العقبة- وضعت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة حجر الأساس لمركز الاقتصاد الدائري الإبداعي الأول من نوعه في المملكة، باستثمار يتجاوز 1.
2 مليون دينار، في خطوة تهدف إلى تحويل النفايات والمواد القابلة للاسترداد إلى موارد ومنتجات ذات قيمة اقتصادية وبيئية.
اضافة اعلانوينتظر أن يسهم المركز في تعزيز الاستدامة، وخلق فرص عمل خضراء، ودعم ريادة الأعمال البيئية، إلى جانب تطوير منظومة متكاملة لإدارة الموارد والنفايات وفق أحدث مفاهيم الاقتصاد الدائري.
وبهذا المركز، تعلن العقبة انطلاق مرحلة إستراتيجية تتجاوز البعد البيئي البحت لتغوص في عمق الاقتصاد الكلي، حيث يشكل هذا المركز نقلة نوعية في مسيرة التحول التنموي المستدام، باعتباره أول منشأة متكاملة متعددة الوظائف تعنى بتطبيق مفاهيم الاقتصاد الدائري على أرض الواقع، من خلال تحويل المواد القابلة للاسترداد وإعادة الاستخدام إلى موارد ومنتجات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية، ضمن مشروع ريادي يحمل اسم" تحفيز التحول نحو الاقتصاد الدائري من خلال تسعة مبادئ للتدوير في العقبة".
والمشروع تنفذه سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، بهدف دعم التحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة، وتعزيز الإدارة المتكاملة للموارد والنفايات في مدينة تواجه تحديات متزايدة نتيجة النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.
وبحسب خبراء، فإن القيمة المضافة للمشروع على الاقتصاد الوطني الأردني عموما، وعلى مدينة العقبة خصوصا، تتجلى بصورة لا تقبل التأويل، إذ إن طمر نحو تسعين ألف طن من النفايات سنويا كان يشكل استنزافا للموارد وضغطا هائلا على البنية التحتية البيئية، بل إن هذه الأرقام الصادمة ستتحول، بفضل هذا المركز، إلى بنك للمواد الخام وفرصة استثمارية واعدة قادرة على توليد سلاسل إمداد جديدة تغذي القطاعات الصناعية والحرفية المحلية.
وأضافوا أن مما يعزز هذا التوجه إقامة المركز على مساحة واسعة تزيد على خمسة آلاف متر مربع، ليضم مرافق متخصصة للفرز والمعالجة والإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع، إلى جانب مساحات للتدريب والتوعية المجتمعية، وحاضنات للابتكار وريادة الأعمال البيئية، وأنظمة للطاقة المتجددة وشحن المركبات الكهربائية، وهو ما يعني خلق منظومة اقتصادية مصغرة ومكتفية ذاتيا.
كما أشاروا إلى أن تلك المنظومة ترفد السوق المحلي بمنتجات معاد تدويرها بمعايير جودة عالية، تسهم في تقليل فاتورة الاستيراد للمواد الخام الأولية، وتخفف من البصمة الكربونية للمدينة الساحلية، علاوة على توفير منصة حقيقية للشباب الأردني المبدع لتحويل أفكارهم الخضراء إلى مشاريع ريادية قابلة للتطبيق والنمو، في بيئة تحتضن الابتكار وتوفر الدعم التقني واللوجستي اللازمين للنجاح في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو تبني نماذج الأعمال المستدامة.
بهذا الخصوص، يؤكد رئيس مجلس مفوضي سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة، شادي رمزي المجالي، أن هذا المشروع يجسد رؤيتنا في ترسيخ نموذج تنموي متوازن يربط بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، ويعزز الابتكار وريادة الأعمال، ويوفر فرص عمل نوعية للشباب الأردني، مشددا على أن العقبة تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لتكون مركزا وطنيا وإقليميا رائدا في تطبيق مفاهيم الاقتصاد الدائري، مضيفا أن المركز يمثل استثمارا حقيقيا في مستقبل المدينة، وخطوة عملية نحو بناء منظومة متكاملة لإدارة الموارد وتحويل المواد المستهلكة إلى فرص اقتصادية ذات قيمة مضافة، بما يعزز تنافسية العقبة واستدامة نموها في مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية العالمية.
ومما يضفي أبعادا أعمق على هذا الإنجاز الوطني حجم الشراكة الدولية والإقليمية التي تقف خلفه، حيث يعكس التمويل الأوروبي والدعم الأممي ثقة المجتمع الدولي بقدرة الأردن على قيادة التحول الأخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما عبرت عنه رئيسة وحدة في المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الاتحاد الأوروبي، آنا بيريس، بتأكيدها التزام الاتحاد بدعم جهود الأردن في الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة وشمولا.
وأشارت بيريس إلى أن الاقتصاد الدائري يشكل أحد المحاور الرئيسة للتعاون مع شركاء الاتحاد الأوروبي في المنطقة، لما يوفره من فرص للنمو الأخضر والأزرق وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات البيئية والمناخية، بل إن هذه الشراكة تتجاوز الدعم المالي لتشمل نقل المعرفة والتكنولوجيا وتوطين أفضل الممارسات العالمية في مجال إدارة الموارد.
وبينت الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الأردن، رنده أبو الحسن، أن المركز لا يمثل مجرد منشأة جديدة، بل هو منصة متكاملة للابتكار والتدريب والبحث والتطوير ودعم ريادة الأعمال البيئية، مؤكدة أن الاقتصاد الدائري بات أحد أبرز المسارات العالمية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء اقتصادات أكثر كفاءة وقدرة على الصمود في وجه الأزمات، في حين أوضح أن هذا النموذج العملي قابل للتوسع والتطبيق في مناطق أخرى من المملكة مستقبلًا، ليكون نواة لشبكة وطنية من مراكز الاقتصاد الدائري.
وينظر للقيمة المضافة لهذا المركز من زوايا اقتصادية تحليلية متعددة تتجاوز الوصف السردي لتدخل في صلب الأرقام والمؤشرات التنموية، فمن الناحية التشغيلية يفتح المركز آفاقا واسعة لاستحداث وظائف خضراء مباشرة وغير مباشرة تشمل المهندسين البيئيين، والفنيين المتخصصين في إعادة التدوير، وخبراء اللوجستيات، ومطوري الأعمال، والباحثين في مجالات المواد الجديدة، ناهيك عن تحفيز قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة التي ستجد في المركز حاضنة مثالية لاختبار وتطوير منتجاتها المعتمدة على المواد المعاد تدويرها.
ومن الناحية الاجتماعية، يسهم المشروع في تعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول والفرز من المصدر لدى المواطنين والمقيمين في العقبة، مما يخلق وعيا مجتمعيا متقدما ينعكس إيجابا على جودة الحياة والصحة العامة.
أما من الناحية الاستثمارية، فإن وجود بنية تحتية متطورة للاقتصاد الدائري يمثل عامل جذب قوي للشركات العالمية التي تضع معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية في مقدمة أولوياتها عند اختيار وجهاتها الاستثمارية، مما يعزز من مكانة العقبة كمنطقة اقتصادية خاصة تواكب أحدث التوجهات العالمية وتوفر بيئة أعمال تنافسية ومستدامة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم النعيمات، أن استثمار مليون ومائتي ألف دينار في هذا القطاع تحديدا يعد بمثابة بذرة ستطرح ثمارا اقتصادية مضاعفة خلال السنوات الخمس المقبلة، مبينا أن العائد على الاستثمار في مشاريع الاقتصاد الدائري يقاس بحجم الوفر المالي المتحقق من تقليل كلف التخلص من النفايات، وتخفيض فاتورة استيراد المواد الخام، وتقليص النفقات الصحية والبيئية المترتبة على التلوث.
وأشار إلى أن العقبة بهذا المركز تضع قدمها بثبات على طريق الاستقلال بالموارد وتحقيق مرونة اقتصادية عالية تجعلها أقل عرضة لتقلبات سلاسل التوريد العالمية.
من جهتها، تعبر الناشطة البيئية ورائدة الأعمال الشابة سارة النعيمات عن أن هذا المركز يمثل الحلم الذي طالما انتظره الشباب الطامحين لتأسيس مشاريع خضراء، فنحن اليوم نجد كل ذلك تحت سقف واحد يجمع بين التوجيه والتدريب والتمويل الأولي، مما يجعل العقبة الوجهة الأولى لرواد الأعمال البيئيين في الأردن والمنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن اعتماد المركز على أنظمة الطاقة المتجددة وشحن المركبات الكهربائية يجعله نموذجا متكاملا للاستدامة، لا يكتفي بمعالجة مخرجات الاستهلاك، بل يتبنى ممارسات خضراء في كافة عملياته التشغيلية، وهذا التوجه يتناغم تماما مع التزامات الأردن الدولية في مجال التغير المناخي وخفض الانبعاثات الكربونية، مما يعزز من فرص المملكة في الحصول على تمويلات مناخية إضافية وجذب استثمارات خضراء واسعة النطاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك