الرباط – “القدس العربي”: وضع القضاء المغربي نقطة النهاية لأحد أكثر الملفات إثارة للجدل المرتبطة بما يعرف إعلاميا باحتجاجات “جيل زد”.
وجاءت الأحكام الصادرة، مساء الخميس، عن محكمة الاستئناف (درجة ثانية) بالدار البيضاء في حق المتابعين في قضية “أحداث الطريق السيار” مخففة نسبيا، بما مكّن معظم الشباب من مغادرة السجن بعد احتساب مدة الاعتقال الاحتياطي ضمن العقوبات المحكوم بها.
وتأتي هذه الاحكام بعد أشهر من الجدل القانوني والحقوقي الذي رافق القضية وأثار نقاشا واسعا داخل الرأي العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول حدود الاحتجاج في الفضاء العام وشروط قيام المسؤولية الجنائية.
وتعود تفاصيل القضية إلى شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، حين انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق تجمعات شبابية واحتجاجات بالقرب من الطريق السيار في ضواحي مدينة الدار البيضاء، تسببت في عرقلة مؤقتة لحركة السير.
وأعقب ذلك فتح السلطات المختصة لتحقيقات أسفرت عن توقيف عدد من الأشخاص، بينهم راشدون وقاصرون، للاشتباه في مشاركتهم في الأحداث.
وشملت القضية 18 متهما راشدا، من بينهم ثلاثة في حالة سراح، إضافة إلى ستة قاصرين، حيث تمت متابعة بعضهم في حالة اعتقال والبعض الآخر في حالة سراح.
وقد نالت نصيبا وافرا من الاهتمام الإعلامي والحقوقي، نظرا لارتباطها بما يصطلح عليه إعلاميا باحتجاجات “جيل زد”، وهو حراك شبابي برز عبر شبكات التواصل الاجتماعي ورفع مطالب ذات طابع اجتماعي واقتصادي تتعلق بالتشغيل وتحسين الخدمات الصحية والأوضاع المعيشية.
وخلفت الأحكام ارتياحا لدى عدد من النشطاء الحقوقيين الذين اعتبروها خطوة إيجابية بالنظر إلى الإفراج عن غالبية المتابعين.
حيث غادر 13 متهما السجن مباشرة بعد النطق بالأحكام، بعدما كانت مدة اعتقالهم الاحتياطي قد غطت أو قاربت العقوبات المحكوم بها.
كما يرتقب أن يغادر متهمان آخران السجن خلال الأسبوعين المقبلين بعد استكمال ما تبقى من العقوبات الصادرة في حقهما.
وشملت الأحكام إدانة متهمين اثنين بعقوبات سالبة للحرية تراوحت بين ثمانية وتسعة أشهر حبسا نافذا، فيما استفاد باقي المتابعين من أحكام مخففة أو عقوبات موقوفة التنفيذ، وهو ما اعتبره دفاع المتهمين مؤشرا على أن المحكمة أخذت بعين الاعتبار محدودية الأدلة المباشرة المتوفرة في الملف، وأكد أهمية الاستناد إلى أدلة مادية واضحة في المتابعات الجنائية.
وعبّر حزب “التقدم والاشتراكية” المعارض عن ارتياحه العميق وابتهاجه الكبير بقرار الإفراج عن جميع الشباب المعتقلين على خلفية الاحتجاجات المرتبطة بحركة “جيل زيد 212”.
وقال: “إذ نثمن هذا القرار، لنستحضر بمسؤولية مواقفنا الثابتة والمستمرة التي طالما طالبنا فيها وأنشدناها في أكثر من مناسبة لإطلاق سراح هؤلاء الشباب والإنصات لتطلعاتهم”.
وفي بيان أصدره بالمناسبة، أعرب الحزب نفسه عن أمله في “أن يتم التعامل بنفس الروح الإيجابية مع جميع معتقلي الحركات الاحتجاجية، لتكون هذه الخطوة لبنة أساسية في مسار تحقيق انفراج سياسي وحقوقي شامل، من شأنه أن يعزز مناخ الثقة، ويخدم الاستقرار الاجتماعي والمسار الديمقراطي في المغرب”.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينات ومقاطع فيديو وثقت لحظات فرحة عائلات المتابعين عقب صدور الأحكام، حيث عبر العديد من المدونين والنشطاء عن ارتياحهم للإفراج عن غالبية الشباب المعتقلين في الملف.
واعتبر بعضهم أن الأحكام أنهت أشهرا من الترقب والقلق الذي عاشته الأسر المعنية، فيما كتب آخرون أن عشرات العائلات “تنفست الصعداء” بعد عودة أبنائها إلى الحرية.
كما تداول مستخدمون صورا ومشاهد لاستقبال المفرج عنهم، واصفين الخبر بأنه من أكثر الأخبار إيجابية خلال الأيام الأخيرة، بينما رأى آخرون أن القضية أعادت إلى الواجهة النقاش حول التوازن بين تطبيق القانون وضمان الحقوق والحريات.
وكانت النيابة العامة قد وجهت للموقوفين تهمة “عرقلة سير الناقلات بقصد تعطيل المرور ومضايقته”، وهي التهمة المنصوص عليها في الفصل 591 من القانون الجنائي المغربي، باعتبارها من الأفعال التي تمس بانسيابية التنقل والنظام العام.
في المقابل، تمسك دفاع المتهمين خلال مختلف مراحل المحاكمة بغياب الأدلة المادية المباشرة التي تثبت تورط موكليه في الأفعال الجنائية المنسوبة إليهم.
مؤكدا أن ملف المتابعة استند أساسا إلى تصريحات أدلى بها المتهمون أمام الضابطة القضائية، إضافة إلى أماكن توقيفهم وبعض التسجيلات المصورة التي وثقت الأحداث.
وإضافة إلى الجوانب القانونية، حضر الجانب الإنساني، خاصة أن عددا من المتابعين تبين أنهم كانوا تلاميذ مقبلين على اجتياز امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة).
وقد أدى ذلك إلى تأجيل إحدى جلسات المحاكمة خلال شهر حزيران/ يونيو لتمكين بعض المتهمين الموجودين في حالة سراح من اجتياز الامتحانات، وهي الخطوة التي تفاعل معها بحفاوة الوسطين التعليمي والحقوقي.
وسجل بعض المراقبين أن الأحكام الصادرة رغم أنها لم تصل إلى حد البراءة الجماعية، إلا أنها خففت بشكل واضح من الآثار العملية للمتابعة على أغلب المتهمين، خصوصا مع الإفراج الفوري عن معظم المعتقلين.
وجاء في تدوينة للإعلامية هاجر الريسوني: “الحمد لله على سلامة الشباب الذين كانوا معتقلين على خلفية حراك جيل زد في ما يعرف بـ”ملف الأوتوروت”، بعدما صدر الحكم في قضيتهم بما قضى”.
وأضافت “العقبى لكل المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم معتقلو حراك الريف، وسعيدة العلمي، والنقيب محمد زيان، وباقي معتقلي حراك جيل زد”.
وختمت تدوينتها بالقول “نحن في حاجة إلى انفراج سياسي وحقوقي حقيقي، وأولى خطواته طيّ ملف الاعتقال السياسي”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك