بغداد ـ « القدس العربي»: أظهرت الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة علي الزيدي، خطوات جدّية في ملف مكافحة الفساد، بإعلانها التدقيق في المشاريع التي أبرمتها الحكومة السابقة، فضلاً عن الإطاحة بأحد كبار المسؤولين المتهم بـ«الفساد»، لتفتح الباب أمام جمّلة تساؤلات من بينها مدى قدرتها في المضي بهذا الملف، في ظل ارتباطات وثيقة «للفاسدين» بشخصيات نافذة.
وفي غضون نحو شهر على تولي الزيدي رئاسة الحكومة، أعلن البدء بحملة حكومية واسعة النطاق لمراجعة وتدقيق العقود الحكومية الكبرى ومكافحة هدر المال العام، كانت أولى نتائجها القبض على وكيل وزارة النفط السابق، عدنان حمد حمود الجميلي، في أطراف محافظة صلاح الدين، بتهم تتعلق بـ«تضخيم عقود المشاريع، وتلاعب في المواد والأدوات الاحتياطية، وتهريب النفط والعمولات، وتمويل جهات خارجية»، وغيرها من القضايا المرتبطة بـ«الفساد».
بدأت ملامح القضية تتضح عندما صدر قرار بإقالة الجميلي والإعفاء من منصب مدير عام شركة مصافي الشمال، في مطلع أيار/ مايو 2026.
وحسب تصريحات للزيدي، فإن الجميلي عرض عليه رشوة بقيمة 200 مليون دولار أمريكي عبر وسيط، لإغلاق ملفات الفساد ضده، فيما أشارت مصادر ضليعة الى أن قيمة المبلغ المعروض على الزيدي من الممكن أن ترتفع إلى 600 مليون دولار.
ولم يُكشف بعد عن حجم الأموال والممتلكات التي تحصّل عليها الجميلي جراء نشاطات مشبوهة منسوبة له، لكونه يخضع للتحقيق وإجراءات القضاء العراقي، غير إن السلطات الأمنية والقضائية وجدت في منازل وعقارات الجميلي مبالغ نقدية تقدّر بـ10 ملايين دولار، فضلاً عن 3 مليارات دينار (نحو مليوني دولار) ومصوغات ذهبية تقدّر بـ1.
5 كغم، ناهيك عن مجموعة من العقارات الموزعة بمحافظات بغداد وصلاح الدين وأربيل، وكميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، حسب مصادر متطابقة.
وتفتح هذه القضية الباب واسعاً أمام «جهات أكبر» تقف وراء ما يعرفون محلّياً بـ«حيتان الفساد»، تستغل نفوذها لتعبيد الطريق أمام الجميلي وأمثاله.
ويقول الوزير العراقي الأسبق، باقر الزبيدي، في بيان صحافي: « مرعبة تلك المعلومات التي كشفت عنها قضية اعتقال وكيل وزارة النفط، التي تعتبر واحدة من قضايا كبرى نتمنى أن تكشف كل تفاصيلها قريبا».
وأشار إلى إن «مبالغ طائلة وأسلحة وكميات من الذهب لوكيل وزارة واحدة، والسؤال الذي يجب أن يطرح قبل محاسبة المتهم هو من يقف وراء هذا الشخص، ومن يوفر الحماية والدعم، وكيف وصل إلى المنصب، واستمر فيه؟ ».
ورجّح أن تكون «عمليات غسيل أموال الفساد عبر شخصيات لمصلحة شخصيات أكبر، هي واحدة من أهم العقد التي تقف أمام إنهاء الفساد في العراق»، مبيناً إن «العراق أصبح ساحة لعمليات غسيل أموال من الداخل، ومن الخارج، وبنظرة دقيقة على سوق العقار في العراق نلاحظ أن هناك أرقاما فلكية تدفع مقابل عقارات؛ لا تستحق نصف الثمن المدفوع فيها، وكل ذلك يدخل في إطار عمليات غسيل الأموال».
وقف صرف أكثر من 85 مليون دولار في وزارة الاتصالاتوأضاف: «أما عن السلاح المضبوط، فإننا نتمنى أن تشمل عملية حصر السلاح بيد الدولة جميع المكونات، ولا تكون حكرا على طرف دون آخر حتى لا نشهد حوادث مثل الحوادث التي تجري في سوريا»، حسب قوله.
ويرى الزبيدي إن «أبواب الفساد اليوم أصبحت واضحة للجميع»، لافتاً إلى إنه « إن كانت هناك عملية إصلاح في العراق، فلا بد أن تبدأ من أعلى الهرم إلى أسفله، فتلك هي الطريقة المثلى للإصلاح والطريقة الوحيدة لإرجاع أموال العراقيين».
واعتبر أنه «لا بد من الإسراع بمواجهة غسيل الأموال، ونحن على ثقة أن هناك أكثر من سرقة موجودة نتمنى أن لا تنتهي كما انتهت سرقة القرن بضبابية».
في ملف النفط أيضاً، كان النائب علاء الحيدري، قد كشف عن توجيه كتاب رسمي إلى الزيدي، بشأن مخالفات جسيمة وهدر في المال العام داخل إحدى الشركات النفطية.
الحيدري ذكر في «تدوينة» هذا الأسبوع، أن الكتاب تضمن الكشف عن ملف يتعلق بما أسماه «حوت نفط جديد»، مشيراً إلى أن «القضية سبق أن عُرضت على الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، إلا أنها لم تتخذ أي إجراء بشأنها»، على حدّ قوله.
الحديث عن قضايا الفساد في العراق لا يقتصر على وزارة النفط وحسب، بل امتد إلى وزارة الاتصالات، التي كشف وزيرها مصطفى سند، مؤخراً، عن وقف صرف أكثر من 85 مليون دولار، يشوبها «فساد» كانت في طريقها إلى «الإمارات»، من دون الكشف عن تفاصيل القضية.
لكن وزيرة الاتصالات السابقة ورئيسة السنّ للجنة الاتصالات النيابية، هيام الياسري، تحدثت عن إن القضية تعود لعام 2007.
وذكرت في بيان صحافي أن «المقصود هو أحد العقود القديمة جداً للوزارة التي تعود لعام 2007 مع شركة (المزايا) والتي ترتب على إثرها في زمن وزراء سابقين ديون بمبالغ كبيرة مستحقة قضائياً لهذه الشركة، بذمة الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية»، العائدة لوزارة الاتصالات الاتحادية.
وأضاف: «نجحنا في فترة إدارتنا للوزارة بتقسيط هذه الديون بأقساط شهرية، لكن في الأشهر الأخيرة وبعد مغادرتنا للوزارة ونتيجة لتواطؤ أحد المصارف الأهلية وبقرار من أحد منفذي العدول، تقرر تحويل مبلغ الدين المذكور كاملا وليس تقسيطه، إلى ورثة صاحب الشركة المتوفى (والذين يسكنون دبي)».
وتعهدت الياسري في بيانها بـ «اتخاذ الاجراءات القانونية لاستجواب مدير المصرف الاهلي ومنفذ كاتب العدل اللذين قاما بذلك الاجراء»، حسب قولها.
في مقابل ذلك، يرى النائب السابق عن الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، ماجد شنكالي، إن أغلب القوى والشخصيات السياسية متورطة في الفساد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك