عمان - في لحظة تتسارع فيها مؤشرات الشح المائي وتشتد فيها ضغوط التغير المناخي، يعود السؤال المهم للواجهة في الأردن؛ هل يمكن الانتقال فعليا لحوكمة مائية متكاملة تعيد رسم طريقة إدارة المياه، ولا تكتفي بالمياه السطحية والجوفية، بل تمتد إلى ما هو أعمق داخل التربة والنظام البيئي، أي المياه الخضراء؟ اضافة اعلانوانطلاقا من ذلك، لم يعد الرهان الحقيقي على زيادة العرض المائي فقط، بل على إعادة تعريف العلاقة مع المياه نفسها، عبر دمج المياه الخضراء بقلب الحوكمة المائية، وتحويل التربة من عنصر زراعي إلى مخزون مائي إستراتيجي، يحدد مستقبل الأمن المائي والغذائي في الأردن خلال العقود المقبلة.
فوفق تحليلات خبراء في قطاع المياه، فإن الإجابة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت إستراتيجية بامتياز، لأن مستقبل الأمن المائي لم يعد يدار عبر السدود والآبار وحدها، بل عبر فهم أوسع للدورة المائية، حيث تصبح مياه الأمطار المخزنة في التربة والغطاء النباتي جزءا أصيلا من معادلة الأمنين المائي والغذائي.
ويؤكد خبراء، في تصريحات لـ" الغد"، أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يتغير تعريف" المورد المائي" نفسه، من كونه مياه سطحية وجوفية قابلة للضخ فقط، إلى منظومة متكاملة تشمل المياه الخضراء، أي تلك التي تتحكم بإنتاج الغذاء واستدامة الزراعة واستقرار النظم البيئية، والتي ظلت لعقود خارج حسابات التخطيط المائي التقليدي.
لكن هذا التحول، وفق الخبراء، لا يمكن أن ينجح دون كسر الحاجز المهم، وهو الإدارة القطاعية المجزأة، حيث تعمل المياه بمعزل عن الزراعة والبيئة والطاقة، ما يخلق فجوة في القرار ويضعف القدرة على مواجهة التحديات المتراكمة، من النمو السكاني إلى تراجع الموارد وتغير أنماط الهطل المطري.
ولفتوا إلى أنه في العمق المؤسسي، يبقى التحدي الأكبر هو بناء تكامل حقيقي بين المؤسسات، بحيث تصبح المياه والزراعة والبيئة والطاقة جزءا من منظومة قرار واحدة، قادرة على إدارة الموارد ككتلة واحدة، وليس كملفات منفصلة تتقاطع دون تنسيق كافٍ.
أما في الحالة الأردنية، فإن هذا التحول يبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، في ظل محدودية المصادر الطبيعية وبلوغ العديد من الأحواض المائية حدودها القصوى، ما يجعل من إدارة المياه الخضراء خيارا إستراتيجيا لا يقل أهمية عن مشاريع كبرى مثل التحلية والنقل، بل مكمل لها في بناء منظومة أمن مائي أكثر توازنا، بحسبهم.
أهمية تعزيز التكامل بين الجهات المعنيةوفي هذا السياق، يرى الأمين العام الأسبق لسلطة المياه م.
توفيق الحباشنة، أن قدرة الأردن على تبني حوكمة متكاملة للمياه ترتبط بمدى نجاحه في الانتقال من الإدارة التقليدية التي تركز على مصادر المياه فقط، إلى نهج أوسع يقوم على إدارة المنظومة البيئية المائية بشكل متكامل، بحيث تصبح المياه الخضراء جزءا أساسيا من التخطيط الوطني المرتبط بالأمن المائي والغذائي والتكيف مع التغير المناخي.
وتابع، " إن نجاح الحوكمة المتكاملة للمياه في الحالة الأردنية يعتمد بشكل كبير على الانتقال من إدارة مصادر المياه فقط إلى إدارة المنظومة البيئية المائية كاملة، بحيث تصبح المياه الخضراء جزءا من التخطيط الوطني للأمن المائي والغذائي والتكيف المناخي، وليس مجرد مفهوم بيئي أو زراعي منفصل".
ويشير هذا الطرح إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم الموارد المائية في الأردن، بحيث لا يقتصر على المياه السطحية والجوفية ومياه الشرب، بل يشمل أيضا المياه الخضراء المرتبطة بالرطوبة المخزنة في التربة ومياه الأمطار المستخدمة طبيعيا في الزراعة والغطاء النباتي والأنظمة البيئية، باعتبارها موردا إستراتيجيا يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط على المياه التقليدية.
ويربط الحباشنة بين نجاح هذا التحول وبين بناء سياسات وطنية عابرة للقطاعات، بحيث يجري دمج إدارة المياه مع التخطيط الزراعي والبيئي والمناخي، بدلا من التعامل مع كل قطاع بصورة منفصلة، موضحا أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتوفير المياه، بل بكيفية إدارة الدورة المائية بكامل عناصرها ضمن رؤية وطنية شاملة.
وأكد أهمية توفر متطلبات عملية ومؤسسية واضحة لتبني هذا النهج، تشمل تطوير قواعد البيانات المتعلقة بالمياه الخضراء، وإدماجها في الإستراتيجيات الوطنية، وتعميم ممارسات الحصاد المائي، وتحسين إدارة استخدامات الأراضي، إضافة إلى دعم الأنماط الزراعية القادرة على التكيف مع محدودية المياه والتغير المناخي.
وشدد على أهمية تعزيز التكامل بين المؤسسات المعنية بالمياه والزراعة والبيئة، بما يضمن بناء منظومة حوكمة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية، خاصة في ظل تصاعد الضغوط المناخية والزيادة السكانية وتراجع نصيب الفرد من المياه.
وبحسبه، فإن التعامل مع المياه الخضراء باعتبارها جزءا من منظومة الأمن الوطني المائي والغذائي، سيفتح المجال أمام سياسات أكثر استدامة في إدارة الموارد، ويقلل من الاعتماد الكامل على المصادر التقليدية المستنزفة، خصوصا مع وصول تطوير العديد من المصادر المائية الداخلية إلى حدودها القصوى في الأردن.
ضرورة توسيع مفهوم الموارد المائيةوانطلاقا من هذا الفهم الذي طرحته الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م.
ميسون الزعبي، حول ضرورة توسيع مفهوم الموارد المائية ليشمل المياه الخضراء، تتضح أبعاد التساؤل المتعلق بمدى قدرة الأردن على تبني حوكمة مائية متكاملة تتجاوز الإدارة التقليدية للمياه السطحية والجوفية.
وترى أن تبني حوكمة متكاملة للمياه في الأردن لم يعد خيارا قابلا للتأجيل، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها التحديات المتسارعة المرتبطة بشح الموارد المائية والتغير المناخي وارتفاع معدلات التبخر، مؤكدة أن المقاربات التقليدية في إدارة المياه لم تعد كافية للتعامل مع واقع مائي شديد التعقيد.
وتقول: " إن حوكمة المياه المتكاملة تمثل تحولا ضروريا في أساليب إدارة الموارد المائية، إذ لم يعد كافيا التركيز على المياه السطحية والجوفية فقط، بل أصبح من الضروري إدراك أن المياه المخزنة في التربة، أو ما يعرف بالمياه الخضراء، تعد جزءا أساسيا من الدورة الهيدرولوجية، ولها دور محوري في دعم الزراعة والنظم البيئية وإنتاج الغذاء".
وتشير إلى أن السياسات المائية التقليدية ركزت لعقود طويلة على ما يعرف بالمياه الزرقاء، أي المياه السطحية والجوفية القابلة للاستخراج، في حين بقيت المياه الخضراء خارج دائرة الاهتمام الفعلي رغم ارتباطها المباشر بالزراعة البعلية والأنظمة البيئية والرعوية، الأمر الذي أدى إلى إغفال عنصر رئيس في منظومة الموارد المائية.
وأوضحت" أن الفصل التقليدي بين المياه الزرقاء والخضراء لم يعد ملائما في ظل التحديات الحالية، لأنه أدى إلى إغفال عنصر حيوي من منظومة الموارد المائية"، مؤكدة أن المطلوب اليوم هو الانتقال نحو فهم أكثر شمولا يقوم على إدارة الدورة المائية بكامل عناصرها، وليس فقط إدارة الموارد السطحية أو الجوفية القابلة للاستخدام المباشر.
وبحسبها، فإن الأردن يمتلك فرصا واعدة لتطبيق هذا النهج، خاصة في المناطق المطرية في الشمال والمرتفعات الجنوبية ومناطق البادية، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في استمرار الإدارة المجزأة للموارد المائية واعتماد مقاربات قطاعية تفصل بين المياه والزراعة والبيئة والطاقة.
وتقول: إن التحول المطلوب يتمثل بالانتقال من إدارة العرض إلى إدارة النظام المائي البيئي بشكل متكامل، بما يضمن تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار قبل فقدانها"، مشددة على أن نجاح هذا المسار يتطلب تغييرات جوهرية على المستويين المؤسسي والتشريعي.
وتشدد على ضرورة دمج قطاعات المياه والزراعة والبيئة ضمن إطار حوكمة موحد، وصولا لتبني حوكمة متكاملة للمياه، وذلك بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد وتقليل تشتت القرار وتعزيز القدرة على مواجهة تحديات شح المياه والتغير المناخي.
وتؤكد أن الاعتراف بالمياه الخضراء كمكون أساسي من مكونات الموارد المائية الوطنية يعد خطوة ضرورية لا يمكن تجاوزها، إلى جانب تطوير تشريعات وسياسات تعزز التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية بإدارة الموارد الطبيعية.
وبالجانب التطبيقي، تشدد الزعبي على أهمية تبني حزمة من الحلول العملية التي تعزز الاستفادة من المياه الخضراء، وفي مقدمتها حصاد مياه الأمطار، وتحسين إدارة التربة، والتوسع في الزراعة الحافظة، واستخدام تقنيات الري الحديثة، معتبرة أن هذه الإجراءات يمكن أن تقلل من الاعتماد على المصادر التقليدية المستنزفة.
وتلفت إلى" أن حصاد مياه الأمطار عبر المدرجات الزراعية والحواجز الترابية والبرك الصغيرة يمثل أداة فعالة لتعزيز رطوبة التربة"، مضيفة أن الزراعة الذكية مناخيا، بما تشمل من اختيار محاصيل مقاومة للجفاف واستخدام الري بالتنقيط، تسهم بصورة مباشرة في رفع كفاءة استخدام المياه وتحسين قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع المتغيرات المناخية.
وتربط نجاح هذا التحول بضرورة تطوير إدارة الأحواض المائية والمياه الجوفية، بما يضمن حماية الموارد من الاستنزاف وتحسين استدامتها على المدى الطويل، إلى جانب التوسع في استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ضمن مفهوم الإدارة الدائرية للمياه، بهدف تخفيف الضغط على الموارد العذبة.
وفي الجانب الاقتصادي، تؤكد أن التحول نحو حوكمة مائية متكاملة يتطلب استقطاب التمويل الأخضر والدولي لدعم مشاريع البنية التحتية المستدامة، مع تعزيز دور القطاع الخاص في مجالات التحلية ومعالجة المياه وتقليل الفاقد.
كما تشير إلى أهمية استخدام الأدوات الاقتصادية لتحفيز الممارسات المستدامة، موضحة" أن الحوافز المالية أو ما يمكن تسميته باعتمادات المياه الخضراء قد تشجع المزارعين على تبني ممارسات أكثر استدامة"، خاصة في المناطق الزراعية المعتمدة على مياه الأمطار.
وتؤكد أهمية أن تكون المجتمعات المحلية شريكا رئيسا في إدارة الموارد المائية، نظرا لارتباطها المباشر باستخدامات الأراضي والمياه المخزنة في التربة، مشددة في الوقت ذاته على أهمية رفع الوعي المائي وتغيير السلوك الاستهلاكي باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استدامة الموارد.
وتلفت إلى أن دعم البحث العلمي والابتكار في إدارة المياه بات ضرورة ملحة، سواء فيما يتعلق بتطوير التقنيات الزراعية أو تحسين كفاءة استخدام المياه أو تعزيز قدرة النظم البيئية على التكيف مع التغير المناخي.
وتخلص إلى" أن دمج المياه الخضراء ضمن منظومة الحوكمة المائية يعني إعادة تعريف العلاقة مع مياه الأمطار باعتبارها موردا إستراتيجيا داخل النظام البيئي، وليس مجرد ظاهرة مناخية عابرة"، مؤكدة أن نجاح هذا التوجه يعتمد على تسريع الإصلاحات المؤسسية والتقنية والمالية، بما يعزز الأمن المائي والغذائي على المدى الطويل، ويجعل التربة جزءا من المخزون المائي الوطني الداعم لاستدامة النظم البيئية والزراعية في المستقبل.
ويبرز قطاع المياه في الأردن، عبر وزارة المياه والري وإستراتيجيتها الوطنية، بوصفه أحد المحاور الرئيسة في التعامل مع تحديات الشح المائي والتغير المناخي، حيث تركز السياسات الحالية على تعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية الطبيعية وتقليل الهدر، في إطار يتقاطع بشكل غير مباشر مع المفهوم الأكاديمي لـ" المياه الخضراء" المرتبط بإدارة المياه في القطاع الزراعي والتربة والأنظمة البيئية.
وفي هذا السياق، يظهر مشروع" الناقل الوطني" كأحد أبرز التدخلات الإستراتيجية الهادفة إلى تعزيز الاستدامة المائية، في ظل محدودية المصادر وازدياد الطلب، إذ يطرح بوصفه نقلة نوعية في تأمين المياه عبر التحلية والنقل من البحر الأحمر.
وتشكل حوكمة المياه أحد المحاور الأساسية في الإستراتيجية الوطنية للمياه في الأردن للأعوام 2023–2040، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المملكة باعتبارها من أكثر دول العالم فقرا بالمياه.
وتركّز الإستراتيجية على تطوير الإدارة المؤسسية لقطاع المياه، وتعزيز الشفافية وكفاءة اتخاذ القرار، إلى جانب تحسين إدارة الموارد المائية وفق نهج الإدارة المتكاملة، بما يضمن استدامة التزويد المائي ورفع كفاءة الاستخدام في مختلف القطاعات.
ورغم أن مفهوم" المياه الخضراء" لا يرد بصورة مباشرة كمحور مستقل في الإستراتيجية، إلا أن العديد من السياسات والإجراءات الواردة فيها ترتبط بهذا المفهوم بشكل غير مباشر.
ويقصد بالمياه الخضراء، مياه الأمطار المخزنة في التربة والتي تستفيد منها النباتات والمحاصيل الزراعية، خصوصا في الزراعة البعلية، وهي تمثل عنصرا مهما في تحقيق الأمنين المائي والغذائي في المناطق الجافة وشبه الجافة مثل الأردن.
وتبرز العلاقة بين حوكمة المياه والمياه الخضراء من خلال توجهات الإستراتيجية نحو التكيف مع التغير المناخي وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية؛ فالإستراتيجية تدعو إلى تحسين إدارة الأحواض المائية، والحد من تدهور الأراضي، وتشجيع حصاد مياه الأمطار، وهي جميعها إجراءات تسهم في تعظيم الاستفادة من المياه الخضراء وتقليل الفاقد المائي.
كما تؤكد الإستراتيجية على أهمية الترابط بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء والبيئة، وهو ما يفتح المجال أمام إدماج مفهوم المياه الخضراء ضمن التخطيط الزراعي المستقبلي، خاصة في ما يتعلق برفع كفاءة استخدام مياه الأمطار في الإنتاج الزراعي وتقليل الاعتماد على المياه الجوفية المستنزفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك