في 22 أيار الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية سلسلة" دليل المستثمر" التي تهدف إلى تشجيع الشركات الأميركية للبحث عن فرص استثمارية في سوريا، وذكرت الوزارة أن هذه السلسلة تعبر عن" ثقة أميركية بإمكانية تحول سوريا إلى وجهة موثوقة للاستثمار المسؤول وريادة الأعمال والاندماج"، وأضافت بأن هناك" فرص حقيقية موجودة في قطاعات متعددة، مثل الكهرباء، والنفط والغاز، والتكنولوجيا، والاتصالات، والعقارات، والخدمات المصرفية".
وبحسب جميع المؤشرات، كانت الرسالة واضحة وهي: نشجعكم على الاستثمار في سوريا، وإليكم أفضل السبل للقيام بذلك.
لكن الأمور بقيت غامضة فيما يتعلق بالقوانين الأميركية تجاه سوريا، إذ مايزال القانون الأميركي يعيق الاستثمار فيها فعلياً.
والسبب الرئيسي لذلك هو تصنيف قانوني تجاوز مبرراته الأصلية.
فمنذ عام 1979، وسوريا موجودة على قائمة (الدول الراعية للإرهاب) لدى وزارة الخارجية الأميركية، وهو وضع تترتب عليه سلسلة من القيود المالية، بما في ذلك تشديد الرقابة على المعاملات المالية، وفرض قيود على التعامل مع المؤسسات المالية الأميركية، وتجميد بعض الأصول السيادية الخاضعة للولاية القضائية الأميركية، وحظر شبه كامل على صادرات الدفاع، وضوابط صارمة على تصدير السلع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
وقد فُرض هذا التصنيف في الأصل بسبب دعم نظام بشار الأسد لمجموعات مسلحة غير حكومية تمارس العنف عملت ضد حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها.
لكن نظام الأسد لم يعد موجوداً الآن.
والجهة التي كانت تمثل سبب هذا التصنيف لم تعد قائمة.
ومع ذلك، مايزال التصنيف قائماً وتداعياته تُلحق ضرراً بالغاً بفرص تعافي سوريا، إذ حتى في الحالات التي لا يُحظر فيها الاستثمار بشكل مباشر بموجب القانون الأميركي، فإن الفقرات الحذرة التي تتطرق إلى الامتثال ترفض السماح بإجراء معاملات تتصل بسوريا، خشية التعرض لمخاطر قانونية أو تشويه للسمعة نتيجة التعامل مع دولة مصنفة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
حالياً، تحاول سوريا إعادة البناء من الرماد والركام بعد حرب تعتبر من أشد الحروب تدميراً في التاريخ الحديث، فقد تسببت بنزوح نحو 13 مليون شخص، وتحولت مدن بكاملها إلى أنقاض، مع تقديرات لتكاليف إعادة الإعمار تتراوح ما بين 216 مليار و900 مليار دولار.
ورغم أن عدداً من العقوبات الأميركية قد رُفعت بوتيرة سريعة غير مسبوقة استناداً إلى مصلحة استراتيجية واضحة تتمثل في دعم قيام دولة سورية مستقرة ومتعاونة، فإن تعثّر عملية إزالة سوريا من قائمة (الدول الراعية للإرهاب) يجعل تحقيق هذا الهدف أصعب.
عندما تصنّف الولايات المتحدة دولةً ما ضمن قائمة (الدول الراعية للإرهاب)، فإن ذلك يفعّل شبكة معقدة من العواقب القانونية والمالية والدبلوماسية.
ومن أهم العواقب عدم شمول الدولة المعنية بقانون حصانات السيادة الأجنبية فيما يتصل بالإرهاب، والذي يجرّد الدولة المصنفة من الحصانة السيادية ويسمح للادعاء العام الأميركي بمقاضاتها أمام المحاكم الفدرالية بسبب أعمال التعذيب أو الإعدام الميداني أو احتجاز الرهائن وما يتصل بذلك من سلوكيات، حيث يقدم الإدعاء أدلته أمام محكمة فدرالية، في حين لا تحضر الدولة المدعى عليها مطلقاً، ثم يصدر حكم غيابي بحقها، وتعتبر عملية التقاضي هذه سهلة للغاية، وقد تمخضت عنها نتائج مهمة ضد سوريا.
فمنذ عام 2011، أصدرت المحاكم الأميركية أحكاماً ضد سوريا تكبدها خسائر بقيمة تتجاوز 31 مليار دولار، وماتزال هناك 186 قضية أخرى قيد النظر، بعضها يطالب بمليارات الدولارات بشكل فردي.
وتشير تقديرات متحفظة لإجمالي الالتزامات التي قد تفرض على سوريا والتي يمكن أن تصل إلى ما بين 100 و150 مليار دولار.
يذكر أن الناتج القومي الإجمالي السنوي لسوريا انخفض إلى نحو 21 مليار دولار بحلول عام 2014.
وتشير أفضل تقديرات البنك الدولي لإعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا إلى 216 مليار دولار.
وبموجب هذه الحسابات القاسية، فإن خضوع سوريا لتلك القوانين وأحكامها وما تفرضه من جزاءات يتجاوز بالفعل كامل إنتاجها الاقتصادي السنوي، علماً أن الأحكام القضائية ماتزال تصدر بحقها.
وهذه ليست مشكلة نظرية، لأن كل دولار تُجبر سوريا على دفعه لتسوية أحكام قضائية مرتبطة بمرحلة نظام الأسد المخلوع يحرمها من دفعه لإعادة بناء منزل أو مدرسة أو مشفى.
وكل أصل سوري مرتبط بالولايات المتحدة بات رهن الحجز من قبل من صدرت الأحكام لصالحهم، وهذا ما يعطي سوريا مبررات منطقية لتجنب أي تعامل تجاري مع الأسواق الأميركية، على الرغم من أنها بحاجة لذلك التمويل من أجل عملية إعادة الإعمار.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذا التصنيف لا يقيّد سوريا سياسياً فحسب، بل يقيّدها مالياً ويحبسها داخل دائرة مغلقة.
ومما يزيد الطين بلة أن تصنيف (الدول الراعية للإرهاب) يمنع وبقوة أي شركة أميركية من التفكير في الإسهام أو الاستثمار في تعافي سوريا، رغم وجود عدد من الشركات المهتمة بذلك.
وفي حين يدعم جزء من الحكومة الأميركية مصالح الشركات الأميركية في سوريا ويسهّل وصول كبار الفاعلين الأميركيين إلى مواقع متقدمة بغية الحصول على العقود، فإن جزءاً آخر من الحكومة مايزال يعرقل هذه الجهود.
وحتى الآن، ماتزال مسألة إلغاء التصنيف مطروحة على طاولة مكتب وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يُعتقد أنه يرغب في الاحتفاظ بورقة ضغط على الحكومة السورية لتحقيق مزيد من التقدم في قائمة شروط حُددت عند إلغاء قانون قيصر في كانون الأول 2025، والذي يضم مجموعة من العقوبات التي وقعها الرئيس ترمب فتحولت إلى قانون في كانون الأول 2025.
ومع ذلك، فإن تلك الشروط التي تركز بشكل خاص على الاستقرار في الداخل وضمان حقوق الأقليات وتحقيق العدالة الداخلية والمحاسبة، ليست مرتبطة قانونياً بتصنيف سوريا ضمن قائمة (الدول الراعية للإرهاب)، ومضمونها لا يؤثر في تحديد ما إذا كانت حكومة ما تُعتبر راعية للإرهاب أم لا.
أشخاص لا علاقة لهم هم من يدفعون الثمنهناك حالة ظلم أعمق هنا لم يقف عندها السياسيون في الولايات المتحدة، لأن الشعب السوري لم يكن راعياً للإرهاب، بل كان ضحية نظام فعل ذلك.
وعلى مدار عقد ونيف من الحرب، قُتل ملايين السوريين أو تعرضوا للتعذيب أو الإخفاء القسري أو التهجير من منازلهم على يد نظام الأسد المخلوع، أي أنهم كانوا الضحايا الأساسيين للسلوك الذي أدى إلى صدور هذه الأحكام القضائية.
لذا، فإن الإبقاء على هذا التصنيف يجعلهم يستمرون في دفع الثمن، عبر الاستعانة بالموارد المحدودة لدولتهم.
يذكر أن الأحكام الصادرة بحق سوريا بموجب قانون حصانات السيادة الأجنبية قابلة للتنفيذ لمدة 12 عاماً وفقاً لقوانين مقاطعة كولومبيا، حيث صدرت معظم هذه الأحكام، ولكن يمكن تجديدها إلى أجل غير مسمى، ما يعني بأن سوريا لا يمكنها أن تطوي تلك الصفحة بكل بساطة، بل حتى مع سعي الحكومة الجديدة إلى تطبيع العلاقات ورفضها لسلوك النظام المخلوع، فإن البنية القانونية لجرائم النظام السابق ستظل تلاحقها، وهذه ليست مساءلة، بل توريث المسؤولية القانونية لأشخاص لا علاقة لهم بالموضوع.
سوريا تغيّرت.
والتصنيف لم يتغيّرتغيّر الأساس الواقعي الذي بُني عليه تصنيف سوريا بشكل جذري، فالحكومة السورية الجديدة لا تمثل نظام الأسد تحت اسم آخر، إذ اتجهت نحو تطبيع دبلوماسي نشط مع الولايات المتحدة، شمل زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025، وهي أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض في تاريخ الولايات المتحدة.
كما انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الذي تقوده الولايات المتحدة، إلى جانب التنسيق في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية وأمن الحدود وعمليات مكافحة الإرهاب.
وخلال سنة ونصف من وصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة، تراجعت عمليات تنظيم الدولة إلى أدنى مستوياته، وألحقت هزيمة بتمرد دعمته إيران وحزب الله، وصودرت أكثر من 215 مليون حبة كبتاغون، في حملة جرى التنسيق لها مع دول الجوار.
كما انضمت سوريا إلى المبادرة العالمية للجنة الدولية للصليب الأحمر لتعزيز الالتزام السياسي بالقانون الإنساني الدولي؛ وأكدت مجدداً التزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية؛ وحققت تقدماً ملموساً بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتحديد ومصادرة وإزالة ما تبقى من مخزون النظام البائد من الأسلحة الكيماوية.
كل تلك الأفعال ليست أفعال دولة راعية للإرهاب، بل أفعال دولة تسعى للاندماج مجدداً ضمن النظام الدولي، ومن المفترض بإطار (الدول الراعية للإرهاب) أن يكون أداة لتغيير السلوك، بما أنه تصنيف يُفرض للمعاقبة على أفعال معينة وخلق حوافز للإصلاح.
وعندما تُظهر حكومة ما أنها قامت بهذا الإصلاح، ينبغي أن رفع التصنيف الواقع عليها، لكن الإبقاء على سوريا في القائمة نفسها إلى جانب إيران وكوريا الشمالية وكوبا لا يعبر عن الواقع الحالي، بل يعكس واقعاً كان قائمًا قبل 45 عاماً.
إن شطب سوريا من قائمة التصنيف لا يعني إعفاء أي طرف من المسؤولية، بل خلق ظروف تتيح للضحايا الأميركيين الحصول على تعويضات، بدلًا من الاحتفاظ بأحكام قضائية غير قابلة للتنفيذ ولا تتمخض عن أية نتيجة.
والسوابق في هذا السياق تشرح كل ذلك، إذ عندما شطب اسم ليبيا من قائمة (الدول الراعية للإرهاب) في عام 2006، تفاوضت على تسوية بقيمة 1.
5 مليار دولار لحل دعاوى مرتبطة بأعمال إرهابية اعتُبرت مسؤولة عنها، بما في ذلك تفجير لوكربي عام 1988 والهجوم على ملهى ليلي في برلين عام 1986، إذ في قضية واحدة فقط، حكمت محكمة أميركية على ليبيا بدفع 6 مليارات دولار، إلا أن تلك التسوية وفّرت تعويضاً حقيقياً، أتى أقل من القيمة الاسمية للحكم القضائي، لكنه بقي أفضل بكثير من أي شيء كان سيحصل عليه الضحايا من دولة لا تنوي الدفع أصلاً.
وعندما شطب اسم السودان من تلك القائمة في عام 2020، دفع 335 مليون دولار، إضافة إلى 150 مليون دولار قدمتها الولايات المتحدة بموجب" قانون تسوية قضايا السودان"، وذلك لتسوية قضايا صدرت بموجبها أحكام لصالح أفراد بمليارات الدولارات.
وبذلك حصل الضحايا على مبالغ تقل عن القيمة الاسمية لأحكامهم، لكنهم حصلوا على شيء ما بنهاية المطاف، وهذا" الشيء" لا يعتبر تنازلاً بسيطاً ضمن هذا السياق، بل هو ما يميز ما بين العدالة الجزئية والظلم.
وهذا إن دل على شيء فإنما يعبر عن نسق محدد: فشطب التصنيف يفتح الباب أمام المحاسبة والتعويضات بدلاً من أن يغلق هذا الباب، كما أن إطار التوصل إلى تسوية مع سوريا يتناسب مع القيود الاقتصادية لمرحلة ما بعد النزاع، ويمكن أن يعتمد على إسهامات يمكن أن يقدمها شركاء إقليميون مثل السعودية وقطر وتركيا، بما أن لهذه الدول مصلحة كبيرة في استقرار سوريا، وبذلك يحصل المتضررون على تعويضات مهمة في وقت لا تقدم لهم آليات التنفيذ الحالية سوى الفتات.
في حال عدم شطب اسم سوريا من تلك القائمة، لن يحصل كل من صدر حكم لصالحه على أي تعويض، وليس لدى سوريا أي حافز للمثول أمام المحاكم الأمريكية، أو التعامل مع المؤسسات المالية الأميركية، أو السماح بتعريض أصولها للحجز، وبذلك ستستمر حلقة الأحكام الغيابية المفرغة إلى أجل غير مسمى، ولن يحصل أي متضرر على تعويض.
السلطة موجودة والمسار واضحلدى إدارة ترمب كل ما يلزمها للتحرك في هذا المضمار، فالقانون الأميركي يتمتع بآليتين لرفع أي دولة من قائمة (الدول الراعية للإرهاب)، وتتمثل الآلية الأولى بمصادقة الرئيس الأميركي على عدم دعم تلك الدولة للإرهاب لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وأنها قدمت ضمانات بعدم دعم الإرهاب مستقبلاً، وها قد مضت سنة ونصف السنة على تشكيل الحكومة السورية الجديدة، وجميع المؤشرات العامة تظهر بأن سوريا تحولت إلى دولة تحارب الإرهاب بشكل دؤوب، بدلاً من أن ترعاه، وبالتالي يمكن للرئيس الأميركي أن يدلي اليوم بشهادته عن فترة الستة أشهر المطلوبة.
أما المسار الثاني فهو مباشر بنسبة أكبر، إذ يمكن للرئيس الأميركي أن يصادق على حدوث تغيير جذري في قيادة الدولة وسياساتها، وعلى عدم دعم الحكومة للإرهاب، وعلى تقديمها لضمانات خطية تنص على عدم تقديم أي دعم للإرهاب مستقبلاً.
وهذا المسار الذي تمت الاستعانة به لشطب العراق من تلك القائمة في عام 2004 بعد سقوط صدام حسين، لا يحتاج إلى فترة انتظار ولا يرتبط بجدول زمني محدد، بما أنه قد صمم بدقة ليتناسب مع الظروف التي تعيشها سوريا اليوم.
وقد وجّه الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر عن الرئيس ترمب في حزيران 2025 وزير الخارجية الأميركي إلى مراجعة تصنيف سوريا.
كما أكد الخطاب الاستشاري الثلاثي الصادر في كانون الأول 2025 عن وزارات الخارجية والخزانة والتجارة أن هذه المراجعة ماتزال قيد الدراسة، والإطار القانوني موجود، والأساس المبني على وقائع قد تحقق، والحجج السياسية دامغة من جميع الجوانب، بما أن ذلك يصب في مصلحة استقرار سوريا، والأمن الإقليمي، والمصالح الاستراتيجية الأميركية، وكذلك في مصلحة الضحايا الذين يستحقون أكثر من أحكام قضائية لا يترتب عليها أي تعويض.
ما الذي تنتظره الولايات المتحدة؟كان هذا التصنيف منطقياً عندما فرض على سوريا، كونه أتى نتيجة لسلوك نظام كان يدعم الإرهاب ضد حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها، إلا أن ذلك النظام لم يعد موجوداً.
وما تبقى هو بلد مدمّر، وحكومة جديدة تسعى أن تجد لها مكاناً داخل المجتمع الدولي، وبنية قانونية تهدد بخنق عملية إعادة الإعمار حتى قبل أن تبدأ.
وبناء على ذلك، أصبحت أمام الولايات المتحدة فرصة نادرة لتحقيق عدة أهداف في آن معاً، وهي دعم استقرار سوريا، وخلق مسار لتعويض الضحايا عبر تسوية تفاوضية، وإطلاق الاستثمارات الأميركية والدولية في عملية إعادة الإعمار، وإثبات أن إطار (الدول الراعية للإرهاب) أداة سياسية فعّالة، كونها تستجيب لتغير الواقع بدلاً من فرض عقاب دائم على شعوب دفعت ثمناً باهظاً.
إن إزالة هذا التصنيف عن سوريا ليس تنازلاً، بل اعتراف متأخر بأن الوقائع تغيّرت، ويأن السياسة الأميركية لابد لها أن تتغير بالتوازي معها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك