اليوم، ومع التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي، والتجارب التنموية المتباينة، أصبحت الإشكالية أكثر تعقيدًا ما بين أن تبقى الدولة فاعلًا اقتصاديًا مركزيًا كما في التصور الاشتراكي التقليدي، أم تقتصر على التنظيم والرقابة وتهيئة البيئة كما في الرؤية الليبرالية الحديثة.
هذه الإشكالية لا تُناقش في فراغ نظري، بل تنعكس مباشرة على تجارب الدول النامية، وفي مقدمتها مصر، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية والاجتماعية مع التحديات الاقتصادية البنيوية، ومع تصورات النخبة حول معنى التنمية نفسها.
يرى الاتجاه الاشتراكي أو اليساري في الفكر الاقتصادي أن الدولة تظل هي الضامن الأساسي للعدالة الاجتماعية، وأنها مطالبة بالتدخل المباشر لتصحيح اختلالات السوق، وتوفير الدعم للفئات الفقيرة، وضبط الأسعار، وتقديم الخدمات الأساسية بوصفها حقوقًا وليست سلعًا.
ويستند هذا الاتجاه إلى حجة أخلاقية واجتماعية مفادها أن السوق وحده لا يضمن توزيعًا عادلًا للثروة، بل قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الطبقات، وبالتالي فإن غياب الدولة أو تقليص دورها يؤدي إلى تهميش شرائح واسعة من المجتمع.
لكن الإشكالية التي يطرحها هذا النموذج في التطبيق العملي تكمن في أن التوسع الكبير في دور الدولة قد يتحول إلى عبء اقتصادي وإداري.
فمع الوقت، تصبح الدولة مسؤولة عن إدارة تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من الدعم إلى التشغيل إلى التسعير، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تضخم الجهاز الإداري، وضعف الكفاءة، وتراجع الإنتاجية، وخلق اقتصاد يعتمد على الإعانات أكثر من اعتماده على النمو المستدام، وهنا تتحول الدولة من راعية للتنمية إلى متحملة للفقر بدلًا من معالجته جذريًا.
في المقابل، يقدم الفكر الرأسمالي والليبرالي الحديث تصورًا مختلفًا، يقوم على تقليص دور الدولة إلى حدود التنظيم والرقابة، وترك المجال للقطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.
وفق هذا التصور، فإن السوق أكثر كفاءة في تخصيص الموارد، وأكثر قدرة على الابتكار، وأسرع في خلق فرص العمل.
غير أن هذا النموذج، رغم نجاحه في بعض التجارب، لا يخلو من مخاطر، أبرزها اتساع الفجوة الاجتماعية، وتهميش الفئات الأقل قدرة على المنافسة، وترك مناطق كاملة خارج دائرة التنمية.
من هنا نشأت في العقود الأخيرة مقاربة وسطية تُعرف باقتصاد السوق الاجتماعي أو الدولة التي تقوم بالتمكين، حيث لا تنسحب الدولة من الاقتصاد، ولا تهيمن عليه بالكامل، بل تعيد تعريف دورها بوصفها منظمًا وميسرًا وشريكًا في التنمية.
في هذا النموذج، تتجه الدولة إلى الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وتضع أطرًا تنظيمية عادلة للسوق، بينما يُترك النشاط الإنتاجي المباشر للقطاع الخاص، في إطار شراكة واضحة بين الطرفين.
عند تطبيق هذا الجدل على الحالة المصرية، نجد أن النقاش داخل النخبة الفكرية والسياسية لا يزال أسيرًا إلى حد كبير للاستقطاب التقليدي.
فهناك تيار يصر على استمرار الدولة في لعب الدور المركزي في الاقتصاد، خصوصًا في ما يتعلق بالدعم الاجتماعي ومكافحة الفقر، معتبرًا أن أي تقليص لهذا الدور سيؤدي إلى أزمات اجتماعية حادة.
في المقابل، هناك تيار آخر يرى أن استمرار الدولة في هذا الشكل التقليدي يعيق التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة، ويحد من قدرة القطاع الخاص على النمو وخلق فرص العمل.
الإشكالية الأساسية هنا ليست فقط في حجم دور الدولة، بل في طبيعة هذا الدور، فالمشكلة لا تكمن في أن الدولة تدعم الفقراء، بل في كيفية إدارة هذا الدعم وتحويله من سياسة دائمة لإدارة الفقر، إلى أداة انتقالية لتمكين الفئات الفقيرة من الخروج من دائرة الاعتماد إلى دائرة الإنتاج.
على أن لا يتم عبر آليات بيروقراطية تقليدية، بل عبر نظم أكثر كفاءة وشفافية تعتمد على التحول الرقمي والاستهداف الدقيق للفئات المستحقة.
التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة تعكس هذا التوتر بين النموذجين، فمن جهة، هناك توسع في مشروعات البنية التحتية الكبرى، ومحاولات لجذب الاستثمارات، وتعزيز دور القطاع الخاص.
ومن جهة أخرى، لا يزال الدعم الاجتماعي حاضرًا بقوة باعتباره أداة أساسية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، هذا التوازن يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن التحول الكامل نحو أي من النموذجين غير ممكن في السياق المصري الحالي.
في تقديري، يجب تبني نموذج أكثر قدرة على التكيف مع الواقع المصري، وتشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي نجحت في تحقيق تنمية مستقرة هي تلك التي أعادت تعريف دور الدولة لا بوصفه بديلًا عن السوق أو تابعًا له، بل بوصفه إطارًا حاكمًا يضمن العدالة والكفاءة في آن واحد.
بناءً على ذلك، فإن النموذج الأنسب لمصر ليس الدولة المتضخمة ولا السوق المنفلت، بل الدولة الذكية التي تركز على التنظيم، وتمكين القطاع الخاص، وإعادة توجيه الدعم من الاستهلاك إلى الإنتاج، وتحويل سياسات مكافحة الفقر من إدارة دائمة للاحتياج إلى مسار تدريجي للتمكين الاقتصادي.
إن معضلة دور الدولة ليست سؤالًا نظريًا، بل هي في جوهرها سؤال عن شكل المجتمع الذي نريد بناءه، مجتمع يعتمد على الدولة في البقاء، أم مجتمع تمكّنه الدولة من الإنتاج والاستقلال.
وكما تظهر التجارب المقارنة، لا يكمن في الاختيار الحاد، بل في القدرة على صياغة توازن ديناميكي بين العدالة والكفاءة، بين الدولة والسوق، وبين الحماية والتمكين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك