل، فقد اتهم مسؤولون أمريكيون ومحققون من الأمم المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب العديد من أعمال العنف التي تصنف كإبادة جماعية منذ بداية الحرب.
فخلال حصار الفاشر، نفذ مقاتلو قوات الدعم السريع عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين، وأخضعوا النساء والفتيات للاستعباد الجنسي والاغتصاب الممنهج، وقاموا بعمليات قتل استهدفت مجتمعات غير عربية على أساس عرقي.
ووثقت منظمة “هيومان رايتس ووتش” أن قوات الدعم السريع استهدفت على وجه التحديد الأشخاص ذوي الإعاقة خلال عملية السيطرة، إلى جانب المستشفيات والمرافق الصحية الأخرى.
ومنذ سقوط الفاشر، انتقلت العديد من جرائم قوات الدعم السريع من البر إلى الجو.
ففي كل أسبوع تقريبا، تستهدف طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع، وصلتها من الإمارات، حشودا من المدنيين.
وفي أواخر أيار/مايو، ومع ازدياد إقبال الناس على الأسواق استعدادا لعيد الأضحى المبارك، هاجمت قوات الدعم السريع المتسوقين الذين كانوا يتزودون بالبضائع استعدادا للاحتفالات في وقت لاحق من ذلك اليوم، مما أسفر عن مقتل 14 مدنيا على الأقل.
كما كشف تحقيق أجرته وكالة “رويترز” قبل فترة أن أحد قادة قوات الدعم السريع الخاضعين للعقوبات، والذي ظهر في مقطع فيديو وهو يوجه بفخر فظائع ضد المدنيين الدارفوريين خلال سقوط الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر، أطلق سراحه سرا من معسكر احتجاز قوات الدعم السريع وعاد إلى قيادته في وقت سابق من هذا العام للمساعدة في “رفع معنويات” قواته بعد معركة ميدانية.
وتظهر عودته إلى الخدمة الفعلية إفلات قوات الدعم السريع التام من العقاب وتأييد قيادتها للإرهاب ضد السكان المدنيين.
وأضاف هدسون أن الهجمات الممنهجة التي تشنها قوات الدعم السريع على أهداف مدنية حصرا، كالمستشفيات ومخيمات النزوح والبنية التحتية الزراعية والمجتمعات العرقية، تندرج ضمن التعريف القانوني للإرهاب بموجب القانون الأمريكي، وهو الأساس الذي يرسي دعائم تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية.
ولا ترتكب قوات الدعم السريع فظائعها كنتيجة ثانوية للعمليات العسكرية فحسب، بل تستهدف المدنيين عمدا لتحقيق أهداف سياسية عبر الإرهاب.
وهذا هو الإرهاب بعينه، وفق الكاتب.
ومنذ عودته إلى منصبه، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجا موسعا في تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية.
فبحلول أوائل يونيو، كان قد صنف 29 منظمة إرهابية أجنبية جديدة، وهو عدد يفوق ما صنفه أي رئيس منذ استحداث هذا التصنيف عام 1997.
هذا بالإضافة إلى 11 منظمة أخرى صنفها خلال ولايته الأولى، وهي أداة يتقن استخدامها.
لا ترتكب قوات الدعم السريع فظائعها كنتيجة ثانوية للعمليات العسكرية فحسب، بل تستهدف المدنيين عمدا لتحقيق أهداف سياسية عبر الإرهابوأضاف هدسون أن آثار تصنيف قوات الدعم السريع على الجهود الإنسانية تختلف عن تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب في الفترة ما بين 1993-2020، منها أن قوات الدعم السريع ليست حكومة معترف بها دوليا، والمنطقة الخاضعة لسيطرتها لا تمثل سوى جزء من البلاد.
وفي الواقع، تتمتع المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية بوصول إنساني كبير، بما في ذلك عبر ميناء البحر الأحمر الرئيسي، الذي تصل منه معظم المساعدات.
في المقابل، تواجه المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع قيودا خطيرة على المساعدات.
وقد لا يحسن تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب من هذا الوضع، ولكنه لن يفاقم القيود التي تفرضها قوات الدعم السريع بالفعل.
علاوة على ذلك، ومنذ إدراج السودان على قائمة الإرهاب، أصبحت واشنطن أكثر دراية بكيفية صياغة تصنيفات الإرهاب للحد من تأثيرها على العمليات الإنسانية.
كما أن تصنيف منظمة عسكرية أجنبية ليس مجرد تسمية، بل هو أداة ضغط.
ويمكن، بل يجب، استخدامه للضغط على الإمارات لقطع الدعم عن قوات الدعم السريع ودفع الجيش السوداني إلى طاولة المفاوضات وإنهاء الحرب في نهاية المطاف.
وقد ترددت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مواجهة شركائها الإماراتيين بشكل مباشر بشأن دعمهم السياسي والعسكري السخي لقوات الدعم السريع.
وبالمثل، ستساعد هذه الخطوة في إعادة ضبط العلاقات مع قائد القوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي لطالما ادعى أن واشنطن منحازة للإمارات.
ورفض البرهان معاملة الجيش كشريك متساو مع قوات الدعم السريع في المفاوضات، كما رفض المناشدات الدبلوماسية، وعزز بدلا من ذلك تحالفاته مع مصر وتركيا والسعودية.
ومن خلال إظهار أن واشنطن لا تنوي منح قوات الدعم السريع شرعية سياسية مساوية، قد يسهل تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية.
ويعتقد هدسون أن النهج المتوازن تجاه أطراف النزاع فشل في الضغط على أي من الطرفين للدخول في مفاوضات وقف إطلاق النار.
وقد حان الوقت للاعتراف بالطبيعة الجوهرية لقوات الدعم السريع، والتي تجلت منذ بداية الحرب، وفرض خط أحمر ضد تعزيز سيطرتها على البلاد.
ذلك أن التقاعس عن القيام بذلك يؤدي إلى تسريع تفكك السودان في نهاية المطاف وزعزعة استقرار منطقة البحر الأحمر وتقويض الأمن القومي الأمريكي لسنوات قادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك