مأزق دار صباح ودارفور بين مطرقة عمسيب وسندان مناويان أهم ما تحتاجه الساحة السياسية الوطنية السودانية اليوم هو التفاعل مع الواقع السياسي والاجتماعي انطلاقا من رؤية تتميز بالشمول والعمق والصبر على تتبع الجذور العميقة للأزمة المزمنة في بلادنا ممثلة في استطالة الحرب الاهلية والفقر والتخلف، ومن ثم اكتساب مناعة ضد المشاريع التبسيطية والتهييجية المحبوسة في ثنائيات بسيطة متقابلة، وتوصيفات ساذجة مثل اختزال سبب الحرب في ان سكان الجنوب ودارفور حاقدون على سكان الشمال والوسط ويرغبون في قتلهم لمجرد انهم عرب! مع تجاهل الجذور التاريخية التي سممت العلاقة بين الطرفين وتقصير انظمة الحكم ولا سيما العسكرية منها في معالجة تلك الجذور.
في ثنائية المركز والهامش مثلا، لا توجد كتلة صماء اسمها المركز هي منبع كل الشرور والمظالم وبمجرد القضاء عليها يحل العدل والسلام والرفاه، ولا توجد كتلة صماء اسمها الهامش كلها في خانة الضحية المظلومة وبانتصارها يحل السلام والعدل والرفاه.
هذه ثنائيات الوهلة الاولى! التي تنتج “رومانسيات سياسية” ينطلق منها الصراع السياسي والاجتماعي باقصى درجات الاندفاع.
ولكن عندما يستمر هذا الصراع طويلا لسنوات ثم لعقود كما حدث في السودان، فإن الواقع سيختبر تلك الرومانسيات التي يتدثر بها المحاربون او المناضلون، ونتيجة هذا الاختبار لن تمنح المركز شهادة براءة كاملة، ولكنها بالضرورة ستتحدى قوى الهامش، إذ انها ستستوجب أفقا فكريا أوسع من رومانسيات وثنائيات الوهلة الاولى التي سقطت بالتجربة العملية! وسقوطها يجب ان يفتح الباب لأسئلة جديدة ومقاربات جديدة وتحديات جديدة مسرحها الهامش نفسه، وبالتأكيد لن تكون الاجابة على تلك الأسئلة متوفرة في “الدفاتر القديمة” للسلطة المركزية المختلة التي احتج عليها الهامش بالسلاح، وبذات القدر لن تكون الاجابة متوفرة في ” الدفاتر القديمة” لحركات الهامش الاحتجاجية في نسختها الرومانسية الاولى.
الاجابة ستكون في مربع جديد ينتج عن تطور عقلاني وتقدم اخلاقي في الضفتين معا، ذلك التطور يحتاج الى عقلية نقدية في المركز تقود الى قطيعة حقيقية مع العنصرية التي تحدد التراتبية السياسية والاجتماعية على اساس اثني وجهوي، ومع المركزية القابضة في السلطة والسياسات الاقتصادية التي تهمل التنمية المتوازنة، واختزال الهوية الوطنية في هوية المكون العربي الاسلامي فقط، كما ينبغي ان يتضمن ذلك التطور الاعتراف الكامل بالمظالم التاريخية الناتجة عن مؤسسة الرق والثقافة السياسية والاجتماعية التي ترتبت عليها وساهمت في اهدار حقوق المواطنة المتساوية.
اما في ضفة الهامش فلا بد من عقلية نقدية تتجاوز فكرة الاصطفاف السياسي على اسس عرقية وقبليةوكأنما المطلوب لحل قضايا الاقاليم المهمشة هو تغيير اعراق وقبائل الحكام لا تغيير السياسات ومناهج الحكم، فهذا يفتح الطريق امام اعادة انتاج ازمة الدولة المركزية في الاقاليم المهمشة!حركات دارفور المسلحة مثلا، وعلى رأسها حركتا مناوي وجبريل تحولت الى مجرد تنظيمات تمارس الابتزاز العرقي والجهوي بقوة السلاح بهدف حيازة المناصب والموارد لصالح مجموعة قبلية مسلحة، وهذه المجموعة هي اقلية عددية وسياسية في اقليم دارفور نفسه، ولا تمتلك رؤية فكرية او مشروع تنموي للنهوض بقرية واحدة في اقليم دارفور بما في ذلك مسقط رأس القيادات، وكل من ينتقد هذه الوضعية تنهشه السنة البذاءة والاكلشيهات الجاهزة: الجلابة واهل المركز واصحاب الامتيازات التاريخية، وفي المقابل تيار ما يسمى بدولة النهر والبحر الذي ينادي بفصل دارفور يزعم ان احد أسباب مطالبته بالانفصال هو ما تفعله حركتا مناوي وجبريل، اضافة الى ما فعله الجنجويد من انتهاكات بشعة ضد سكان الشمال والوسط.
ولكن السؤال هل وحدها حركتا مناوي وجبريل التي تفرض دكتاتورية الاقلية بقوة السلاح وتمارس الفساد ونهب الموارد وانتزاع السلطة بالقوة حتى نقفز الى نتيجة ان المشكلة في اقليم اسمه دارفور ويجب علينا التخلص منه؟ وهل هذه الحركات تمثل كل سكان دارفور ام هي حركات تمثل قبيلة واحدة في دارفور؟ والسؤال الأهم أليست هذه الحركات مجرد شريك أصغر للصوص كبار في المركز من خلفيات قبلية نهرية بحرية؟ أليس السياق السياسي والبيئة الفاسدة التي يسرح ويمرح فيها مناوي وجبريل هي من تصميم وبناء عقول نهرية بحرية وعلى رأسها العقول الكيزانية؟ والد.
عم السريع الذي تولول جماعة النهر والبحر من انتهاكاته الم يصنعه الكيزان لحماية سلطتهم وقال رئيسهم “النهري” حمييدتي حمايتي؟ الم يرتكب الجنجويد انتهاكات مروعة في دارفور نفسها تفوق انتهاكاتهم في الشمال اضعافا وقد خطط لتلك الانتهاكات عقل ” نهري كيزاني” وساعد في تنفيذها جيش يسيطر على قيادته النهريون! وفي ذلك الوقت كانت الانتهاكات مباركة ومحصنة ضد اي مساءلة لانها في خدمة السلطة؟ ! ما هو المنطق في ربط العنف بدارفور فقط على اسس عرقية وتجاهل الملابسات السياسية المحيطة وعلى رأسها ولوغ نظم سياسية تزعم تمثيل العروبة والاسلام في بحور تلك الدماء المسفوكة؟ !وهل انتهازية الحركات وإجرام الد.
عم السريع – وقد استثمرت السلطة المركزية في كليهما – تنفي ان لدارفور قضية عادلة؟ان قضية دارفور ممثلة في التنمية والمشاركة العادلة في السلطة والثروة القومية، وفي فيدرالية حقيقية تمكن اهلها من حكم انفسهم بما يراعي خصائصهم الثقافية واحتياجاتهم التنموية، هي قضية عادلة جدا وقضية كبيرة جدا! اكبر من مناوي وجبريل، واكبر من حميدتتي ومشروعه المليشياوي، واكبر من عبد الواحد والهادي ادريس والطاهر حجر وصندل!عندما نناقش ازمة دارفور يجب ان لا نغفل دور ” العقل المركزي ” في صناعتها وهندسة الملعب السياسي بشكل ادى الى انتاج واستمرار الازمة في دارفور وفي كل السودان!الجنجوييد مثلا، لم يهبطوا من السماء بل هم صنيعة عقل السلطة المركزية في نسختها الكيزانية! اتفاق جوبا للسلام الذي فتح الطريق لتمكين حركات مسلحة انتهازية تحولت الى وديعة تحت الطلب لجناحي المؤسسة العسكرية الانقلابية، اذ ساندت اطراف سلام جوبا الانقلاب على الفترة الانتقالية، وبعد الحرب انحاز الجزء الاكبر منها للجيش والجزء الاخر للد.
عم السريع، هذا الاتفاق الكارثي كان خطأ تتحمل مسؤوليته الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري.
وبالتالي فإن القفز بالزانة الى نتيجة مفادها ان الانتهاكات والعنف الذي تعرض له سكان الشمال والوسط خلال حرب الخامس عشر من ابريل ٢٠٢٣ يجب ان تقود شمال ووسط وشرق السودان للمطالبة بالانفصال لانهم هدف للقتل والانتهاكات لمجرد انتمائهم العرقي والجهوي، فهذا منطق لا يصمد امام الحقائق الموضوعية، بل هو محاولة انقاذ ” للشمال السياسي” عبر مساعدته على الهروب الى الأمام من المساءلة التاريخية عن فساد منهجه في ادارة الدولة السودانية منذ استقلالها، المنهج الذي تسبب في احراق البلاد بالحروب الاهلية على مدى نصف قرن، وهنا يجب التمييز بين ” الشمال السياسي” وهو منهج فاسد وقاصر للحكم والادارة نفذته مؤسسات كان اهل الحل والعقد فيها ينحدرون في الغالب من قبائل الشمال والوسط، وبين الشمال والوسط كجغرافيا ومواطنين لا يمكن تحميلهم مسؤولية جرائم واخفاقات الانظمة السياسية، لان الانظمة التي حكمت ثمانية وخمسين سنة من سنوات الاستقلال السبعين لم ينتخبها الشعب السوداني ولم تباركها قبائل شمال السودان، بل كانت انظمة دكتاتورية عسكرية تضرر منها سكان الشمال والوسط وعارضوها وبطشت بهم سجنا وتعذيبا وتخلفا في التنمية.
فإذا كانت معركة حركات الهامش ضد ” الشمال السياسي” بمعنى ضد سياسات وطرائق حكم وثقافة سياسية عنصرية، حتما سوف تجد ثورة الهامش حلفاء في الشمال والوسط من انصار الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية وسيصب ذلك في مصلحة التغيير باتجاه الديمقراطية والتنمية ووحدة البلاد.
تجربة المعارضة المسلحة على مدى نصف قرن في السودان افرزت نتائج ملموسة على الارض: دولة كلبتوقراطية في جنوب السودان اذاقت الجنوبين حروبا قبلية، وانتهاكات مروعة، وفسادا مستشريا! باختصار نموذج حكم دكتاتوري قامع باطش ناهب لقوت الفقراء! وحركات مسلحة انتهازية وفاسدة في دارفور بوصلتها السياسية مضبوطة في اتجاه حيازة السلطة والموارد لتحقيق مصالح ضيقة لافراد، هذه النتائج المحسوسة الملموسة نسفت بشكل كامل منطق المظلومية وفتحت الباب على مصراعيه لمشروعية نقد ” المحامين الفاشلين” الذين هزموا قضية المهمشين وهي قضية عادلة بلا شك.
ولكن المصيبة ان المحامين الفاشلين يمارسون الابتزاز العرقي والجهوي لتحصين انفسهم من اي نقد او مساءلة، وعلى أساس هذا الابتزاز المدجج بالسلاح يسعون لاستدامة مكاسب سياسية واقتصادية غير عادلة لا لصالح دارفور بل لصالح افراد من مكون قبلي واحد، وفي مقابل هؤلاء مضافا اليهم الجنجوييد بانتهاكاتهم المروعة برز “المحامون الفاشلون عن الشمال والوسط” عبر ما يسمى ” دولة النهر والبحر” التي في جوهرها تشبه فكرة ” منبر السلام العادل ” بقيادة الطيب مصطفى الذي برز بقوة بعد اتفاقية نيفاشا مطالبا بانفصال شمال السودان عن جنوبه متواطئا مع التيار الانفصالي في الحركة الشعبية، دائما الخطة باء للحركة الكيزانية هي التضحية بوحدة البلاد عندما تفشل في الهيمنة الكاملة عليها.
والهدف ليس انقاذ الشمال والوسط من انتهاكات الجنجوييد او ابتزاز قوات مناوي وجبريل بل الهدف هو انقاذ سلطة اقلية مجرمة وفاسدة في الشمال وتأمين مخرج بطولي لها من مأزقها الشائك! فقد فشلت هذه الأقلية العسكركيزانية في حكم السودان كاملا، وادخلت الوطن كله في هذا النفق المظلم، وترغب في انقاذ سلطتها عبر تقسيم جديد للبلاد، لو نجح سوف يتقزم الوطن الى ” دولة الخور والترعة” وليس النهر والبحر، لان الخطاب الشعبوي التهييجي العنصري لهذا المشروع اصغر بكثير من النهر والبحر، وأفقه العرقي المحدود والمدجج بالكراهية لا يحمل للشمال والوسط والشرق سلاما او عدلا او ديمقراطية! فهو كالنار التي بعد ان تأكل وحدة السودان ستأكل وحدة الشمال والوسط والشرق، وستجعل النهر والبحر نهبا للطامعين وما أكثرهم!اهل دارفور يطلقون على شمال ووسط وشرق السودان ” دار صباح” وهذا الاسم ينضح بالفأل والظن الحسن، لا بارك الله في من يريد اطفاء صباحنا وتحويلنا الى دار للكراهية!رسالة الاحرار والشرفاء في شمال ووسط وشرق السودان هي طرد الظلم والظلام من دار صباح لتسعد هي اولا، ولترد التحية لمن احسنوا الظن بها.
وختاما: يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك